عدالة بطعم الجبنة

*حصلت قطتان على جبنة، وذهبتا بها إلى القرد كي يقتسمها بينهما بالقسطاس، غير أن القرد قسم الجبنة قسمين أحدهما أكبر من الآخر، فوضعهما في ميزان العدالة، فرجح القسم الأكبر فقضم منه القرد جزءا بأسنانه متظاهرا بأنه يريد مساواته بالقسم الأصغر، ولما كان ما قضمه أكثر من اللازم رجح القسم الأصغر، ففعل به ما فعله بالآخر، ثم فعل بذاك ما فعله بهذا، وهكذا دواليك حتى كاد أن يأتي على الجبنة كلها، فقالت له القطتان: نحن رضينا بهذه القسمة، فأعطنا الجبنة، فقال القرد: إذا كنتما قد رضيتما فإن العدل لا يرضى، ثم ما انفك يقضم القسم الراجح منهما حتى أتى على الجبنة كلها، فرجعت القطتان خائبتين حزينتين ولسان حالهما يقول:
وَمَا مِنْ يَدٍ إِلاَّ يَدُ اللهِ فَوْقَهَا     وَلاَ ظَالِـمٌ إِلاَّ سَيُبْلَى بِأَظْــــلَــــمِ
المغزى: عندما يكون العدل بين أيادي غير أمينة يختل ميزانه حتى ولو كانت نصوصه لا تشوبها شائبة.
*كان رجل أبله يشتم رجــــــــلا حكيما ويرميه بالــــــحجارة، فناداه الحكيـم وقال له خذ هذه القروش مقابل تعبـــــــك، ليس لدي غيرها، ولكن انظر إلى ذلك الـــــــرجل الثري، لو رميته بالحجارة لنلت منه أضعــــــــــــــاف ما حصلت عليه مني، فركض الأبله إلى الرجل الغني يشتمه ويرميه بالحجارة، ولكن سرعان ما هجم عليه الخدم وضربوه ضربا مبرحا.
 المغزى: إذا لم تقدر على معاقبة من ظلمك أو أساء إليك، حاول أن تُوقِعه في حبال من يستطيع ذلك.
*بينما كان حمل يشرب من جدول، جاءه ذئب وقال له: كيف تتجرأ على تعكير الماء الذي أشرب منه؟ فأجاب الحمل كيف أعكر ماءك وهو ينحدر من الجهة التي تشرب منها أنت نحو مكاني هذا؟ فرد الذئب: وزيادة على ذلك فقد شتمتني في العام الماضي، فأجاب الحمل: كيف يكون ذلك يا سيدي، وأنا لم أولد إلا في هذه السنة ! فقال الذئب بصوت غاضب: على أية حال إن لم تكن أنت فقد شتمني أحد أقاربك، وهجم عليه وافترسه.
المغزى: قانون القوي هو الصحيح دائما وأبدا، والتاريخ كان دائما وما زال يكتبه المنتصرون، والقوانين كانت دائما وما زالت يكتبها الحكام وليس المحكومون.
*جيئ بستة عُميان أمام فيل ضخم، وطلب من كل واحد منهم أن يصف هذا الحيوان، لمس أولهم جانبه وقال إنه يشبه الجدار، ولمس الثاني أحد نابيه وقال إن هذا الحيوان أشبه بالسيف، ولمس الثالث خرطومه وقال إنه يشبه أفعى ضخمة، ولمس الرابع ساقه وقال إنه يشبه جذع شجرة، ولمس الخامس أذنه وقال إنه أشبه بالمروحة، ولمس آخرهم ذيله فقال كلا، إنه يشبه الحبل.
المغزى: لا أحد يمكنه أن يدعي أنه يملك الحقيقة المطلقة، وكل شيء في عالمنا نسبي، والناس يتصورون الحقيقة في حدودها الضيقة حسبما يمليه عليهم خيالهم وظروفهم وتجاربهم ومعتقداتهم.
*سخر أسد من ذبابة واحتقرها، فهجمت عليه تلدغه في الأماكن الحساسة، في عينيه ومنخريه وأذنيه، ولم تـُجْدِ الأسد القوي أنيابه ومخالبه نفعا مع هذه المخلوقة الضعيفة، فراح يضرب بذيله ويدور حول نفسه دون جدوى، فأعلنت الذبابة انتصارها، وراحت تنتقل مسرورة مغرورة من مكان إلى آخر، حتى وقعت في بيت عنكبوت ولقيت حتفها.
المغزى: على المرء ألا يستخف بالخصم الضعيف، وعليه أيضا أن لا يُصاب بالغرور.
*مرض الأسد فجاءته الحيوانات تتمنى له الشفاء وتقدم النصائح لعلاجه، باستثناء الثعلب الذي لم يمثل بين يديه، فقال الذئب للأسد: إني لا أرى الثعلب بين زوار ملك الغابة، وإني لأتساءل ما الذي أخره؟ فأرسل الأسد من يأتي بالثعلب، فعلم هذا الأخير أن الذئب وشى به، قدم الثعلب اعتذاره للأسد قائلا: أرجو أن يعذرني ملكنا شفاه الله، إذا تأخرت على زيارته، لقد ذهبت إلى الحج وكنت أدعو لكم بالشفاء كل يوم، وأثناء سفري التقيت بثلة من صفوة العلماء والأطباء، فأخبرتهم بمرض جلالتكم، وأشاروا بأن أفضل علاج هو أن تأكلوا لحم الذئب وترتدوا جلده ليلا وقاية من البرد، فأمر الأسد بأن يُقتل الذئب فورا لتنفيذ نصيحة الثعلب.
المغزى: السياسة حرب باردة، قد تكون عواقبها أفدح من حرب الأسلحة الساخنة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق