العزة والكرامة فوق كل اعتبار

"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" وهو حديث  مروي عن الرسول الأكرم (ص)،  والمقصود في الحديث بالغرباء هم أهل الاستقامة، وفيما يلي ثلاثة مواقف أيام عزة الأمة الإسلامية دونت بماء من ذهب وستبقى ذكرى لمن يريد أن يتذكر ليأخذ منها الدروس والعبر:
الموقف الأول: روى المؤرخ ابن الأثير في "الكامل" أن المعتصم بلغه أن امرأة هاشمية صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم: 'وامعتصماه' فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك، لبيك، ونهض من ساعته وصاح في قصره النفير النفير! وأشهد القضاة والشهود على ما وقف من الضياع، وخرج المعتصم على رأس جيش كبير، وجهّزه بما لم يعدّه أحد من قبله من السلاح والمؤن وآلات الحرب والحصار، حتى وصل إلى منطقة الثغور، فدمّرت جيوشه مدينة أنقرة ثم اتجهت إلى عمورية في أبريل 838م وضربت حصارا على المدينة المنيعة ذاقت خلاله الأهوال حتى استسلمت ودخلها المسلمون في أغسطس 838م
الموقف الثاني: اضطرت دولة الروم أمام ضربات هارون الرشيد المتلاحقة إلى طلب الهدنة والمصالحة، فعقدت 'إيريني' ملكة الروم صلحًا مع الرشيد، مقابل دفع الجزية السنوية له في سنة 797م، وظلت المعاهدة سارية حتى نقضها إمبراطور الروم الذي خلف 'إيريني' في سنة 802م، فكتب إلى هارون الرشيد: "من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب، أما بعد فإن الملكة إيريني التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ فحملت إليك من أموالها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك وإلا فالحرب بيننا وبينك".، فلما قرأ هارون هذه الرسالة ثارت ثائرته وغضب غضبًا شديدًا ثم قام بالرد على امبراطور الروم وكتب على ظهر الرسالة التي بعث إليه بها : "من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام". وخرج هارون بنفسه في 803م، حتى وصل 'هرقلة' وهي مدينة بالقرب من القسطنطينية، واضطر 'نقفور' إلى الصلح والموادعة، وحمل مال الجزية إلى هارون الرشيد كما كانت تفعل 'إيريني' من قبل، ولكنه نقض المعاهدة بعد عودة الرشيد، فعاد الرشيد إلى قتاله في عام 804م وهزمه هزيمة نكراء، وقتل من جيشه أربعين ألفا وجُرح نقفور فقبل الموادعة، وفي العام التالي 805م حدث الفداء بين المسلمين والروم ولم يبق مسلم في الأسر.
الموقف الثالث : قبل سقوطها بقليل سنة 1492م ظلت غرناطة تقاتل وتدحر العدو في أكثر من موقعة ومكان، وكان الفضل في ذلك يعود إلى الفارس الغرناطي الشهم موسى بن أبي الغسان الذي أبى أن يكسر قصر الحمراء قامته وينحني أمام 'فرديناند' و'إيزابيلا'، وحتى لما استسلم حاكم غرناطة المغلوب على أمره أبو عبدالله وخمسمائة من أعيان المدينة خضوعا مذلا ومخزيا لأمر الفرنجة ودخول هؤلاء إليها دخول الفاتحين المنتصرين، أراد هذا الفارس الفذ الذي بقي يدافع وحيدا أن يُحصى بين الذين استشهدوا دفاعا عن غرناطة، ويهمز حصانه فينفر باتجاه الموكب الذي استقبله فرسانه بعشرات الطعنات من رماح صقيلة اخترقت صدره ونفذت من الظهر وتهالك الغسان على حصانه وأدار اللجام نحو حافة نهر الجنيل وهمز الحصان في خاصرته فهوى الإثنان إلى أعماقه وصدى صوت الغسان في قولته المأثورة لا زال يتردد في قصر غرناطة: "ليعلم ملك النصارى أن العربي قد وُلد للجواد والرمح، فإذا طمع في سيوفنا فليكسبها وليكسبها غالية، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة من أن أموت خاضعا بلا كرامة".
ثم أتى على المسلمين حين من الدهر أفل فيه نجمهم وهوى، عندما استحوذت عليهم الأنانية وحب المال والسلطة وضياع الأمانة وقلة الوفاء وانتحار الصدق وتعفن العفة واندحار الكرامة، مما أدى إلى موت النخوة والغيرة الإنسانية فضلا عن العزة الإسلامية التي بدونها ليس للمسلمين مكان في الوجود، فتداعت عليهم حتى أخبث وأحقر الأمم وأتفهها، فخضعوا لها وقلدوها في أهواءها و فضائحها وفظائعها خضوع عنزة السيد سوغان للذئب في غابة الجبل المظلمة، قبل انبلاج الفجر بعد صراع طويل مرير وغير متكافئ، استُعمِلَت فيه كل الوسائل الساقطة والمكائد والدسائس والمؤامرات الخارجية والداخلية حتى من بني جلدتنا، مما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من ضعف وذل وهوان...ومن يهن يسهل الهوان عليه رب عيش أخف منه الحِمَام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق