لا تهمني أفكارك وقناعاتك بل أنا حريص على من تكون حقا

"إن كثرة القوانين في مجتمع ما وتشعبها والتعقيدات التشريعية علامة مؤكدة على وجود شيء فاسد في هذا المجتمع، وفي هذا دعوة للتوقف عن إصدار مزيد من القوانين والبدء في تعليم الناس وتربيتهم"
عن مؤلف 'الإعلان الإسلامي' للأستاذ علي عزت بغوفيتش رحمه الله
الحياة شيء خطير..عدم الاستقرار هو ثمن العيش، الذين يموتون هم الذين يشعرون بالاستقرار، أو بالأحرى أولئك الذين لم يولدوا..يبدو لي أحيانا بأنه لكي يستطيع الإنسان احتمال ضغوط الحياة، فإن عليه أن ينزل إلى الدائرة التاسعة من الجحيم، وذلك يعني احتمال ما لا يُحتمل، وقبول ما لا يمكن قبوله، قبول كل ما يخيف..الجميع كلهم، وعندما يتهيأ له بأنه تعرض لجميع مصائب هذا العالم، وأنه شرب جميع الكؤوس المرة ما عدا تلك الأشد مرارة ليأخذها ويشربها في القاع.
يقولون بأنه يوجد بعض الناس الذين استسلموا منذ الليلة الأولى، هل هم أولئك الذين انحدروا إلى القاع ذاته؟ وعندما عادوا، فإن ما بقي منهم، هو ما يمكن أن يبقى تجاه العالم كله-السماء والأرض- وبدون خوف تنظرون إلى كل حقيقة في العيون، وكل ما يمكن أن يحدث حدث لهم ولا يوجد شيء يخيفهم، لا وجود لأي نوع من الخوف، إنهم أولئك المستعدون لعيش حياتهم مهما كانت، والمحافظة عليها إلى النهاية بهدوء واحترام، وأولئك الذين يمكنهم احتمال الحياة، يمكنهم احتمال الموت، لأن الحياة أصعب وأخطر من الموت.
عندما تعايش كل شيء وتحتمله، وعندما تنهض ثانية بعد مئات الكبوات، عندما ترفض الآمال الكاذبة والمواساة، وتضغط على أسنانك لكي ترى الحقيقة بشكل واضح، وبعيونك، عندما تفهم بأن المعنى الوحيد للحياة هو في النضال ضد الشر، وفي هذا النضال يمكن عمل القليل، ولكنه الشيء الوحيد الذي بمقدورنا، وخارجها هو السقوط الأبدي.
المدينة الكبيرة لها تأثير غريب على الإنسان، فالإنسان الذي سممته المدينة الكبيرة، يفقد بشكل غير مباشر الشعور بالحياة التي جاء بها إلى العالم، إنه يبدأ باحتقار الطبيعة والبحر والسماء والغيوم، ويبقى محلقا مثلما هو الأمر مع كل سم يستعمل لمدة طويلة.
الإنسان الذي يعرض علي أفكاره، يمكنني أن أقول له برضا كبير: لا تهمني أفكارك وقناعاتك المذكورة، ولا نظرتك للعالم، ولا كيف تسمي كل ذلك، الشيء الوحيد المهم بالنسبة لي، والشيء المهم فعلا هو كيف أنت، هل أنت إنسان جيد أم سيء؟ في الحقيقة أن كل قصصك وكل تصرفاتك هي مهمة فقط بقدر ما تساعدني على الإجابة عن السؤال عنك: من تكون؟
توفي رجل كنت قد عرفته، وعند قراءتي نعيه بدأت أفكر: يوجد أناس خفنا منهم بسبب قوتهم وتفوقهم، وهناك أناس احترمناهم بسبب ذكائهم، أو لتمتعهم بصفات من نوع آخر أُعجِبنا بها بسبب نوعيتها، وأخيرا أولئك الذين أحببناهم بسبب طيبوبتهم، وعندما يموتون نتذكر هؤلاء المتأخرين فقط بأسف حقيقي وشعور بالخسارة لا تعوض، كان ذلك بالنسبة لي برهانا على أن الحب والطيبوبة هما فقط القيمتان الأكبر من كل التحديات الأخرى، للزمن والنسيان، واللتان لا يمكن لأي شيء آخر أن يثير السؤال حولهما ولا حتى الموت ذاته، وبمعنى ما فالحب والطيبوبة هما شاهدان على الخلود الإنساني.
تحدثنا حتى الآن عن الخسائر والهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لكي نتحدث عن الهزائم والخسائر التي ألحقناها بأنفسنا وبهذا ستكون بداية نضجنا، عندما أفكر بأحوال المسلمين في العالم، فعادة ما يكون موضوع سؤالي:هل نلنا المصير الذي نستحق؟ وهل الآخرون مسؤولون عن أوضاعنا وخسائرنا؟ إذا كنا نحن مذنبين (وأرى بأننا كذلك) فما الذي لم نقم به، وكان ضروريا فعله، أو بالأحرى ما الذي فعلناه وكان علينا ألا نفعله؟ هذان سؤالان ضروريان بالنسبة لي، عندما يتعلق الأمر بأوضاعنا التي لا نحسد عليها.
فلماذا لا تكون الشعوب التي تقوم صلاتها على النظافة وترتبط بالمراجعة الدائمة للوقت، مثالا للنظافة والدقة؟ ولماذا لا تصبح الشعوب التي تمتنع عن الطعام والشراب ثلاثين يوما في العام مثالا للمبدئية؟ لماذا لم تحولهم التجربة الصعبة والقاسية طوال أربعة عشر قرنا من النظافة والدقة والمبدئية إلى طبيعة أخرى أو حتى إلى ذهنية دائمة؟ إن من يقدم جوابا مقنعا عن هذين السؤالين يستحق جائزة نوبل.
بتصرف عن مؤلف 'هروبي إلى الحرية'
للأستاذ علي عزت بيغوفيتش رحمه الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق