لن أكون انتهازيا ولا لاحسا للأحذية

لن أكون انتهازيا، ولن أكون لاحسا للأحذية، مهما تكالب علي الناس وانقلب علي الزمان، ولن أقف يوما ما في حياتي خطيبا واعظا أو متبجحا في الجموع، لأن كل خطاباتي أوجهها لذاتي، وذاتي هي موقدي ومأكلي ومشربي وبيت كرامتي وعزتي، لقد عانيت في حياتي من نفاق الناس وحقدهم وتقلباتهم وطعنهم الغادر أكثر مما عانيته من أشرس الحيوانات الضارية، ومشيت في شتى السبل بصالحها وطالحها  وكنت أرمي كل أثقالي على كاهل عقلي وأتفحصها بضميري.
يمكن للناس أن يتنازلوا لك عن القليل من أنانيتهم وترفعهم رياء وسعيا وراء التمجيد والتبجيل والمباهاة وحب الظهور، غير أن أشرفهم وأظرفهم وألطفهم سوف يخنقك حتى تجحظ عيناك وتسقط من جمجمتك، ثم ما يلبث أن يتفنن في قتلك شر قتلة على أول درهم تنازعه عليه أو غنيمة تنتزعها منه، أهلك وأصدقاؤك وزملاؤك في العمل ما فيهم قنفد واحد أملس، مجموعة من الأفاعي تنساب في شعاب الدنيا المتوحشة سعيا وراء فرائسها، آه عليك يا  أكحل الرأس لمن لا يعرفك ولمن لم يختبرك عن كثب.
لم يخطر أبدا في خلدي أن أنخرط في حزب أو نقابة أو جمعية لأتقي به شر الضربات التي قد تأتي يوما ما من الإدارة، ولأقضي به مصالحي ومآربي وأشياء أخرى بطرق ملتوية ومتحايلة وأحيانا غاية في الإنتهازية والدناءة وقلة المروءة، أو بصريح العبارة لأنني حقيقة لا أتقن فن التمثيل ولست مؤهلا أن أتقمص أدوارا شتى في نفس الوقت من أجل ضمان (جطي) أو حصتي من الغنائم.
رأيت الخير والشر والأفراح والأحزان أبخرة متلونة تتلون بتلون البشر المضطرب المتناقض، وينتابني شعور بالألم والعجز في خضم عالم مجنون سريع الزوال، يتهافت فيه الناس ويتسابقون بحثا عن السعادة الـمُفتقدة  والملذات السافلة، كتهافت الذباب على مكبات النفايات والقاذورات، والحصيلة في الأخير المزيد من الميكروبات والأدواء المستعصية على الشفاء.
علمتني ذاتي أن لا أحني رأسي لبشر على وجه الأرض مهما بلغ شأوه ومهما قست علي الظروف ومجريات الأحداث، بل سأرفعها عالية متعالية تخترق أديم الأرض كجدع شجرة الأوكاليبتوس، لتورق أغصانا خضراء في عنان السماء، رغم تبولكم وخرائكم على جذعها الطاهر أيها الحثالات، لكنها لن تنحن إلا  لله الواحد القهار.
لن أدعي على أنني  إنسان فاضل وشريف وطاهر بْلَا بْلاَ بْلاَ......، غير أنني صادق مع نفسي، ولطالما أديت ثمن صدقي وصراحتي غاليا ..وأحيانا غاليا جدا، وهذا هو الشرف الوحيد الذي أفتخر به، هو خيري الذي أحب ويملؤني شعورا براحة الضمير، ويتركني أذهب لرعي عجول الآخرة حتى ولو بات الرعد  يطبل ويزمر في أذني،  فأنام نوما عميقا جدا، بمجرد ما أضع رأسي على الوسادة.
رأيت الضواري الضالة من السفلة والأدنياء التي كانت تسكن الكهوف والثقوب والمزابل في زمن قحطها وذلتها، أضحت تسكن الآن الفيلات الفخمة وتقتني أفخر السيارات وتلقب بأصحاب السعادة والفخامة، تمر من أمامي وأنوفها النتنة مشرئبة نحو السماء.. والسماء تبكي دما، وأنا جالس على الرصيف في انتظار الحافلة أتأمل في حذائي  وفي رجلي كم من آلاف الكيلومترات قطعت وما زالت تكرع.
لقد انقطع حبل مودتي بيني وبين المنافقين والسفلة والأدنياء والحكَارة، وأصبحت أشمئز من طلعة وجوههم السوداء الثقيلة التي تذكرني بوجه 'دراكولا' وأنيابه البارزة التي تقطر دما، يا من تثوقون إلى الإعتلاء على كواهل الناس المظلومين والمستضعفين وبمن قذفت بهم نوائب الدهر بين عصاباتكم المجرمة، أما أنا فإنني أثوق أن أنزل إلى ما تحت قدمي لأرى جحيم المعذبين في الأرض كي ألعنكم وألعن دنياكم.
لم أكن يوما في حياتي كريما مع اللؤماء، لأنهم إذا استعصى عليهم استعبادك كرهوك ووجهوا إليك نظرات وكلام السوء مرفوقة بالسلام عليكم ورحمة الله، وصباح الخير ومساء الخير، وأهلا وسهلا يا عسل، ومدوا في وجهك الأصبع الوسطى من تحت الجلباب، يا سلام على الأحباب والأصدقاء والأصحاب وعلى كثرة الصواب.

ما كتبته في الأسطر القليلة هو مجرد خواطر عابرة اقتنصتها في لحظة من حياتي التي هي الأخرى عابرة، وقد أقرأها يوما ما فأستلقي من الضحك متهكما على نفسي ودخولها وخروجها في الكلام، فلا تعيروها أدنى اهتمام، وبهذا أردت التبليغ والسلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق