أمثال شعبية مغربية 14

المْرَا المَهْذَارَة رَاحَتْهَا فَلْسَانْهَا
المهذارة أي الثرثارة، والمرأة الثرثارة لا تجد راحتها إلا في لسانها (هنالك أيضا رجال ثرثارون مع الفارق)، غير أنها بالنسبة لمن لا يُطيق ذلك تعتبر جحيما وعذابا أليما، وكما جاء  في أمثال شعبية مغربية 9 'اللِّي كَرْهُو رَبِّي كَيْسَلَّطْ عْلِيهْ لْسَانُو'، وفي إطلاق اللسان هلاك الإنسان، وفي حفظه سلامته، وكما جاء في وصية لقمان الحكيم لابنه: " يَا بُنَيَّ إِنَّهُ مَنْ يَرْحَمْ يُرْحَمْ، وَمَنْ يَصْمُتْ يَسْلَمْ، وَمَنْ يَقُلِ الخَيْرَ يَغْنَمْ، وَمَنْ يَقُلِ البَاطِلَ يَأْثَمْ، وَمَنْ لاَ يـَمْلِكْ لِسَانَهُ يَنْدَمْ".

الله يَسْتَرْ الدُّنْيَا تْقَلْبَتْ مَا بَاقِي تَعْرَفْ الجُمُعَة مَنْ السَّبْتْ وَلاَ الوَلْدْ مَنْ البَنْتْ
أضحى الزمان يمر بسرعة لدرجة أن اليوم أصبح كساعة والأسبوع كيوم والشهر كأسبوع، واختلطت الأمور عند الكثير من الناس، وتغيرت المفاهيم من كثرة فهامتهم وجرأتهم التي بلغت مستويات غير مسبوقة، ولم يعد المرء السليم يفرق ما بين الذكر والأنثى وحتى الخنثى ولو بلحيتها، أو كما جاء في قصيدة الهيبي لأستاذ القصيدة المغربية عبدالكريم الفيلالي:
خْرَجْنَا العَهْدْ يَالاَسْلاَمْ بِالـْمَعَاصِي وُشْرِيبْ الْـمُدَامْ...أَنَتْعَامَوْا عْلَى الـْحَرَامْ كِيفْ كُنَّا وُكِيفْ اضْحِينَا...شَاعْ الْبَلَى وُالشَّرّْ ازْدَادْ..قْوَاتْ الْبِدْعَة وُكْثَرْ الَفْسَادْ...بـَحَّتْ الأَصْوَاتْ نْشَفْ الـَمْدَادْ..مَدَى قُلْنَا شْكُونْ سـْمَعْنَا...آهْ عْلِينَا يَا نَاسِي آهْ لاَ حَوْلَ فِي قَدَرِ اللهْ...الْبَنْتْ وَالْوَلْدْ وَلَّاوْ اشْبَاهْ مَا تَفْرَزْ حَمُّو مَنْ مِينَة...الْبَنْتْ تْقَصَّصْ شْعَرْهَا وُعَادَتْ تَلْبَسْ كَسْوَةْ خُوهَا...تـْجِي تـَجْلَسْ مْعَ بُوهَا فِي مِنِي جِيبِ وُكَْرِسِينَة.
البِيعْ وَالشّْرَا فَالقَطْرَانْ وَلاَ خَدْمَة العَدْيَانْ
القطران طلاء لزج أسود اللون يُستخرج عن طريق حرق الحطب،  وهي مادة  بخسة الثمن، تستعمل خاصة عند الفلاحين والقرويين لطلاء الماشية حمايةً لها من البَرد والحشرات ودواءً لها من الجرَب، كما يُستعمل القطران أيضا لتزيين الأواني المصنوعة من الطين، خاصة منها تلك  التي يُتناول أو يُخزن فيها الناس مياه الشرب من أكواب وبراريد (ج برادة، وهي آنية صغيرة إلى متوسطة الحجم شكلها يقترب من شبه المنحرف مصنوعة من الطين)، وخوابي (جمع خابية وهي آنية كبيرة الحجم ذات شكل أسطواني مصنوعة من الطين، قطرها ما بين  30 و 35 سم وارتفاعها يناهز المتر)، التي غالبا ما كان  يُحفظ فيها ماء الشرب أيام الحر الشديد، مما يضفي على مياهها نكهة القطران الحادة التي كان يستمتع بها ناس زمان قبل انتشار الثلاجات التي أثلجت المياه وأثلجت معها في نفس الوقت القلوب والعواطف والغيرة.
والمثل موجه للإنسان الحر الشريف حاثا إياه على أن لا يحني رأسه أبدا للأعداء، وأن لا يستكين لهم على الإطلاق مهما كلفه ذلك من محن وعذاب وشقاء.
قَطْرَانْ بْلاَدِي وَلاَ عْسَلْ بْلَادَاتْ النَّاسْ
مثل آخر يُضرب بالقطران، ومن المعلوم أن ليس هنالك سبيل للمقارنة بين قيمة العسل المرتفعة وقيمة القطران البخسة، ومع ذلك فعلى المرء أن يفضل البقاء بعزة في بلده حتى ولو كان مدخوله محدودا، عوض اللهث الحثيث وراء المزيد من الأموال  في بلدان الغربة، التي في جميع الظروف والأحوال سينظر أهلها إليه بريبة ودونية، وسيبقى إلى الأبد غريبا بينهم مهما تودد لهم ومهما تقمص من أدوار ومن شخصيات لإرضائهم.
                           يَالْمَشْغُولْ بْهَمّْ النَّاسْ، هَمَّكْ رَاهْ يِشَيَّبْ الرَّاسْ
هنالك بعض البشر أشبه بالميكروبات الضارة، خلقوا فقط للنميمة وأكل لحوم الناس وهم أحياء، ولا يجدون راحتهم ومتعتهم إلا في النبش في كل الأمور التي لا تعنيهم،مور الناس الخاصة وهؤلاء السفهاء السفلاء من الأنانيين الفارغين هم من أجبن خلق الله، لأنهم لا يمتلكون الشجاعة والجرأة أن يقولوا في الناس في وجوههم ما يقولونه فيهم من وراء ظهورهم، ولن أكون أكثر تشريحا وفضحا وتقريعا لأمثال هؤلاء المشغولين بهموم الناس وعيوبهم وهفواتهم وأمورهم الحياتية الخاصة أكثر من الأديب الروسي الكبير دوستويفسكي لما قال عنهم في رواية الأبله الرائعة: "إن هؤلاء السادة 'العالمين بكل شيء'...لأن فضولهم اليقظ وملكاتهم العقلية تلتقي جميعا في اتجاه واحد، لخلو بالهم طبعا من اهتمامات حيوية ومشاغل جدية أخطر شأنا...على أننا حين نقول 'أنهم يعرفون كل شيء' يجب أن نفهم من ذلك أن ميدان علمهم محدود، وأن ساحة معرفتهم ضيقة، فعلمهم يقتصر على أمور كالتالي: أين يعمل الموظف الكبير فلان، وما هي علاقاته، وما مقدار ثروته، وما هي المقاطعة التي كان حاكما فيها، ومن هي المرأة التي تزوجها، وكم المهر الذي نالته منه زوجته، ومن هو ابن عمه، ومن هو قريبه من الدرجة الثالثة بخ بخ بخ بخ......وهم يعرفون ذلك كله معرفة مناسبة، وهؤلاء السادة 'العالمون بكل شيء' هم في كثير من الأحيان أناس صعاليك يسيرون بأكمام مثقوبة أكواعها..... والناس الذين يعرف هؤلاء كل شيء عنهم لا يستطيعون أن يتخيلوا الدوافع التي تحضهم على التماس هذه المعارف وجمع هذه المعلومات، ولكن كثيرا من هؤلاء 'العالمين بكل شيء' تغريهم معارفهم هذه إغراء كبيرا، وهم يستمدون من هذه المعارف التي تساوي في نظرهم علما حقيقيا، يستمدون منها احترامهم لأنفسهم، ويستمدون منها متعة روحية عظيمة، وارتياحا فكريا كبيرا، ثم أن لهذه المعرفة جوانبها المغرية الجذابة، لقد عرفت علماء وأدباء وشعراء وسياسيين وصلوا بفضل هذه المعارف إلى أهداف عالية وبلغوا غاية رفيعة، ووجدوا بواسطتها سكينة الروح وطمأنينة النفس، حتى أنهم مدينون لها بما نالوا من مراكز في مجال عملهم."
مَا يِحَسّْ بَالجَّمْرَة غِيرْ اللِّي جَالَسْ عْلِيهَا
لا يحس بألم الحريق إلا الجالسون أو القابضون على الجمر، و مهما بالغ البعض في المواساة عند النائبة والمصيبة، فليس باستطاعته مطلقا أن يشعر بنفس شعور الشخص الـمُصاب، ولو تظاهر بذلك تظاهرا للمواساة، وكما يقول المثل الشعبي المغربي 'كِيَّة اللِّي جَاتْ فِيهْ مِسْكِينْ'.. أي المصيبة، فلا حنين لا كريم الا الله الكريم.
لَوْ تَطْلَعْ للَصَّمْعَة أَوْ تَهْبَطْ لْقَاعْ البِيرْ أَوْ تْطِّيرْ فَالسّْمَا كِيفْ الطِّيرْ، مَا يْكُونْ إِلاَّ مَا رَادْ الله يِدِيرْ
الصمعة هي الصومعة، والبير هو البئر، كيف الطير أي مثل الطير، ويِدِيرْ مشتقة من أَدَارَ يُدِيرُ والمقصود بها في المثل يَفْعَلُ،  رَادْ الله تعني ما أراد الله،  وهذا المثل يؤدي نفس معنى المثل الذي صدر في أمثال شعبية مغربية 13  'إِلاَ حَكْمَاتْ عْلِيَّ أَيَّامِي مَا يَنْفَعْنِي لاَ اسْتِئْنَافْ وَلاَ قَاضِي وَلاَ مُحَامِي'.
 فماذا باستطعاة البشر الضعيف -مهما خطط ومهما برمج ومهما نظم ومهما تآمر- أن يفعل بوجه القضاء والقدر، ولا زلت أتذكر لقطة شدني إليها كثيرا فيلم عمر المختار لما وقف أسيرا مكبلا بالسلاسل أمام الجنرال الطلياني 'غرازياني'، غير أن سنوات الرجل  السبعين لم تمنعه من الوقوف منتصب القامة مرفوع الهامة كالطود الشامخ بدون أدنى شعور بالخوف أو بالدونية، فبدأ جنرال زمانه القوي يهدده بسأفعل بك كذا وكذا، فاستدار نحوه عمر المختار بكل ثبات ورباطة جأش وحدق فيه جيدا وقال له مقولته المدوية: "أنت لن تفعل بي إلا ما كتبه الله لي"، فَزُلزِل 'غرازياني' زلزالا عظيما لـِمَـا سمع،  عندها تلطف مع عمر المختار وغير من نبرة كلامه وخاطبه بأدب واحترام ودعاه إلى الجلوس، وما أروع قول الإمام الشافعي:
دَعِ الْأَيَّامَ تَفْــــعَــــــــــلُ مَا تَشـَـــــــــــــــــاءْ     وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَـكَمَ القَــــضَـاءْ
وَرِزْقُـكَ لَيْسَ يَنْقُصُــــــــــــــــهُ التَّــــــأَنِّي     وَلَيْسَ يَــــزِيدُ فِي الــــــرِّزْقِ العَــــــــــــــنَاءْ
إِذَا مَا كُنْتَ ذَا قَلْـبٍ قَنُــــــــــــــــــــوعٍ     فَأَنْتَ وَمَــــالِـكُ الـــــدُّنْيَـا سَـــــــــــــــــوَاءْ
وَمَـنْ نَزَلَتْ بِسـَــــــــــــاحَتِهِ المنَايـَــــــــــا     فَلاَ أَرْضٌ تَقِيـــــــــــــهِ وَلاَ سَـمـَــــــــــــــــاءْ
وَأَرْضُ الله وَاسِعـَــــــــــــةٌ وَلَكِـــــــــــــــنْ     إِذَا نَزَلَ الْقَـــــضَـا ضَاقَ الْفَـــــضَــــاءْ
زَوَّجْتْ بَنْتِي نَرْتَاحْ مَنْ صْدَاعْهَا، رَجْعَتْ لِيَّ هِيَ وَأرَبْعَة مَنْ اتْبَاعْهَا
أتباعها أي أولادها، يُضرب المثل لمن يحاول التخلص من ورطة صغيرة  ويورط نفسه في مصيبة أكبر وأعظم، ومن المعلوم إن أصعب ما يمكن أن يواجه المرء في حياته هو إدارة البشر، فماذا باستطاعة من كان يُدير نفسا واحدة أن يُدير خمسة أنفس.
اللِّي اتَّكَلْ عْلَى الأُولاَدْ سَاقُو الوَادْ
من اتكل على أولاده جرفه الوادي وأضحى في تعداد المفقودين، وهذا المثل يؤدي نفس معنى المثل الذي صدر في أمثال شعبية مغربية 7 'فِي هَاذَا الزَّمَانْ كُلْ وَاحْدْ بْكَاسُو وُنْعَاسُو  وُهَازْ هَمُّو عْلَى رَاسُو'، فالاعتماد على النفس والتوكل على الله هو رأس المال والكنز الذي لا يفنى في هذه الحياة الدنيا، فلا  تغرنك زخارفها وكثرة الأولاد والإخوان والأصدقاء فيها، فهي لا تغدو أن تكون غير بيداء مقفرة لا هادي للإنسان فيها إلا إرادته الحرة ليتحمل تبعات ما جنت وما لم تجن يداه.
الشَّطَّاحَة تْمُوتْ وُنَصّْهَا تَيْلَوَّزْ
الشطاحة هي الراقصة، تموت ونصها تيلوز أي أنها تبقى إلى أرذل العمر ونصفها السفلي يهتز بالرقص الشرقي اهتزازا، وهذا المثل يؤدي نفس معنى المثل الذي صدر في أمثال شعبية مغربية 8 'عَمَّرْ الشِّيخَة مَا تَنْسَى هَزَّانْ الَكْتَافْ'، و'الشيخة' هي المغنية الراقصة، فهي خلال رقصها تهز وتحرك أكتافها وأطرافا أخرى بطريقة سريعة ومتواترة، وحتى بعد اعتزالها الرقص والغناء لا يمكنها نسيان طريقة 'هزان الكتاف' أو 'التلواز'، ويُضرب المثل على أن من يَشُبُّ عَلَى شَيْءٍ يَشِيبُ عَلَيْهِ.
إِلَى شَفْتِيهُمْ سَوّْلُوا عْلِينَا اعْرَفْ حَاجَتْهُمْ فِينَا
إذا ظهر لك كثرة سؤال الناس عنك عشرات المرات أو حتى مئات المرات يوميا بجميع الوسائل الحديثة المتاحة، وصار اسمك مشهورا  كنار على علم بينهم، فاعلم حفظك الله أنك توجد بالضبط في مكان توجد فيه مصالح جميع هؤلاء الناس، واعلم حفظك الله أيضا أنك بمجرد مغادرتك لهذا المكان لسبب طارئ من الأسباب، كالمرض أو الطرد أو التقاعد أنك ستُضحي نسيا منسيا، ولن يسأل عنك بعد ذلك  أحد حتى ولو صرت خميرة حامضة تزكم الأنوف. 
قَوْمْ زِيرُو عْلَى الدُّولاَرْ وَالأُورُو عِينِهُمْ كَيْدُورُو
زيرو تعني صفر، فالمال مفتاح لكل الأبواب المستعصية على الفتح، وجميع البشر من كل الملل والنحل كلما لمست جيوبهم نسوا ربهم، وكلما رأووا الأورو والدولار بدأت عيونهم تدور وبدأ تآمرهم وغدرهم يزداد ويغور، وصدق الشاعر الإيطالي دانتي صاحب الكوميدية الإلاهية  لما قال: " اتخذْتَ إلها من ذهب وفضة، فأي فرق بينك وبين الوثني سوى أنه يَعبدُ وثنا وأنت تعبدُ مائة"، ولله در الشيخ محيي الدين بن عربي رحمه الله الذي ضرب برجله فوق المكان الذي كان يخطب به بالمسجد وقال للناس: "إن معبودكم تحت قدمي هاتين"، فشاع هرج ومرج وكفَّرَهُ الناس، الذين كانوا في ظاهرهم يسجدون لله وفي باطنهم  يعبدون الدرهم والدينار، واتهموه بالزندقة والخروج عن الملة وهدروا دمه وما أكثر هؤلاء حين تعدهم، ومرت أيام الله متتالية وانتقل الشيخ إلى دار عند ربكم تختصمون، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وتبين فيما بعد للجميع أن المكان الذي ضرب فوقه برجليه يحوي كميات كبيرة من الذهب.
فَالشّْتَا مَغْرُوقِينْ وَفَالصِّيفْ مَحْرُوقِينْ
فالشتا مغروقين أي في فصل الشتاء غارقين، وهذا ما جناه إلاه القرن الواحد والعشرين 'التكنولوجيا' بدون حدود ولا ضوابط على البشرية من ويلات اضطراب الطقس وخروجه عن السيطرة، لدرجة أضحى الناس غرقى شتاء بالأمطار الطوفانية والفياضانات المدمرة، ومحروقين صيفا  كأنهم في مقلاة نتيجة الحرارة المفرطة المستمرة، والتي بلغت مستويات قياسية جد خطيرة لم تبلغها في أي زمن من الأزمان من ذي قبل، فمن يزرع الريح يجني العاصفة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق