رسالة إلى أستاذي الصفر المحترم

سيدي الصفر المحترم تحية طيبة وبعد،
بعد زمن طويل خالطت فيه أصنافا شتى من البشر بصالحهم وطالحهم، اقتنعت أخيرا بأن كثرة الشرح تفسد الانشراح، وأن كثرة الفهامة تعود على صاحبها بالندامة، وأن أعدى شيء للمرء هو أن تحقره وتحط من قدره وتترفع عليه بمحاولة إفهامه أنك أعلى منه مرتبة وشأنا، أو أوفر منه غنى، أو أقوى منه جاها أو سلطانا، أو أفضل منه عرقا، وأيقنت أن هذه الأمور المقززة التي تعشعش في الحمض النووي البشري منذ الأزل هي أصل العداوات والأحقاد والتطاحن بين البشر،  وهو ما يمكن ملاحظته في كل أصقاع العالم اليوم في الشوارع والحافلات والإدارات، وفي كل ركن من أركان عالمنا السفلي، ويتجلى ذلك بكل بوضوح في وجوه الناس العابسة المكفهرة المتجهمة، وفي ضحكاتها الصفراء الزائفة المتصنعة.
سيدي الصفر المحترم،
حَدَّقْتُ جيدا في  السماء من فوق رؤوسنا وَرَأَيْتُهَا هي الأخرى قد تهتكت وانحلت وتعرت، وكشفت عن سيقانها ونهودها، ولم تعد محتشمة ولا ساترة لعورتها، شأنها كشأن سائر بني البشر،  لذا أَصْبَحَتْ تزودنا بجرعات زائدة من الإشعاع الذي يدمر ما تبقى من إنسانيتنا من خلال ثقب الأمزون عفوا الأوزون، فكل شيء في زمن العهر والعري على الفساد يجري، باستثناء براءة الحيوانات التي أكن لها كل الاحترام والتقدير، لذا صادقتها بإخلاص وصدق ومحبة وعطف وحنو، على عكس بني البشر الذين كلما جاء ذكرهم على لسان أحد  ازداد حبي لها وَعَظُمَتْ رحمتي بها.
 سيدي الصفر المحترم،
ألم تر أن البشر لم يتركوا شيئا في باطن البر والبحر ولا في أعالي السماء إلا أفسدوه وفتكوا به ودمروه؟ وأضحوا يزحفون على سطح الأرض عبيدا للعبودية العصرية، عبودية برضاهم وعن طيب خاطر، ليشتروا المزيد من الأشياء التافهة التي تزيد في استعبادهم، إنهم يتسابقون ويتقاتلون من أجل الظفر بعمل حقير يغرقهم في المزيد من هذه الأشياء كلما ازدادوا خضوعا وانحناء وانبطاحا، إنهم يختارون هم بأنفسهم أسيادهم الذين عليهم أن يخدموهم ويركعوا ويسجدوا لهم بالغدو والآصال، فخلافا لعبيد العصور الغابرة وعبيد القرون الوسطى والطبقة الكادحة من عمال الثورات الصناعية الأولى الذين تصببوا عرقا من أجل سد الرمق، فنحن اليوم أمام طبقةٍ مُسْتَعْبَدَةٍ بالكامل ولكنها لا تعرف ذلك، أو بالأحرى لا تريد أن تعرف، إنهم يتقبلون الحياة البئيسة المتوقفة على امتلاك الأشياء ثم المزيد من الأشياء التي تم توفيرها لهم مقابل استعبادهم.
سيدي الصفر المحترم،
تدثرت بظلالك الوارفة  في عز الظهيرة القائض حتى لا أكون أنا الآخر عبدا للأشياء، وأنا أرى بأم عيني الحشود المسعورة من العبيد تتصبب عرقا جريا وراء امتلاك المزيد من هذه الأشياء التي تقتل القلب وتدمر العقل، أشياء لا قلب ولا شعور ولا انتماء لها، فشعرت بحزن عظيم يخالجني  وأنا مسترخ تحت ظلالك الظليلة، أنت أيها الصديق الوفي الذي علمتني أن التأمل والإمعان في الوجود هو طريق الإبداع، ولقنتني درسا لن أنساه عن معنى الخلود، لما أريتني  في عز النهار كيف يأتي المرء إلى هذا العالم صفرا خاوي الوفاض ويغادره بعد رمشة عين صفرا خاوي الوفاض كذلك، وأنت الذي علمتني معنى البساطة بكل بساطة وبدون تصنع ولا نخوة ولا أبهة ولا وساطة، فالرحمة والمغفرة لك يا أستاذي الغالي.
سيدي الصفر المحترم،
سألني أحدهم لـِمَا الحب والغرام لا يملأ إلا شاشات السينما والتلفزيون وَشِعْرِ شُعَرَاءِ العِنَاقِ وَالنِّفَاقِ، وقصص الخيال البعيدة كل البعد عن الواقع الـمُعَاقِ، ولا وجود له البتة في حياة الناس سوى في جزيرة الوقواقِ، ولم يستطع لغاية الآن أن يلج الوجدان البشري إلى عُمْقِ الأَعْمَاقِ؟ فأجبته بكل صراحة-والصراحة أحيانا تُدمي الجراح-: تمعن يا سائلي جيدا في من فات من قبلك وتأمل جيدا في أهل زمانك التالفين (التائهين) عن القِبْلَةِ، ألا ترى حقا  بأنهم جميعهم -إلا من رحم ربك- مُغْرَمُونَ، مُولَعُونَ وَهَائِمُونَ بالأشياء؟ وابدأ من نفسك ثم انظر إلى ساعة يدك، سلسلة عنقك، خواتم أصابعك، هاتفك المحمول، حاسوبك، مفاتيحك المتعددة والمتنوعة، سيارتك، حسابك البنكي، فيلاتك وضيعاتك، ومشاريعك المستقبلية التي لا نهاية لها إلا عندما تضع جنبك المتحلل والمتعفن في حفرة حقيرة بالمقابر إن حالفك الحظ، فبالله عليك...قل لي بالله عليك هل باستطاعة مَسْخٍ بَشِعٍ مثلك أن يحب حَقّاً خَلْقاً مِنْ خَلْقِ الله؟
ثم تابعت كلامي قائلا: أعرف مسبقا  أنك سوف تغضب مما قلت، لأن صوت الحقيقة غالبا لا يكون جميلا ومقبولا من معظم الناس، فنظر إلي نظرة كلها ازدراء وكره وحنق، ثم صد عن سبيلي ورحل رفقة أشيائه التي يحسبها غالية، وكأنه سمع مني ما لم يكن ينتظره البتة، فقلت له وهو مدبر ومعرض عن كلامي: طز وألف طز في جميع أشيائك، ثم رحت أنا الآخر لحال سبيلي رفقتك يا أستاذي الغالي، وأنا مستغرق في السماع لموسيقاك الهادئة النابعة من دروس الصفر الخالدة.
سيدي وأستاذي وملاذي الصفر، رحم الله الكاتب المصري الكبير عباس محمود العقاد العاشق المغرم بك لما قال:"أنا قليل الاكثرات للمقتنيات المادية، فأعجب شيء عندي هو تهالك الناس على اقتناء الضياع والقصور وجمع الذخائر والأموال، ولم أشعر قط بتعظيم إنسان لأنه صاحب مال، ولم أشعر قط بصغري إلى جانب كبير من كبراء الجاه والثراء، بل شعرت كثيرا بصغرهم ولو كانوا من أصحاب الفتوحات."
لك من كل أعماق قلبي أيها الرفيق الوفي لي في السراء والضراء موصول الشكر وعظيم الثناء والامتنان، أنت الذي لم يحدث قط أن نافقتني أو خنتني أو هجرتني، أو طمعت في  أن أمنحك بقشيشا أو شيئا من الأشياء التافهة التي قد تكون بحوزة هذا العبد الضعيف.
فتقبل مني، أستاذي وملاذي الصفر المحترم، صادق التحية وفائق عبارات التقدير والاحترام والســــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام.
 تلميذك المخلص مدون ضفاف متوهجة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق