العالم كما هو وكما ينبغي أن يكون لتولتسوي

كل إنسان في هذه الأيام يعلم أن الناس جميعا متساوون في الحقوق في أمور الحياة ومتاع الدنيا، فلا أحد أفضل من سائر البشر ولا أقل منهم، ولكن الناس جميعا ولدوا أحرارا متساوين، وكل إنسان يوقن بهذه الحقيقة يقينا غريزيا، ولكنه يجد أبناء جنسه مقسمين طبقتين، إحداهما في فقر ومتربة تكدح وتقاسي الظلم، والأخرى فارغة مستبدة مُترفة، وهو لا يرى هذا كله فحسب، بل إنه كذلك يندرج في أحد القسمين شاء أم لم يشأ، وتلك خطة ينفر منها عقله، ومن ثم فهو معذب لا محالة لشعوره بالظلم من ناحية، ومشاركته فيه من ناحية أخرى.
وسواء كان الإنسان في هذه الأيام سيدا أم عبدا فهو محاصر أبدا بذلك التنافر المحزن بين مثله الأعلى وبين الحقيقة الواقعة، وليس في مقدوره أن يتجاهل الآلام التي تنتج من ذلك.
وجماهير الشعب، أي السواد الأعظم من البشرية، الذين يتعذبون ويكدحون في حياة راكدة كالحة، لا ينعشها شعاع من نور متحملين ما لا يُحصى من ألوان الحرمان، هؤلاء هم أوضح الناس إدراكا للتناقض الشديد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون بين أقوال البشر وأفعالهم، فهم يعلمون أنهم يعملون كالعبيد، ويموتون في عوز وظلام، ليوفروا للأقلية ملذاتها، وهذا الشعور هو الذي يضاعف مرارتهم، بل هو أصل عذابهم.
كان العبد في العصور القديمة يعلم أنه يولد عبدا، أما العامل في أيامنا هذه فيشعر أنه عبد ويعلم أنه ينبغي ألا يكونه، ويتعذب عذاب 'تنتالوس' لشوقه إلى ما يمكن أن يُعطى له، بل إلا ما هو حقه في الواقع، ويتضاعف عذاب الطبقات العاملة الناشئ من تناقضات نصيبهم عشرة أضعاف بالحسد والحقد اللذين هما الثمرتان الطبيعيتان للشعور بهذه التناقضات.
والعامل في عصرنا هذا وإن كان عمله أقل إرهاقا من جهد العبد القديم، وإن نجح في الحصول على ثماني ساعات ليوم العمل وبعض البقشيش لأجر اليوم، لا يزال مظلوما لأنه يصنع أشياء لن يستمتع بها أبدا، فهو لا يعمل لنفسه، بل يعمل لِيُمَتِّعَ الـمُتْرَفينَ الذين لا يعملون، ليُضاعف ثروة الرأسمالي أو صاحب المصنع أو المنتج.
هو يُدرك كل هذا فلا بد أن يـَحُزَّ في نفسه الألم للتناقض المذهل بين العالم كما ينبغي أن يكون وبين العالم كما هو، يقول العامل لنفسه: "إن صح ما يُقال لي وما أسمع الناس يعلنونه فيجب أن أكون إنسانا حرا مساويا لأي إنسان آخر، ومحبوبا من الناس، وها أنذا عبد مكروه محتقر"، ثم يمتلئ كراهية هو بدوره، ويحاول الخلاص من حالته، بأن يصرع العدو الذي يظلمه، وينتزع السلطان لنفسه.
والرجل المتعلم أشد ألما لهذه المتناقضات، فإن كان يؤمن بشيء ما فلعله يؤمن بالإخاء-أو على الأقل بعاطفة الإنسانية، وإلا فبالعدالة، وإلا فبالعلم لا محالة، وهو لا يستطيع أن يتجاهل على كل حال أن ظروف حياته متناقضة لكل مبدأ من مبادئ الدين والإنسانية والعدالة والعلم.
إن معيشة طبقاتنا العليا متناقضة كلها تناقضا تاما، وعلى قدر حساسية الإنسان يتألم لهذا الإعوجاج، فالرجل ذو الضمير الحساس لا يمكنه أن يتمتع براحة بال في مثل هذه الحياة، ولئن نجح في خنق صرخات ضميره، فإنه لن ينجح في التغلب على مخاوفه.
فأولئك الرجال والنساء في الطبقات السائدة، الذين قست قلوبهم، واستطاعوا إسكات ضمائرهم، ليسوا بمنجاة من العذاب لخوفهم من البغضاء التي أثاروها، فهم يعلمون حق العلم بوجودها بين الطبقات العالمة، يعلمون أنها لا يمكن أن تموت، يعلمون أن العمال يدركون ما يـُمارس معهم من خداع، وما يُحمل عليهم من مظالم، وأنهم قد بدأوا ينظمون أنفسهم ليلقوا بالنير عن كواهلم، وينتقموا من ظالميهم، إن سعادة الطبقات العليا مسممة بالخوف من الكارثة المحدقة، التي تبدو نذرها في النقابات والإضرابات ومظاهرات أول مايو، وإذ يدركون الكارثة التي تتهددهم يتحول خوفهم إلى تحد وكره، فهم يعلمون أنهم إن تهاونوا لحظة في هذا الصراع مع المضطهدين فهم ضائعون، لأن عبيدهم الحاقدين يزدادون حقدا مع كل يوم من أيام الاضطهاد، وقد يرى المضطَهِدُون ذلك ولكنهم لا يستطيعون أن يكفوا عن اضطهادهم، فهم يدركون أنهم هم أنفسهم مُقْضَى عليهم إذا ما خففوا ذرة واحدة من قسوتهم، ولذا يمضون في خطة الاضطهاد على الرغم من دعواهم أنهم معنيون برخاء العمال وبنظام الثماني ساعات وبالقوانين التي تحدد عمل النساء والأطفال والمعاشات والمكافآت.
فهذا كله محض ادعاء، أو -على أحسن تقدير- اهتمام طبيعي من السيد الذي يريد أن يُبقي عبده في حال صالحة ولكن لا يزال العبد عبدا، والسيد-الذي لا يستطيع أن يعيش بدون العبد- أقل استعدادا مما كان في أي وقت مضى لأن يُطْلِقَ سراحه، وتجد الطبقات الحاكمة نفسها في موقف من العمال أشبه بموقف الرجل الذي صرع غريمه وظل  مُلْصِقاً إياه بالأرض لا لأنه غير راغب في تركه يهرب، بل بالأحرى لأنه يعلم أنه لو أرخى قبضته عليه لحظة لفقد هو حياته، لأن الرجل المدحور يحتدم غضبا ويمسك في يده خنجرا. 
وكذلك لا تستطيع طبقاتنا الغنية –رَقَّتْ ضمائرها أم قَسَتْ- أن تستمتع بالمزايا التي انتزعتها من الفقراء، كما استمتع الأقدمون الذين كانوا موقنين بعدالة موقفهم، فكل ملذات العالم مسممة إما بالندم أو بالخوف.
فالإنسان يُدَرَّبُ قبل كل شيء على عادات الخضوع لقوانين الدولة، وكل عمل من أعمال حياتنا في الوقت الحاضر يقع تحت إشراف الدولة، والرجل يتزوج ويطلق ويربي أبناءه طبقا لأوامرها، وفي بعض البلاد يعتنق الدين الذي تتخذه،  فما هذا القانون الذي يحكم حياة البشر؟ هل يؤمن به الناس؟ وهل يرونه صحيحا؟  كلا، بل هم في معظم الأحيان يعرفون ظلمه ويحتقرونه، ولكنهم يُطيعونه، فلا عجب أن اتبع الأقدمون قانونهم، فقد كان أساسه الدين، وكانوا يؤمنون إيمانا صادقا بأنه هو وحده القانون الصحيح الذي يجب أن يدين له الناس جميعا بالطاعة، فهل هذا هو الشأن معنا؟ إننا لا نستطيع إلا أن نعترف بأن قانون دولتنا ليس هو القانون الخالد، بل واحد من قوانين كثيرة، تتساوى جميعها في أنها ناقصة، وربما بُنِيَتْ على الزيف والجور، لا غرو أن كان العبراني يتبع قوانينه فإنه لم يشك قط أن أصبع الله قد خطها، ولا غرو أن اتبع الروماني قوانينه، فقد كان يعتقد أن تلقاها من الحورية إيجيريا، بل لا غرو أن اتَّبَعت قوانين الدولة بين تلك الشعوب التي كانت تؤمن بأن حكامها الذين يضعون القوانين مختارون من الله، أو بأن المجالس التشريعية تملك الإرادة والقدرة على سن خير ما يمكن من القوانين، ولكننا نعلم أن القوانين وليدة الصراع الحزبي والخداع والجشع، وأنها ليست مُسْتَقَّرَ العدالة الصحيحة ولا يمكن أن تكون كذلك، ومن ثم يستحيل على الناس في العصر الحاضر أن يؤمنوا بأن الطاعة للقوانين المدنية أو لقوانين الدولة يمكن أن تُرْضِي النزعة العقلية في الطبيعة البشرية، وقد أدرك الناس منذ أمد طويل أن لا حكمة في قانون متهم في أمانته، لذلك يتعذبون لا محالة حين يخضعون له مع إنكارهم لسلطانه بينهم وبين أنفسهم، وعندما تكون حياة المرء كلها موثقة بقوانين يَتَبَيَّنُ في جلاء أنها جائرة قاسية ومصطنعة، ولكنه يلزم طاعتها خوفا من العقاب، فلا بد أن يتعذب ولا يمكن أن يكون غير ذلك.
ضفاف متوهجة بتصرف
عن نقد تولتسوي لعصره

هوامش:

تنتالوس: ملك من ملوك الأساطير عند اليونان، أفشى أسرار الآلهة فعذب في الجحيم بأن بقي مغمورا في الماء إلى ذقنه وعناقيد الفاكهة متدلية أمامه، فإذا انحنى ليشرب ابتعد عنه الماء، وإذا مد يده محاولا قطف الفاكهة فرت من قبضته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق