من لا يتعظ بأحداث التاريخ الجسام فلا عزاء له

"من ما زال يؤمن بحوار الحضارات فإما هو مغفل وغبي وإما عميل للغرب الصليبي وخائن لدينه وأمته"
                                                                                                       ضفاف متوهجة
تحكي كتب التاريخ أن آخر ملوك بني العباس المستنصر بالله كان ضعيفا في قوالب السياسة ونواعرها، وكان  ساذجا  في اتباع نصيحة وزيره مؤيد الدين بن العلقمي بصرف جيشه لدواعي أمنية حتى يضمن بقاء سلطانه (والسلطة أحيانا تقتل صاحبها)، لدرجة أنه صرف معظم جيشه ولم يترك منه إلا عشرة آلاف محارب، وهي الهفوة التي استغلها والحديد على النار القائد المغولي هولاكو باستيلائه سنة 1258 م على عاصمة الدولة العباسية بغداد بعد خمسة قرون من الصمود، وكانت تلك أكبر مصيبة تحل بالمسلمين حتى ظنوا أن السماء قد سقطت فوق رؤوسهم، وقد استطاع هولاكو أن يُسقِط المدينة  من بعدما ضرب حولها حصارا قاتلا لم يجد معه الحاكم الضعيف المستعصم بالله بدا من الاستسلام للأمر الواقع والرضوخ للغزاة الجدد.
وما قام به المغول من دمار وخراب وقتل أمور لا يمكن تخيلها: فقد أمر هولاكو جنده بلف المستعصم بالله في سجاد ثم أشبعوه ضربا ورفسا بالخيول حتى زهقت روحه حتى لا تتلطخ يديه بدم ملكي كما ادعى، ثم قام هؤلاء الهمج بتدمير مكتبة بغداد كليا، وكانت آنذاك تحتوي كتبا ومراجع ووثائق تاريخية لا تقدر بثمن، كما تم إحراق المساجد والقصور والمستشفيات والمكتبات العامة، وحصر المؤرخون عدد القتلى من أهل بغداد فيما بين مليون ومليون وثمانمائة ألف نسمة، وبعد 142 سنة على هذا الحدث العظيم وبالضبط سنة 1400 م اجتاح تيمور الأعرج أو 'تيمور لنك' بغداد المنكوبة التي لم تستطع المقاومة فسقطت تحت وطأة الهجوم الكاسح لتيمور الأعرج، الذي عاث فيها فسادا  ودمر أسوارها وأحرق بيوتها، وأوقع مئات الآلاف من القتلى بين أهاليها، وألزم جميع جنده  أن يأتيه كل واحد منهم برأسين من رؤوس أهل بغداد، حيث وصل عدد القتلى خلال يوم واحد مائة ألف إنسان.
وبعد 108 سنة على مذبحة تيمور الأعرج جاء الدور هذه المرة على الشاه إسماعيل الصفوي الذي غزاها سنة  1508 م، ومرت هذه المدينة التاريخية العريقة بفترة تناوب فيها الفرس والأتراك على حكمها، قبل أن يستثب الأمر للأتراك العثمانيين فيها إثر انتصارهم على الصفويين في معركة جالديران سنة 1514 م، تلكم المعركة الحامية الوطيس التي دارت رحاها في صحراء جالديران في شرق الأناضول.
وبعد مرور 234 سنة عن تدمير بغداد من طرف هولاكو انقض الصليبيون من الصبليون هذه المرة على الجناح الغربي للمسلمين بدخولهم غرناطة سنة 1492 م، من بعدما أحكموا حولها حصارا أشبه بحصار هولاكو، انتهى بتسليم الحاكم الضعيف أبو عبدالله الصغير مفاتح المدينة الشهيدة ل'فرديناند' ملك الصبليون بعد توقيع معاهدة عُرفت بمعاهدة تسليم غرناطة تضمنت سبعة وستين شرطا، من بين ما جاء فيها أن تبقى كافة مساجد المسلمين كما هي لا يمسها سوء، وأن لايدخل النصارى دار مسلم إلا بإذنه، وأن يبقى كل مسلم في أرضه آمنا على ماله وأهله، وأن لا يُوَلَّى على المسلمين غير المسلم، وأن يتمتع المسلمون بحرية كاملة في إقامة شعائرهم الدينية، وأن لا يحمل المسلم أية علامة تميزه عن غيره من النصارى واليهود، وأن يكون للمسلم حق التنقل إلى أي مكان يشاء.
وكأن الوفد المفاوض من المسلمين للنصارى من الصبليون كان يدرك بحدسه ما ينتظر مسلمي الأندلس من أخطار وأهوال يشيب لها الولدان، ولم يكد يجف حبر هذه المعاهدة حتى أذاق الصبليون للمسلمين من صنوف التعذيب والتنكيل والتقتيل ما يعجز عن وصفه إنسان، وأجبرت محاكم التفتيش الصبليونية مسلمي الأندلس على التنصر، وتم تحويل مسجد غرناطة الجامع إلى كتدرائية، وتم إحراق المصاحف وكتب التفسير والفقه الإسلامي، وأشرف مندوبون عن ملك الصبليون ورهبان من الكاثوليك على إحراق ما يقرب من نصف مليون كتاب ومخطوطة كانت تزخر بها مكتبة قرطبة أيام كان الصبليون يقطرون قذارة وأوساخا ويثوقون إلى تعلم اللغة العربية بالريق الناشف، وقدر المؤرخون عدد من عُذِّبَ من المسلمين بعد سقوط غرناطة بثلاثة ملايين نسمة، ولم يكن أمام المسلمين المضطهدين بد من الفرار بدينهم أو القتل أو الارتداد عن الإسلام.
كان ملك الصبليون 'فرديناند' كاثوليكيا متعصبا وهو صاحب المقولة الشهيرة:" يجب أن تكون إسبانيا إما كاثوليكية أو إسلامية"، وهو تهديد ووعيد لكل من يخالف مذهبه الكاثوليكي، لذا عومل المسلمون أسوأ معاملة في التاريخ، وصدرت مراسيم ملكية من 'فرديناند' و'إيزابيلا' تقضي كلها باضطهادهم حتى يرتدوا عن دينهم، من هنا بدأت 'محاكم التفتيش' التي بثت جواسيسها في كل ركن وزقاق للتأكد من إيمان (الكفرة) كما كان يسمي الصبليون المسلمين، وكانت الكنيسة تحكم بالإعدام على كل من تراجع عن مسيحيته من المسلمين ومصادرة أمواله، أما المسلمون المرتدون عن دينهم الإسلام فقد ألزمتهم الكنيسة بوضع شارة زرقاء على قبعاتهم، وبتسليم كل أسلحتهم، كما ألزموهم قسرا بالسجود في الطرقات كلما مر أمامهم حبر من الأحبار، واستمر اضطهاد المسلمين بالأندلس من طرف الكاثوليك الصبليون المتعصبين طيلة 316 سنة، حتى احتلال نابليون بونابرت إسبانيا سنة 1808م، فأمر بإلغاء محاكم التفتيش وهي التفاتة طيبة تُحسب له، لكن درجة الحقد الصبليوني على كل ما هو إسلامي جعلهم يعودون مرة أخرى إلى اضطهاد المسلمين  بحلول سنة 1814 م في عهد ملكهم 'فرديناند السابع'.
يحكي الكولونيل 'ليمونسكي' أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا سنة 1809 م عن غرف التعذيب التي وضعها الصبليون في ترويع وإرهاب المسلمين قائلا: كادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب، إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئًا يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من الدير يائسين، كان الرهبان أثناء التفتيش يقسمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، وبدأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس توشك عيناه أن تنهمر بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير، لكن اللفتنانت 'دي ليل' استمهلني قائلا:  أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنتهِ حتى الآن؟ قلت له: فتشنا الدير كله ولم نكتشف شيئًا مريبًا، فماذا تريد يا لفتنانت؟! قال:  إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف، فإن قلبي يحدثني بأن السرَّ تحتها، عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة -وكنا نرقب الماء- فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف، فصفق الضابط 'دي ليل' من شدة فرحه وقال: ها هو الباب انظروا، فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، كان قطعة من أرض الغرفة يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير.
أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان وعلتها الغبرة، وفُتح الباب فظهر لنا سلم يؤدي إلى تحت الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر كانت تُضيء أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين، ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعي يده على كتفي متلطفًا وقال لي: يابني لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال إنها شمعة مقدسة، فقلت له: يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء وسنرى من النجس فينا ومن القاتل السفاك!!
وهبطت على درج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام به حلقة حديدية ضخمة، وربطت بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها، وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء، ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية، التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض، رأيت فيها ما يستفز نفسي ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي، كانت غرف التعذيب كثيرة، وكلها تحت الأرض، رأينا غرفا صغيرة بحجم جسم الإنسان، بعضها رأسي وبعضها أفقي، يبقى سجين الرأسية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يُقضى عليه، ويبقى سجين الأفقية ممددا حتى الموت، وتبقى الجثة في السجن الضيق حتى تبلى. 
ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من الأجساد البالية فقد فتحت كوة صغيرة إلى الخارج، وقد عثرنا على هياكل بشرية لا تزال في أغلالها سجينة  مقيدة، وقد تمكنا من تخليص بعض السجناء الأحياء من أغلالهم وهم على وشك الموت، وقد أصابهم من الجنون ما أصابهم.
أما في غرف آلات التعذيب فكانت هناك آلات لتكسير العظام وسحق الأجسام، وكان يُبدأ بسحق عظام الأرجل ثم عظام الصدر والرأس واليدين، كل ذلك على سبيل التدرج حيث تأتي الآلة على كل الجسد، فيخرج من الجانب الآخر لها كتلة واحدة، وعثرنا على صندوق في حجم رأس الإنسان تماما، يوضع فيه الرأس بعد أن تربط الأيدي والأرجل بالسلاسل، فلا يقوى صاحبها على الحركة، وتقطر على الرأس من ثقب في أعلى الصندوق الماء البارد، وقد جن الكثيرون بسبب ذلك اللون من العذاب قبل الاعتراف، ويبقى المعذب على حالته هذه حتى الموت.
وهناك آلة أخرى للتعذيب اسمها "السيدة الجميلة"، وهي عبارة عن تابوت يبدو على هيئة صورة سيدة جميلة تستعد لمعانقة من ينام فيه، وقد برز من جوانب تلك السيدة الجميلة عدة سكاكين حادة، حيث يطرح الشخص المعذب فوق هذه الصورة ثم يطبقون عليه باب التابوت كي تمزقه وتقطعه السكاكين بعنف.
كما تم العثور على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشدُّ ليخرج اللسان معها ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنف حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين، وتم العثور أيضا على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتناثر لحومهم وتتفتت عظامهم، وفي هذا الصدد يحكي الطبيب والمؤرخ الفرنسي 'جوستاف لوبون'  في كتابه حضارة العرب عن محاكم التفتيش الصبليونية قائلا: «يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائضنا من قصص التعذيب والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرون على المسلمين المنهزمين، فلقد عمدوهم عنوة، وسلموهم لدواوين التفتيش التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع، واقترح القس 'بليدا' قطع رؤوس كل العرب دون أي استثناء ممن لم يعتنقوا المسيحية بعد، بما في ذلك النساء والأطفال، وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين عربي».
ويضيف الكولونيل 'ليمونسكي' أن هناك آلات عديدة متنوعة كل منها تفوق الأخرى بشاعة وإرهابا، ولما شاهد الناس ذلك، ورأوا تلك الآلات رأي العين جن جنونهم، واستشاطوا غيظا، فأمسكوا برئيس اليسوعيين ووضعوه في آلة تكسير العظام فدقت عظامه، وأمسكوا مساعده وزفوه إلى السيدة الجميلة وأطبقوا عليه أبوابها فمزقت جسده، ولم يمض نصف ساعة حتى قضى الشعب على ثلاثة عشر راهبا من تلك العصابة الآثمة، ثم أخذ الشعب ينهب ما في الدير.
ويسترسل الكولونيل 'ليمونسكي' في حديثه قائلا: ويمكنني القول بأن ذلك اليوم كان أعظم يوم تاريخي شهده العالم بعد يوم 'الباستيل'*، وقد عانق الآباء أبناءهم، والأبناء آباءهم، بعد ما مر بهم من أيام العذاب، وقبلت النساء بناتهن اللواتي قُضي على عفافهن في تلك المطابق اغتصابا، وانهال التقبيل على أيدي وأقدام الجند، خصوصا من النساء اللواتي انْتَهَكَتْ طُغمة الديوان الـمُنَجَّسِ عفافهن واغتصبوهن في تلك المطابق اغتصابا، والحق أقول إن القلم واللسان ليعجزان عن وصف ما رأيناه في ذلك الدير من الفظاعة والبربرية التي لا تخطر على عقل بشر سوى الشياطين الذين قد يعجزون هم أيضا على الإتيان بمثل هذه الأعمال.
واليوم وبعد مرور 511 سنة  تكالبت دول الغرب الصليبي الإمبريالي مرة أخرى على المسلمين وكأن التاريخ يعيد نفسه، فدخلت بغداد يوم 10 أبريل 2003 واستولت على مقدراتها من بعدما دمرت جيشها الذي كان يعد من بين أقوى الجيوش في الشرق الأوسط،  وحلت جميع مؤسسات الدولة فيها، وأخرجت أهلها من ديارهم، ونفتث فيهم كالأفعى الرقطاء سموم الطائفية والعرقية التي ما انفك العراق يكتوي بجحيمها إلى يومنا هذا، ونفس هذه الدول الصليبية دمرت ليبيا وأهانت قيادتها إهانة هي موجهة لجميع العرب والمسلمين وليس لليبيا وحدها، وحَوَّلَتْ هذه الواحة الآمنة التي كانت ترفل في الأمن والأمان والخيرات الوافرة إلى دولة فاشلة تحكمها العصابات المسلحة ويستجدي مواطنوها المغلوبون عن أمرهم  فتات وإعانات أو بالأحرى إهانات الـمَكَرَةِ الغَدَرَةِ من اليهود والنصارى، الذين كان القذافي يضرب على وجوههم الأبواب، ونفس هذه الدول الصليبية كانت السبب الرئيسي في تدمير مقدرات سوريا وتحويلها إلى ساحة مستباحة لقتل كل شيء يتحرك أو لا يتحرك دون تمييز بين بشر وحيوان وشجر وحجر، واللائحة ما زالت مفتوحة، فعلى من سيأتي الدور في المرات القادمة، فللعدو الذي يتمظهر في صفة الصديق نفس طويل وكيد متأصل أصيل، فما أشبه اليوم بالبارحة.  
هوامش:
الباستيل: سجن من سجون العصور الوسطى أُعِدَّ للمعارضين السياسيين للدولة والكنيسة، ومنه انطلقت الشرارة الأولى للثورة الفرنسية في 14 يوليو 1789.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق