أعظم مساواة على الإطلاق

قَدْ فَاضَتِ الدُّنْيَا بِأَدْنَاسِهَا     عَلَى بَــــرَايَاهَا وَأَجْـــــنَاسِــــــــهَا
وَكُلُّ حَـــــــــــــــــــيٍّ بِـــهَا ظَــــالِـمٌ       وَمَا بـِهَا أَظْلَــــمُ مِنْ نَاسِهَا
                                                              أبو العلاء المعري
كلما شيعت جنازة أخذت منها أكبر المواعظ في حياتي، ورأيت بأم عيني بكم تزدحم هذه المقابر بالعظام النخرة لأناس  كانوا بالأمس القريب يتوهمون أن الزمن سيتوقف من دونهم، وآخرون كانوا يخالون أنفسهم الأجدر والأقدر على تلقي وإنتاج الثقافة والقيم وفرض وصايتهم وهيمنتهم على الشعوب بعجرفة واستعلاء لا مثيل له، وآخرون من عصبيي المزاج بل حتى من الغير أسوياء ومن المجانين ومن المعقدين  الذين كانوا يشغلون أحيانا مناصب رسمية وحكومية خطيرة، من أولئك الذين كان ديدنهم في حياتهم الدنيا الفانية هو إطلاق النار أولا على كل من يخالفهم الرأي أو يعكر عليهم صفو فسادهم ثم يقدمون بعد ذلك أنفسهم لضحاياهم بكامل الوقاحة.
ورأيت بأم عيني -في أعظم مساواة على الإطلاق لا دخل فيها لأي بشر على وجه الأرض- أنه بجانب هؤلاء الطواغيت الظلمة ترقد في سلام أمة من المستضعفين ممن ظُلِمُوا وسُلِبُوا وعُذِّبُوا وأُهِينُوا واحْتُقِرُوا وقُتِلُوا، لم تخسر شيئا في حياتها الدنيا من قصور وضياع و متاع وأموال طائلة، لأنها كانت ترى في الموت راحة وتحررا وانعتاقا لها من القهر والعبودية والتسلط، عكس الأغنياء والمترفين الذين يعضون على الحياة الدنيا بالنواجذ ويتشبتون بها بالأظافر لدرجة الجنون والهذيان.
كانت دائما تراودتني فكرة أن  الانتقام هو بمثابة أُكْلة  يجب تتناولها باردة على مهل وبدون تسرع، لأن أَكْلَها جد ساخنة يمكن أن يؤدي بالمرء إلى عسر في الهضم أو 'الصريصرة' (الإسهال)، لذلك لم أكن سريع الرد على من ظلمني أو أساء إلي ، بالرغم من التشجيع والتحفيز الذي ألقاه من الكثير ممن يسمون بالأصدقاء، وكنت كلما تلقيت صفعة  أو طعنا من الخلف ضمدت جراحي، ثم اختليت بنفسي  واحتكمت إلى ضميري واستفتيت عقلي ثم أترك بعد ذلك الوقت والزمن يقوم بعمله أحسن قيام، لأنني أوقن يقينا  مطلقا أن كل جريمة تجد جزاءها بدون ضجيج، وكل فضيلة تكافأ بدون أية بهرجة، وكل خطأ يُجازى في صمت وبكل تأكيد، وليس في هذه الدنيا الواسعة المترامية الأطراف مكان يختبئ فيه  قاتل أو ظالم أو سافل أو نذل أو لص، وكأن الأرض كلها صنعت من زجاج، وفي هذه القاعدة الربانية الكونية أعظم مواساة على الإطلاق للمظلومين والمستضعفين والمقهورين والمغلوبين عن أمورهم، حيث تؤازرهم على الصبر والثبات، وثوقا بحكم الله الذي يُمهل ولا يُهمل الظالم عسى أن يثوب.. حتى يأخذه أخذ عزيز مقتدر. 
وكما قال الشاعر العباسي شاعر الحكمة والموعظة الحسنة محمود الوراق:
إِنِّي شَكَــــــــــرْتُ لِظَـالِمِي ظُــــــــلْمِي     وَغَفَرْتُ ذَاكَ لَهُ عَـــلَى عِــــلْــــــمِي
وَرَأَيْــــــتُــــهُ أَسْـــــــــــــــــــــــدَى إِلَيَّ يَـــــــــــدًا      لَمَّا أَبَانَ بِـجَــــهْـــلِـــــــــــهِ حِــــــــلْــــــمِي
رَجَعَتْ إِسَاءَتُهُ عَلَيْهِ وَإِحْسَانِي      فَآبَ مُضَــــــــــــــــــاعَـــــفَ الْـجُـــــــــــــــرْمِ
وَغَــــدَوْتُ ذَا أَجْـــــــرٍ وَمَـحْمَدَةٍ       وَغَـــــدَا بِكَسْبِ الــــــــذَّمِّ وَالْإِثــْـــمِ
مَازَالَ يَظْــــــــلِـــــــمُنِي وَأَرْحَـــــــمُـــــــهُ      حَتَّى بَــــكَيْتُ لَــــهُ مِنَ الظُّــــلْــــــــــمِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق