الغُزَاةُ الجَفَافُ وَالسَّنَوَاتُ العِجَافُ

الغزاة ‘The invaders’ هي سلسلة  تلفزية أمريكية من أفلام الخيال العلمي، متكونة من 43 حلقة، مدة كل واحد منها  48 دقيقة تقريبا، تم إنجازها من طرف المخرج الأمريكي 'لاري كوهين' ‘Larry Cohen’ ، وقام بدور البطولة فيها الممثل الأمريكي 'روي تنيس'  ‘Roy Thinnes’، وقد تم بث حلقاتها على مدى سنتين من 1967 حتى  1968 من طرف هيئة الإذاعة الأمريكية (American Broadcasting Company : ABC).
 تتطرق السلسلة كما يـُحيل إلى ذلك عنوانها إلى غزو كوكب الأرض من طرف مخلوقات فضائية قادمة من خارجه لاستعماره والقضاء على ساكنته، وتتوفر هذه المخلوقات على تكنولوجيا جد متقدمة مقارنة بتكنولوجيا الأرضيين، غير أن نقطة ضعفها تكمن في  مظهرها الخارجي -المتقمص تماما لمظهر بني البشر-  الغير مستقر والمعرض للاندثار في حالة عدم إعادة تعبئة أجسادها بالطاقة اللازمة.
ذكرني هذا الفيلم بما يحدث حاليا على كوكب الأرض المزغوب من ازدياد في أعداد البشر الذين أضحوا يشكلون خطرا محذقا  وتهديدا حقيقيا للحياة البرية والنباتية الأرضية،  من خلال إقدام البشر على إزالة الغابات لإقامة المزارع والمدن والطرق السيارة والسدود والمركبات الخرسانية الكبرى،  ومن خلال تجاوزاته المتعددة في الصيد الجائر والمذابح الجماعية المروعة برا وبحرا وجوا المرتكبة بحق باقي المخلوقات الأخرى الغير بشرية، ومن خلال أنانيته الخرقاء التي رفعت لنسبة التلوث عبر العالم لمستويات قياسية جد خطيرة، وإخراجه للمناخ الأرضي عن جادة الصواب لدرجة أن الفصول الأربعة تقلصت إلى فصلين لا غير: شتاء جد قصير بأمطار طوفانية وفيضانات مروعة ومدمرة، وصيف جهنمي حارق وطويل.
وخلال العقدين الماضيين أي ما بين عام 1996 و2015، بلغت التكلفة المادية للكوارث الطبيعية قرابة 2 500 مليار دولار بحسب تقديرات الوكالات الدولية المتخصصة، شكلت فيها الأعاصير والفيضانات ما نسبته 63  % أي ما كلفته  1 672مليار دولار.
وقد حذر تقرير  أعدته أواخر سنة 2016 جمعية علم الحيوان في لندن والصندوق العالمي للطبيعة بأن الحيوانات تتعرض لعمليات صيد جائر وتدمير بيئات تلك الحيوانات لأغراض الزراعة غير المستدامة والتعدين وغيرها من الأنشطة البشرية في جميع أنحاء العالم، من الجبال إلى الغابات والبحار والأنهار، وأن التغير المناخي والتأثير البشري يهدد بالانهيار التام للحياة البرية على الأرض، وأفاد الصندوق  أنه نتيجة لهذه الأنشطة البشرية على الكوكب تراجع مؤشر وفرة التنوع البيولوجي بنسبة 58 % خلال الفترة الممتدة من عام 1970 حتى عام 2012، وأضاف الصندوق أنه من المرجح  أن يصل تراجع هذا المؤشر إلى 67 % بحلول عام 2020 في ضوء الاستهتار البشري الحالي.
إن مدى الخراب الذي أحدتثه الأنشطة البشرية في الأركان الأربعة من المعمور، توضح بجلاء على أن تحقيق النمو الاقتصادي بلا حدود عن طريق العلوم والتكنلوجيا في عالم محدود الموارد الطبيعية وذو بيئة جد رهيفة وحساسة ليس شيئا منطقيا ولا أخلاقيا، بل هو مشروع مآله الفشل بكل تأكيد، بالرغم من إصرار الشركات المتعددة الجنسيات والأوليغارشية المتاجرة في الغذاء والدواء والأسلحة والوقود الأحفوري وغيرها لإثبات عكس ذلك من خلال إرشاء الحكومات الفاسدة ومعاهد البحث العلمي المستأجرة، هذه الأوليغارشية العديمة الذمة والضمير التي تهيمن على كل وسائل الاتصال السمعية والبصرية العصرية، وتسخرها بكفاءة عالية لتضبيع البشرية وتحويلها إلى فئران تجارب ورهائن للاستهلاك الذي أضحى لديها الهدف الأسمى في الحياة.
إن المجتمعات الاستهلاكية هي مجتمعات مفككة الأوصال مقطعة الأرحام مغيبة العقول بلا ضمير ولا قيم، لا يسود فيها إلى رنين النقود والذهب، لذا لم يعد من المستغرب أن يُضحي 38 % من سكان الصين يستنشقون هواء فاسدا وملوثا يتسبب في مقتل  4 000 شخص يوميا أي ما يناهز 1,60 مليون سنويا، وهو ما يمثل 17 % مجموع الوفيات بالصين سنويا حسب ما أعلنته مجموعة بيركلي الأرض بكاليفورنيا، كل ذلك من أجل عيون التصنيع المتزايد.
ولم يعد من المستغرب، لأجل استخراج غرام واحد من الذهب، أن يلقي المنقبون عن هذا المعدن الأصفر الثمين غرامين من الزئبق القاتل والعالي السمية في البيئة الطبيعية، ويتسببون في تسميم ما بين 10 إلى 15 مليون شخص سنويا ممن يشتغلون في هذه المقاولات الأنارشية الصغرى، إضافة للآثار التسممية المدمرة التي يتركها الزئبق على صحة 600 000  طفل و 4,50 مليون امرأة من الناجين من الموت السريع والساقطين بين أحضان الموت البطيء.
ولم يعد من المستغرب أن يصبح 80 % من الغطاء الغابوي العالمي مدمرا  أو متدهورا بشكل كبير خصوصا خلال الثلاثين سنة الأخيرة بسبب الاستغلالات المنجمية للبحث عن المعادن الثمينة مثل الذهب والكوبالت والنيكل والأحجار الكريمة، والتنقيب المحموم عن الدماء التي تضخ الحياة في الشرايين المتصلبة للحضارة المعاصرة، والتي بدونها سوف تتوقف دورتها وتصاب بالشلل التام وتدخل في مرحلة الاحتضار وأعني بذلك النفط.
ولم يعد من المستغرب اجتثتات غابات الأمازون وتحويلها إلى أراضي فلاحية لإنتاج فول الصويا قصد تلبية حاجيات حيوانات أوروبا المريضة التي أنهكها وباء جنون البقر الناجم عن الغش والجشع اللذان يسريان في دم الرجل الأبيض منذ الأزل من أجل الربح السريع، وتلبية لحاجيات شركاته الأخطبوطية للمنتجات الغذائية الصناعية.
ولم يعد من المستغرب في أن تحول إندونيسيا وماليزيا غاباتهما إلى أراضي زراعية لإنتاج زيوت النخيل تلبية لحاجيات المنتجات الغذائية ومستحضرات التجميل وبدرجة أكبر تلبية للحاجيات المتزايدة من أجل إنتاج الوقود الحيوي تعويضا للوقود الأحفوري حتى تبقى أوروبا نقية نظيفة.
ولم يعد من المستغرب أن يشعل تجار الأسلحة من الأوليغارشية حروبا في بلدان تجمعها اللغة والدين والمصير الواحد وتبعد عنها بآلاف الكيلومترات، ليسقط الملايين من المستضعفين الأبرياء ضحايا لسبب واحد ووحيد هو أنهم لم يخلقوا بعيون زرق وشعر أشقر.
وليس يعد من المستغرب أن تكتشف وكالة ناسا الأمريكية ذوبانا خطيرا في الجليد البحري الدائم بالقطب الشمالي، وهو الجليد الذي يتبقى بعد حالة الذوبان التي تحدث في فصل الصيف، فخلال 32 سنة من 1984 حتى سنة 2016 انخفض الجليد البحري الدائم بشكل رهيب من 2.1 مليون كيلومتر مربع إلى 211 ألف كيلو متر مربع فقط.
ولم يعد من المستغرب أن يسمع المرء هذه الأوليغارشية المقيتة وهي تنتحب باكية وتدرف دموع التماسيح على كوكبنا المريض، وتدعو ناصحة إلى التخلص من 95 % من سكان الأرض حتى يسترجع الكوكب عافيته وتوازنه.
فإن لم يتم تدمير كوكب الأرض من طرف الغزاة ‘The invaders’ كما جاء في السلسلة  التلفزية الأمريكية من أفلام الخيال العلمي السالفة الذكر، أو كما  تنبأ مؤخرا الرئيس الأمريكي باراك أوباما عندما راسل محذرا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من احتمال جدي لوقوع هجوم على كوكب الأرض من طرف كائنات فضائية سنة 2017 حسب ما جاء على موقع سبوتنيك الروسي،  فلا شك أن تدمير الحياة والتنوع البيولوجي على هذا الكوكب المتداعي سوف  يتم عاجلا أم آجلا بواسطة الهوموسابيينس ولا أحدا غيره. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق