عندما يُتَوَّجُ الغش امبراطورا


يا إلهي من أوصلنا إلى هذا المستوى من الغش والتدليس والنصب والاحتيال، من أوصلنا إلى هذا المستوى من النفاق وخيانة الأمانة والدوس على القيم والمبادئ السامية، ففي كل ركن وفي كل زقاق، في كل حيز من خريطة الوطن، وفي كل شأن من شؤون الحياة نصب الناس الغش امبراطورا عليهم وتوجوه بتاج من الغش مرصع بجواهر مغشوشة، ثم ناصروه ظلما على الحق الذي حاصروه وجوعوه ثم قتلوه شر قتلة.
فأينما وجهت وجهتي صادفت عيون الغش الصغيرة الماكرة تراقبني من قرب وعن بعد، وتتحين الفرص للإيقاع بي أو إدخالي إلى أكبر حزب في العالم: حزب الغشاشين والغشاشات، فإن ذهبت عند الجزار جزرني ووصل به الغش في أيسر الأحوال إلى إثقال الميزان  بالشحوم والعظام كما قال سي الحسين السلاوي رحمه الله: 'الجزارة مجبدين من الفوق إيديروا هبيرتين من التحت إيديروا عظيمتين"، وفي أخطر الأحوال قد تبلغ الجرأة ببعض الغشاشين  إلى  إطعامي لحم كيدارا من الكيادر المسكينة المظلومة والمهضومة الحقوق، وإن ذهبت عند خضار لاقتناء قوت يومي من الخضروات والفواكه دلس علي في منتوجات مشكوك في سلامتها وعدم ضررها بالصحة، وزينها لي مقسما بأغلظ الأيمان بأنها أرفع الخضر والفواكه في السوق، وإذا غَرْغَرَتْ مصاريني وأنشدت نشيد الجوع البشري الأزلي،  وهَرْوَلْتُ لا ألوي على شيء لأقرب مقهى أو مطعم أو أي محل لبيع المأكولات لتسكينها، سممني هؤلاء وأرسلوني بالمباشر على الهواء الطلق لقسم من أقسام المستنجعات عفوا المستعجلات بين الحياة والموت، وأنا أقول في قرارة نفسي هذا ما جنته على نفسها براقش.
وزحف الغش وأعوانه من نصب واحتيال وتزوير وخيانة للأمانة  زحفا خطيرا على الفرد والأسرة والقبيلة والجماعة، والأرياف والقرى والمدن، ومد أذرعه الشنيعة في أوصال المجتمع تخربه تخريبا غير مسبوق، وبدأ الناس يدخلون في حزب الغش أفواجا أفواجا،  مسبحين بثرواته الطائلة التي أغدقها عليهم، وأمواله الخيالية التي لم يحلم بها حتى في المنام أباءهم وأجدادهم وتريكتهم من الغشاشين الأولين، وهم يرددون بصوت واحد: لبيك أيها الغش لبيك وحدك لا مثيل لك، أنت الذي منحتنا أموالنا وثرواتنا، المجد والسؤدد لك لا لغيرك.
وما أن استتب الأمر للغش داخل المجتمع حتى سرى في أحشاء مؤسسات الدولة وإداراتها وصار فاعلا رئيسيا وأساسيا غير مرئي بالعين المجردة، ومنفلت بطرق ماكرة وملتوية شتى من صرامة القوانين والإجراءات الجاري بها العمل، وغير معني إطلاقا بالمواطنة والتضحية والصدق والفضيلة والأخلاق والقيم، فسرى بالليل والنهار في أحشاء جسد الأمة كالسرطان في خدماتها ومشاريعها وكل شأن من شؤونها الحياتية، فكثرت التصرفات والمعاملات الاحتيالية والتدليسية والخيانية والتزويرية حتى فاضت بها قاعات المحاكم بما رحبت، ودب عدم الثقة بين الناس وانقطع حبل مودتهم وتراحمهم، وصاروا فريسة سهلة  للغش الذي فتك بهم فتكا، وقضى على ما تبقى لهم من زمن باهت على سفينة هذه الحياة الدنيا المليئة بالثقوب.
ووصلت الجسارة و'السنطيحة' بالغش إلى أن يُدخل إلى حزبه ميدان التعليم الذي فقد مناعته المكتسبة وبكى على أيامه المجيدة الفائتة ونعى نعيا حزينا مبكيا رجالاته الفضلاء النزهاء الأكفاء،  وأضحى هو الآخر يفرخ في المجتمع نماذج فريدة من الغشاشين والغشاشات الذين لاهم لهم  إلا الوصول إلى الثروة وبحبوحة العيش ورغده وخمرته التي أسكرت القوم بأية وسيلة وبدون جهد يذكر وفي أقل وقت ممكن.
فيا أيها الغشاشون ويا أيتها الغشاشات تذكروا جيدا أن الزمان لاعب نهم ماهر لا يقنع بالقليل، وتذكروا جيدا  أنه يفوز دائما وأبدا دون غش، وهو قانون أزلي ليس باستطاعتي أو استطاعة أي منكم أن يغير قواعد لعبته، ومهما أوتيتم من حيلة ومكر في خداع الآخرين، ومهما راكمتم من ثروات وأموال بفعل الغش، فلسوف ينتهي بكم المطاف مستسلمين، مندحرين، مرضى، مُقعدين، بلهاء بدون عقل ولا شعور ولا عاطفة، ممرغي الكرامة، والموت يخنقكم بيديه القويتين حتى تتقطع أنفاسكم وتجحظ عيونكم، أمام أنظار من كنتم بالأمس القريب تغشون وأنتم فيما بينكم متغامزون مستهزؤون. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق