سِرْ مْعَ صَاحْبَكْ بَالنِّيَّة حَتَّى تَلْقَى رَجْلُو مَتْنِيَّة

حكى الشيخ العلامة حجة الدين أبو هاشم محمد بن أحمد بن ظفر رحمه الله في 'سلوان المطاع في عدوان الأتباع'،  أن ثعلبا إسمه 'ظالم'  كان يُقيم في جُحر، وعاد إليه يوما فوجد فيه حية استوطنته، فسار في الأرض يطلب لنفسه مأوى، إلى أن انتهى به الطواف إلى جحر حسن الظاهر، حصين الموضع،  في أرض خصيبة، لثعلب يدعى 'مفوضا' ورثه عن أبيه، فناداه 'ظالم' فرحب به 'مفوض' وأدخله جحره، وسأله عما قصد، فقص عليه 'ظالم' خبره وشكا إليه كيف استحوذت حية ظلما وعدوانا على جحره، فَرَقَّ له 'مفوض' وقال له: "إِنَّ مِنَ الِهمَّةِ أَلاَّ تُقَصِّرَ عَنْ مُطَالَبَةِ عَدُوِّكَ، وَأَنْ تَسْتَفْرِغَ جُهْدَكَ فِي ابْتِغَاءِ دَفْعِهِ وَهَلَكِهِ".
وإنه كان يُقال: من تـَهَيَّبَ عَدُوَّهُ فَقَدْ جَيَّشَ لِنَفْسِهِ جَيْشاً، وكان يُقال: رُبَّ حِيلَةٍ أَنْفَعُ مِنْ قَبِيلَةٍ، وكان يُقال: الـمَوْتُ فِي طَلَبِ الثَّأْرِ خَيْرٌ مِنْ الحَيَاةِ فِي العَارِ، وكان يُقال: إِذَا طَلَبْتَ لِقَاءَ عَدُوِّكَ بِالقُوَّةِ فَلاَ تَقْدِمَّنَ عَلَيْهِ حَتَّى تَعْلَمَ ضُعْفَهُ عَنْكَ، وَإِذَا طَالَبْتَهُ بِالـمَكِيدَةِ فَلاَ يَعْظُمَنَّ أَمْرُهُ عِنْدَكَ وَإِنْ كَانَ عَظِيماً، والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي انْتُزِعَ منك غصبا، فلعلي أنتهي إلى وجه مكيدة في تمكينك منه، فَإِنَّ أَفْضَلَ الرَّأْيِ مَا أُسِّسَ عَلَى الرَّوِيَّةِ، ولهذا قيل: "يَفْسُدُ التَّدْبِيرُ بِثَلاَثِ أَسْبَابٍ، أَوَّلُـهَا أَنْ تُكْثِرَ الشُّرَكَاءَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلَكَ انْتَشَرَ التًّدْبِيرُ فِيهِ وَبَطُلَ، وَثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الشُّرَكَاءُ فِي التَّدْبِيرِ مُتَنَافِسِينَ مُتَحَاسِدِينَ فَيَدْخُلُهُ الَهَوى وَالْبَغْيُ فَيَفْسُدُ، وَثَالِثُهَا أَنْ يـَمْلُكَ التَّدْبِيرَ مَنْ غَابَ عَنِ الأَمْرِ الـمُدَبَّرِ دُونَ مَنْ بَاشَرَهُ وَشَاهَدَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ دَخَلَهُ حِقْدُ الـمُبَاشِرِ الحَاضِرِ وَفَوَّتَ الفُرَصَ، ثُمَّ إِنَّ تَدْبِيرَ الـمَسْمُوعَاتِ مُؤَسَّسٌ عَلَى ظُنُونِ الــخَبَـرِ، وَتَدْبِيرُ الـمُبْصَرَاتِ مُؤَسَّسٌ عَلَى يَقِينِ النَّظَرِ.
ثم انطلقا إلى جحر 'ظالم' وعادا، وبات 'مفوض' ليلته في جحره يفكر في حيلة، أما 'ظالم' فقد رأى من سعة جحر 'مفوض' وطيب موقعه ما جعله يطمع في غصبه، فلما أصبحا عرض عليه 'مفوض' أن يبقى معه في هذا المكان، وأن يعينه على احتفار مسكن قريب منه، فأظهر 'ظالم' شدة الشوق والحنين إلى وطنه، وأنه لا يستطيع احتمال الغربة، وأن حروف هذه الكلمة مجموعة من أسماء تدل على معنى الغربة: فالغين من غِيبَةٍ وغَرَرٍ  وغَمٍّ وغِلَّةٍ، وهي حرارة الحزن والظمأ وغرم وغول وهو كل مهلكة، والراء من روع ورعب ورنق وهو الكدر ورزء وهو الهلاك، والباء من بلوى وبؤس وبعد وبرج وهي الداهية وبوار وهو الهلاك.
فلما رأى 'مفوض' منه شدة اشتياقه إلى وطنه قال له: أرى أن نذهب يومنا ونحتطب حطبا ونربط منه حزمتين، فإذا أقبل الليل انطلقت أنا إلى بعض هذه الخيام وأخذت قبس نار، واحتملنا القبس والحطب وقصدنا إلى مسكنك فجعلنا الحزمتين على بابه وأضرمناهما نارا، فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت الجحر أهلكها الدخان، فقال 'ظالم': نِعم الرأي.
ثم احتطبا حزمتين وذهب 'مفوض' ليجيء بقبس نار من إحدى الخيام القريبة، فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين وأخفاها في موضع، وذهب بالأخرى إلى جحر 'مفوض' فولجه وسد الباب من خلفه بها سدا محكما، ورأى أنه بذلك يستطيع أن يتحصن من 'مفوض' إذا حاصره، وعنده طعام وشراب في الجحر يقوى به على الحصار، وعاد 'مفوض' فلم يجده، فأحسن الظن به، وقال في نفسه: لعله لم يرد أن يكلفني احتمال الحطب معه، وبدا ل'مفوض' أن يلقي القبس ويلحق 'ظالما' ليحمل معه الحطب،  فخشي أن تُطفئ الريح القبس فعمد إلى إدخاله في باب الجحر، فأصابت النار الحطب فأضرمته، فاحترق 'ظالم' وحاق به مكره.

فلما اطلع 'مفوض' على أمر 'ظالم' قال: ما رأيت كالبغي سلاحا أكثر عملا في محتمله، ولما خمدت النار دخل جحره وأخرج جيفة 'ظالم' فألقاها، وأوطن جحره على حال تـََحَفُّظٍ واحتراس واستعداد لكيد الكائدين.      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق