وداعا محمد علي

"هذه الحرب ضد تعاليم القرآن، وإننا كمسلمين  ليس من المفترض أن نخوض حروبًا إلا إذا 
 كانت في سبيل الله ورسوله" محمد علي كلاي عن حرب أمريكا على شعب فيتنام
انتقل إلى جوار ربه البطل العالمي الأسطوري في كل الأزمنة الملاكم محمد علي كلاي عن سن 74 سنة يومه الجمعة 3 يونيو 2016، إثر تعرضه لأزمة حادة في جهاز التنفس، وقد أُدخل إلى المستشفى بمنطقة 'فينكيس' بولاية 'أريزونا' بالولايات المتحدة الأمريكية وخضع لتنفس اصطناعي، غير أن القدر كان قد سُطر ليفارق الحياة، وقد عانى هذا البطل من مرض شلل الرعاش المعروف بمرض 'باركنسون' في صمت وبإرادة قوية من حديد، وبقي صامدا كالطود الشامخ طيلة ثلاثين سنة.
رأى محمد علي كلاي النور يوم 17 يناير سنة 1942 بمدينة 'لويفيل' بولاية 'كنتاكي'، واشتد عوده وسط عائلة أميركية سوداء جد محافظة من الطبقة المتوسطة، دخل عالم الملاكمة بمحض الصدفة عندما كان عمره لا يتجاوز 12 سنة، وحقق عدة ألقاب وهو لم يتجاوز ال 18 من عمره على المستويين المحلي والوطني، حاز الميدالية الذهبية لأولمبياد روما الصيفية عام 1960 في فئة الوزن الخفيف الثقيل، ثم ما لبث أن اتجه نحو الاحتراف مع مطلع أكتوبر من سنة  1960، حيث خاض 19 نزالا خلال ثلاث سنوات متتالية  فاز فيها جميعها، من بينها 15 بالضربة القاضية، وتَوج هذه الانتصارات بتحقيقه مفاجئة من العيار الثقيل بعذ هزمه لبطل العالم في الملاكمة في ذلك الوقت 'سوني ليستون' في فبراير سنة 1964، وبذلك يكون محمد علي قد حقق لقب بطولة العالم في الوزن الثقيل، مسجلا بذلك رقما قياسيا عالميا كأصغر ملاكم وعمره أنذاك 22 سنة.
فاز البطل محمد علي ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات على مدى عشرين عاماً في 1964 و1974 و1978، وتم تتويجه عن جدارة واستحقاق من طرف مجلة "جلة سبورتس ايلاستريتد"سنة  1999 بلقب "رياضي القرن"، وحاز أيضا  على نفس لقب 'رياضي القرن' بعد استفتاء واسع أجرته مجلة 'لاغازيتا ديلو سبورت' الإيطالية، من بعدما حصل على 71.2% من الأصوات، متفوقاً على العديد من الرياضين ومن ضمنهم اللاعب الأرجنتيني الأسطورة في كرة القدم  'دييغو مارادونا'.
محمد علي الذي كان يدوخ منافسيه على الحلبة من خلال تحركاته السريعة والمستمرة ودورانه بشكل دائري حول خصمه ملاكم فريد من نوعه على الإطلاق، وكيف لا وهو القائل عن نفسه التي يعرفها أكثر من أي كان:  "إنني أطير كالفراشة وألسع كالنحلة"، وهو أيضا صاحب أسرع وأقوى لكمة في العالم حيث تعادل قوتها حوالي 455 كلغ،  اعتزل الملاكمة سنة 1981 عن سن 39 سنة، بعد مسيرة رياضية حافلة بالأمجاد والبطولات، تضمنت 56 فوزا منها 37 بالضربة القاضية وخمس هزائم، وتتويج باللقب العالمي في الملاكمة للوزن الثقيل ثلاث مرات مختلفة.
ما يعجبني في محمد علي رحمه الله هو قوة شخصيته وتواضعه الكبير وتخلقه مع الناس دون استعلاء أو احتقار لأحد، بالرغم من كونه بإمكانه أن ينزع رأس أي كان من جسده بضربة واحدة لا غير، ولذلك بقي محبوبا مقبولا مرحبا به أينما حل وارتحل في أي ركن من أركان الكرة الأرضية، إضافة إلى ذلك كان رحمه الله رجلا ذا مبادئ ثابتة كلفته غاليا في حياته: فقد رفض في سابقة من نوعها في تاريخ مشاهير الولايات المتحدة الأمريكية وضع نجمة على الأرض تحمل اسمه بشارع المشاهير، إسوة بنجوم عالميين في شتى الميادين وُضِعت أسماؤهم على شكل نجوم مزخرفة على الأرض، ذلك لكونه يحمل اسم الرسول، وتابع قائلا:” أنا اسمي محمد اسم الرسول الذي أؤمن به محمد (ص)، وأرفض تماما أن يوضع اسم أفضل الخلق على الأرض"، ونزولا عند رغبة البطل العالمي الأسطورة السابق في الملاكمة، وُضعت النجمة التي تضم اسمه على حائط في الشارع الشهير وليس على الأرض كما هو الشأن بالنسبة لباقي المشاهير، ليكون محمد علي البطل العالمي المسلم الوحيد الذي حظي بهذا الشرف وخلق الاستثناء ورفض وضع اسمه على الأرض.
إضافة إلى ذلك أعلن بشكل رسمي رفضه القاطع للإلتحاق بجيش الولايات المتحدة في حربها على فيتنام عام 1966، واعتبر نفسه معارضا لهذه الحرب الغير أخلاقية والغير عادلة، في تحد تاريخي شجاع عز نظيره للسلطات العليا لبلاده، مما حدا بحكام الولايات المتحدة عام 1967 وهو في أوج عطاءه وقمة انتصاراته من سحب اللقب منه بسبب رفضه الالتحاق بالخدمة العسكرية.
رحم الله محمد علي رحمة واسعة وجعل منه للأجيال الصاعدة من المسلمين منارة هادية في قوة الشخصية والتحدي وقوة العزيمة والإرادة والثبات على المبدأ، وأبعد هذه الأجيال  عن أبطال الكارتون من المخنثين والمخنثات الذين لا شخصية ولا ضمير ولا مبدأ  ولا خلق لهم.
توشيح بوسام من درجة قائد للبطل العالمي في الملاكمة محمد علي من طرف ملك المغرب الحسن الثاني رحمهما الله جميعا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق