القانون لا يحمي المستضعفين ويحمي المستكبرين

"كم صرخنا كم اشتكينا من سمعنا من أنصفنا.. نشف المداد بحت الأصوات" ضفاف متوهجة

عرفت مدينة مراكش مع مطلع الألفية الثالثة فورة عظمى في انتشار  الخمارات والملاهي الليلية والمواخير والمركبات السياحية الغارقة في الفساد حتى النخاع، ومقاهي الشيشة التي شيشت حتى بنات المدارس والثانويات، فعوض أن تكون مدينة بحجم وتاريخ مراكش تزخر بالمكتبات والمتاحف والمركبات الثقافية والأندية الرياضية، وغيرها من المركبات السوسيوثقافية، أضحت هذه المدينة المنكوبة أخلاقيا قبلة لعشاق الانحراف والرذيلة من كل بقاع العالم، ولم يكن لهذه المدينة المغلوبة عن أمرها أن تُضحي بهذا الشكل المنحرف الفج لولا وجود لوبي فاسد متجذر ومتجبر يملي شروطه على أصحاب الوقت ويرش يمنة ويسرة باليورو والدولار لكل من يسهل له مأموريته التخريبية.
غير أن الضربة القاسمة التي قسمت ظهر مدينة يوسف بن تاشفين وأصابتها في مقتل هي دور الضيافة التي أحدثت أخطر عملية اختراق منهجية للبنيات السوسيو ثقافية المحلية في تاريخ هذه المدينة المنكوبة، وذلك بزرع جسم غريب في محيط وبيئة لا يمتان له بصلة، واختراق فج ولا أخلاقي بقوة الأموال القذرة لمجموعة من القيم الحضارية والاجتماعية الأصيلة التي ترجع إلى عدة قرون، ناهيك عما تعرفه هذه الأوكار الشيطانية من ممارسات لا أخلاقية ينذى لها الجبين، أبطالها أجانب يستغلون الفقر والحاجة والجهل -قبح الله الفقر والجهل- لفئة مفعول بها لا يُستهان بها من المراكشيين.
ولا يخفى على أي متتبع افتقار هذه الدور لإطار قانوني من حيث  الاستثمار والاستغلال ينظمها ويضبط الانفلات الكبير الذي تردح فيه منذ زمان، مما فتح الباب على مصراعيه لأنشطة وأعمال لا أخلاقية مشينة ومنحطة لم تعرفها ساكنة مدينة مراكش من ذي قبل، في قلب أحياء وأزقة ودروب ألفت السكينة والهدوء منذ القدم، حتى جاء عليها طوفان دور الضيافة المقيتة الذي تكاد تعصف بما تبقى من عبق ودفئ التراحم والتوادد وحق الجوار بين الناس.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن معظم هذه الدور تمت إعادة هيكلتها وتشييدها خارج إطار القانون وفي خرق سافر لقوانين البناء والتعمير بتواطئ مع خفافيش الظلام من السلطويين والـمُنْتَخَبِين الفاسدين الذين استغنوا بأموال الحرام، وأصبحت قفاهم كأسنمة الجمال من بعدما وصلوا إلى مراكش 'مكتفين فوق الكار كيف الدجاج' شحتا هزلا لا يملكون قطميرا، إذ كيف يعقل أن تتم تعلية جدران معظم هذه الدور حتى  تجاوزت كل السطوح المحيطة بها وأضحت تطل عليها، مما حرم على كثير من النسوة المراكشيات العفيفات الصعود إلى أسطح منازلهن نظرا لما يحدث فوق أسطح تلك الأوكار الشيطانية المقيتة من مناكر ومفاسد يخجل من ذكرها حتى إبليس اللعين.
إن أغلب دور الضيافة بمدينة مراكش، تتوفر على مقاهي وحانات إضافة لمسابيح بداخلها أو فوق السطوح تثير حفيظة سكان مراكش وتزعجهم وتحط من كرامتهم، دون نسيان طبيعة العادات الاستهلاكية التي تتم بداخل هذه الأوكار، وسط نسيج اجتماعي مراكشي محافظ لم يعتد قط على  مثل هذه التصرفات المشينة والمحطة بالكرامة المغربية، من شذوذ جنسي  وفسق وخمور ومجموعات موسيقية وليالي  حمراء  ورقص حتى ساعات متأخرة من الصباح، يعجز رجال الأمن عن ضبطها نظرا لوجود مخبرين (بركَاكَة) مدفوعي الثمن على صلة بهذه الدور أولا، ولعدم استجابة رجال الأمن عندما تكون هذه الدور في قمة نشوتها وفسقها ومجونها تحت ذريعة انتفاء سيلان دماء ثانيا.
إن مثل هذه التصرفات المشينة، تضرب بعرض الحائط كل العادات والتقاليد والأعراف المغربية العريقة في حقوق الجوار، وتجعل من أهل مراكش المغلوبين عن أمرهم غرباء في بلدهم أمام حفنة مستعلية بالأموال القذرة من حثالات ورعاع اليهود والنصارى، مدعمين من مافيات من المغاربة  من أدنياء النفوس من ذوي المصالح  الضيقة الساقطة التي ترى في هذا الاختيار، الذي فُرِضَ  على مراكش في غيبة من أهلها ورجالاتها الشرفاء الأحرار، فرصة العمر للإثراء الفاحش  وغير المشروع و بكل السبل  حتى الساقطة منها.
وأتحدى أي مسؤول أن ينزل من كرسيه العاجي ويتمشى على رجليه  يوميا في حومات مراكش ويتوغل في دروبها ويصعد إلى سطوح منازلها في كل من أحياء ودروب روض الزيتون القديم وروض الزيتون الجديد والقصبة وسيدي ميمون والقنارية والمواسين وباب دكالة على سبيل الذكر لا الحصر، ليقف على جسامة وفداحة المسخ والتشويه والفساد الكبير الذي رخص به  بعض (المسؤولين) بخصوص دور الضيافة، وطال الوجه العمراني التاريخي للمدينة القديمة عن سابق إصرار وترصد طمعا في حطام من الدنيا قليل، وإنني لأتضرع لله العلي القدير أن يقسم ظهور كل المساهمين والمتآمرين من قريب أو بعيد في تشويه الصورة الوضاءة لهذه المدينة التاريخية الصامدة،  وأن تجعل كل ما راكموه من سُحْتٍ وحرام نيِراناً تُكْوَى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم في الدنيا قبل الآخرة، وأن تجعل منهم عبرة للعالمين اللهم آمين.
 لقد كنت دائم التساءل مع نفسي لما يفرض علينا اليهود والنصارى قوانينهم في بلدانهم بصرامة عز نظيرها حتى بالنسبة لغطاء رأس من قماش لسيدة مسلمة تمشي في الشارع العام بكل أدب واحترام، بل يصل الأمر أحيانا لدرجة الاعتداء عليها كما هو موثق على الأنترنت، بينما نحن ننبطح لحثالتهم ورعاعهم على بطوننا ونسمح لهم عن طيب خاطر أن يسكروا ويعربدوا بجميع أدرانهم وقاذوراتهم على أجسادنا، أليس هذا منتهى الذل والعمالة، أو ليس هذا منتهى الخيانة لله ولرسوله المصطفى عليه الصلاة والسلام؟.
إننا بقدر ما كنا ننتظر من المجالس المتعاقبة على تدبير الشأن المحلي بمدينة مراكش  على إزالة الأوساخ عن مدينتنا، وتوفير الإنارة لأزقتنا المظلمة والعمل على توفير البنيات السوسيوثقافية وغيرها، فإننا ننتظر منها أولا وقبل كل شيء أن تضبط وتخلق المجال العمراني الذي أصبح كجمل هائج فالت من عقاله حتى تنظفه من القاذورات والطفيليات الفاسدة، وأن تضع حدا لتراخيص مقاهي الشيشة ودور الضيافة والعلب الليلية والمواخير والخمارات التي توزع يمينا وشمالا من فوق الطاولات ومن تحتها لفلان وعلان وأولاد الزنا والحرام، حتى أضحت مراكش على الوجه القبيح الممسوخ الذي نراها عليه اليوم بالرغم من كثرة الماكياجات والصبائغ والديكورات الفارغة.
كنت أظن أن دار لقمان لن تبق على حالها بعد مجيء الفريق الجديد للتسيير المحلي للمدينة، وتبين لي كما يقول المراكشيون الأحرار بأن 'الطرح كبير وسخون'، إذ لم تزدد دور الضيافة هذه إلا 'ضسارة' كما كان يقول ويحذر دائما من ذلك الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله، بحيث استمرت في توسيع ممتلكاتها باستيلائها على المزيد من دور المستضعفين بقوة الأموال القذرة وتحويلها هي الأخرى دورا 'للضسارة'، فأين هي لجن مراقبة البناء الغير قانوني وبدون ترخيص؟،  وأين هي لجن مراقبة تقديم الخمور على مدار الساعة بدون ترخيص؟، وأين هي لجن مراقبة ما يدور في هذه الدور؟ وهلم جرا، فمن يا ترى يرخص لهذه الدور بهذه الطريقة النزقة ويسمح بتوسعتها حتى خربت النسيج الاجتماعي للمدينة القديمة وحولت دروبها إلى منتجعات ونوادي ليلية وكباريهات لحثلات ورعاع اليهود والنصارى وعبيدهم 'المشرطين الأحناك' من المغاربة الذين همهم الوحيد في بطونهم وفروجهم كالأنعام بل أشد ضلالا؟؟؟؟
إن الكثير من  المشاكل العويصة التي يتخبط فيها المجتمع المغربي ناتجة عن الظلم والحُكَرة، فعندما يشعر المرء في وطنه بالاضطهاد والتبخيس من قيمته واحتقاره وتفضيل الأجانب عليه فلا يبقى أمامه سوى خياران لا ثالث لهما، إما الاستكانة والاستسلام للظالم لدرجة أن يُصبح جبانا منبطحا منافقا متلونا لا عزة ولا كرامة لديه ولا وطن يحتمي به ويدافع عنه، أو أن يُضحي عدوانيا شرسا رافضا رفضا تاما لمجتمعه وحكامه نتيجة إحساسه بالظلم والاضطهاد والحكَرة.
وكما قالت الأوائل إن الظلم والجور آفة الزمان ومحدث الحدثان، وجالب الإحن ومسبب المحن، ومحيل الأحوال، وممحق الأموال ومخلي الديار ومحي البوار، فإذا رأى الناس الظلم وسكتوا عنه ولم يضربوا على يدي الظالم بكل عزم وحزم أوشك الله أن يعمهم بالعذاب.
فإن دعتكم قدرتكم وسلطتكم أيها الظلمة الجبابرة المستبدون الفاسدون إلى ظلم واحتقار وإهانة المستضعفين من الناس فاذكروا قدرة الله عليكم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
 ضفاف متوهجة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق