عندما تصبح التكنولوجيا في متناول المجانين والسفهاء

"إن الفَرْدَ مُعَاقٌ أَمَامَ مُؤامرة جِد وحشية بحيث من الصعب عليه أن يُسَلِّمَ بأنها موجودة"
إدغار هوفر (1895-1972) مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي من 1924 حتى وفاته
يبلغ عدد مستعملي الأنترنت في الوقت الراهن زهاء 3.773 مليار شخص يتبادلون فيما بينهم ما يفوق 150 مليار رسالة إلكترونية يوميا، وطوفانا من المعطيات الرقمية التي تغرق العقل البشري وتضعه على مستوى جد خطير من الإجهاد والتوثر لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري برمته، فزيادة على الكم الهائل من المعلومات الرقمية هنالك سرعة تدفق هذه المعلومات التي يعجز العقل البشري على مجاراتها واستيعابها، ولإعطاء مثال على خطورة الموقف تجدر الإشارة على أن كمية المعلومات التي تنتجها الحضارة المعاصرة في يومين توازي ما أنتجته البشرية خلال مليوني سنة.
إن التقنيىة الرقمية أضحت لا غنى عنها في عالم اليوم، نظرا لفوائدها التي من شبه المستحيل  على المجتمعات العصرية المادية الاستهلاكية بامتياز إنكارها (زيادة في الإنتاجية، أنظمة أكثر استجابة، أتمتة المهام، مصدر لا ينضب من المعلومات، أدوات تعاونية وتشاركية، العمل متنقلا في أي مكان من المعمور إلخ....)، وإذا أضفنا إلى كل ذلك الانتشار الرقمي في مجال الخدمات والمقاولات والإدارات فإنه لا يسعني إلا القول أننا لسنا فقط مرتبطين بالشبكة بل 'سوبير' مرتبطين إلى درجة زوغان العقل وخروجه عن الصواب.
لقد وصلت البشرية في الوقت الراهن إلى مستوى الغرب المتوحش الرقمي...مستوى من الفوضى الإلكترونية الخلاقة التي تتدفق من كل بقاع الكرة الأرضية كالسيل الجارف من خلال الأدوات الرقمية الإلكترونية، وأضحت البشرية تعيش على الرغم من الطفرة النوعية التي أحدثتها التكنولوجيا الرقمية حياة متناقضة، حيث الاختراعات الرقمية التي كانت تأمل فيها هذه البشرية أن تيسر أمور حياتاها وتسعدها أضحت تعكر صفوها وتزيدها إرهاقا في الصحة العامة، وانحطاطا خطيرا في الفنون والفكر والأدب والتعليم وحتى في الأخلاق والقيم، في مجتمعات مريضة ومدمنة على 'القجاقل' (خردة المخترعات التقنية الحديثة)،  تُعطي قيمة للفرد أكثر مما يستحق، وتفضله على الأسرة والجماعة اللتين أضحيتا متهمتين في كيانهما، وتثمن القوة والسرعة عاليا بجميع خردة التكنولوجيا ووسائل الانفصام عفوا الاتصال.
وظهرت بسبب ذلك  أمراض جديدة وخطيرة بسبب الإجهاد الرقمي داخل المجتمعات الحديثة ولدتها تقنيات المعلومات والاتصال، وبدأت تحصد كل سنة المزيد من الرؤوس التي أينعت وحان قطافها من الضحايا الرقميين،  وعلى رأس هذه الأمراض مرض أعراض الإرهاق المهني الذي يتجلى في الضغوطات التنظيمية المتكررة في العمل التي تؤثر على السلامة العقلية والصحية، وتستنزف الموارد الحيوية للإنسان، ثم يأتي مرض النوموفوبيا الذي هو رُهَابٌ وخوف مفرط من فصل الشخص عن هاتفه المحمول، فبالإمكان فصل أي شخص عن زوجته والعكس، لكن من شبه المستحيل فصله (ها) عن هاتفه (ها) المحمول، ثم هنالك مرض الاهتزازات الشبحية التي تُشعِر الشخص خطأً بأن هاتفه المحمول يهتز في حقيبته (ها) أو جيبه (ها)، ثم مرض إجهاد البريد الإلكتروني الذي يُلزم الشخص بطريقة مرضية بفحص بريده الإلكتروني عدة مرات في اليوم، ثم مرض الخوف من فَقْدِ خبر أو نبإ ما أو تفويت تعارف جديد على شبكات التواصل الإجتماعي، وهو نوع من القلق الاجتماعي الدائم الذي ينطوي على خوف من عدم الاستفادة من اللحظة الراهنة لإسقاطها على المستقبل القريب فيما يشبه أحلام اليقظة.
إن كل سلوك إدماني يولد الإجهاد والتوثر والعكس بالعكس، والإجهاد والتوثر يؤديان بدورهما إلى البحث الحثيث عن المتعة، أو البحث عن طُرُقٍ للتخفيف من حدتهما بأية وسيلة كانت، وذلك للتعويض عن كل تلك الإخفاقات الحياتية، والشعور بالوحدة القاتلة، والبؤس الوجداني وبعدم الرضا عن النفس. 
فمع انبعاث فجر تقنيات المعلومات حدثت تغيرات جذرية في جميع الميادين بكل المجتمعات البشرية، فاخترقت التقنية الرقمية كل الأنشطة البشرية وشجعت على إعادة النظر في كل الأنظمة التقنية والنظم الاجتماعية، وتم التغرير بكل الناس بواسطة هذه التكنولوجيا الحداثية أَنْ بإمكانهم القيام بمهام متعددة ومتزامنة بسرعة الضوء، ربحا للوقت وكسبا للكثير من الأموال ومزيد من الأموال والقناطر المقنطرة من الذهب والفضة، غير أن هذا الانطباع لم يكن إلا خداعا ومغالطة كبيرة وخطيرة من طرف من يشدون حبال اللعبة من خلف الكواليس، لأن العقل البشري في تكوينه -كما أظهرت الكثير من الدراسات والتجارب المخبرية وحتى الشخصية-ليس مهيأ للقيام بمهام متعددة متزامنة بدون خطورة عليه وبنفس الفعالية والدقة والتركيز والإتقان كما هو الحال عند قيامه بمهمة واحدة، يعني بصريح العبارة أن أولئك الذين يتحكمون في اللعبة ويحركون الكراكيز على مسرح الأحداث العالمي يسعون بالبشرية إلى إتلاف عقلها وتدمير أغلى ما في الإنسان (العقل) من بعدما أتلفوا ودمروا الأخلاق والقيم والصحة العامة للناس، وليذهب العقل في ستمائة وستة وستين (666) ألف داهية.
لذلك لم يعد الأمر مستغربا أن تصبح الكثير من المواضيع المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع نشر الفيديوهات كلها جنون وسفه وانحطاط أخلاقي ومرض نفسي وكبث جنسي وخنث وشذوذ جنسي وسُحاق وكفر وإلحاد وبصريح العبارة خروج بصفة كاملة عن الفطرة السليمة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق