كنت أظن...وأدركت أخيرا

كنت أظن أن البحث عن الحقيقة يقود المرء نحو الكمال والخروج من الظلمات إلى النور، وأدركت أخيرا أن الحقيقة ليست إلا مجرد وهم من الأوهام أو عبارة عن دخان يرتفع فينتشر وما يلبث أن يتلاشى، ومع ذلك لذي حدس بأن الحقيقة قد توجد في أي مكان من الكون باستثناء الأرض.
كنت أظن أن حب المجد والخشية من العار، والسعي نحو الثروة للاستمتاع بالحياة هي رغبة جامحة في جميع البشر، وأدركت أخيرا أن ذلك لا يتم إلا من خلال تحطيم الآخرين والدوس على كرامتهم وسحقهم سحقا.
كنت أظن أن شرف النساء والرجال على حد سواء شيء غال وثمين، لا يمكن بيعه أو شراؤه، وأدركت أخيرا أن ذلكم الشرف ليس إلا فنا من فنون المظاهر التقمصية الخادعة للتغطية عن عمليات البيع والشراء التي تتم في السوق السوداء عندما يسود الظلام ولا يعود المرء يميز ما بين حمو وأمينة.
كنت أظن أن الشعب يحب البساطة والأمور الصحيحة والمفيدة، وأدركت بعد فوات الأوان أنه لا يحب إلا الفسدة والمنحرفين والمنحطين والدجالين وكل ما يخترعونه له من فن مائع، ومرح تافه، وضحك على الذقون، ولهو ساقط، وتسلية إباحية، لتغييب عقله وإفساد خلقه وفصله عن أمته.
كنت أظن أن الحياة جميلة وسهلة ومرحة ويجب أخذها برفق وأناة، وأدركت من بعدما مشيت في دروبها الصعبة المتشعبة ردحا من الزمن أنها مغامرة فظيعة، أسير فيها وحدي، وخلال ذلك تنتابني وساوس أن هناك من يرافقني بعض الأحيان خلال فترات متقطعة كان يمتصني فيها كما وكيفا ويرمي بي  في الأخير كبقايا سيجارة تم استهلاكها.
كنت أظن أن الحياة طويلة ويمكن للمرء أن يعمل فيها الكثير تلو الكثير، وأدركت أنها ليست إلا مجموعة من العمليات الفيزيولوجية المعقدة التي تقاوم الموت، وأن هذه الحياة بالضبط لا تُتيح للمرء حتى الوقت لعد الأرقام  من واحد حتى عشرة. 
كنت أظن أن أكثر الناس هم شُرفاء وأوفياء وصادقون، وأدركت أخيرا أن تلكم صفات من أخلاق الملائكة، وأن البشر من طبعهم الجحود والنفاق والتباهي، وكلهم سواسية يخرون في سراويلهم عند ذكر الموت، ويبيعون هذه السراويل وما تحتها بدريهمات معدودات، ويرهنون ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم بثمن رخيص لشراء الجنس الذي يسكنهم مثل جنية بسبعة رؤوس، كلما قَطَعْتَ لها رأسا نبت رأس آخر مكانه.
كنت أظن أن الوطن يسع الجميع ويحفظ كرامة الجميع، وأن العدالة تسري على الجميع بالتساوي، وأدركت بعد طول ملاحظة وتتبع دقيق لمجريات الأحداث والأمور أن الوطن لا يسع إلا فئة قليلة من المستفيدين وشرذمة من الإنتهازيين الذين هم في فلك هؤلاء يسبحون، وأن حبل العدالة  الطويل لا يلتف غالبا إلا حول أعناق المستضعفين الذين ليست لديهم سكاكين حادة لقطع دبر هذا العدل المكيل بمكاييل مختلفة على حسب قيمة الدفع.
كنت أظن أن السعادة شيء حقيقي يمكن للمرء أن يحققه، فأدركت أنها ليست إلا مجرمة خطيرة تُوهم المغفلين من الناس لتسقطهم في التعاسة والبؤس والشقاء، وأدركت أن العمل والتعب والعرق والألم والمعاناة هي الوحيدة التي تجعل للحياة معنى  وذوقا فريدا كي تزرع فينا الحماس والعزيمة الصلبة للتشبت بها حتى آخر رمق.
كنت أظن أن كثرة الأصدقاء تجلب الشعور بالدفئ والطمأنينة والأمان الاجتماعي، فأدركت متأخرا أنها لا تجلب عادة سوى المشاكل التي تنتهي غالبا بالأحقاد والعداوات، وأن من يحاول مصادقة الجميع ينتهي به المطاف وحيدا متحسرا يحدث نفسه كصديق لها، أو كما يبدو للناس مجرد أحمق يحدث نفسه 'الله يستر'  كما يرددون.
كنت أظن أن المجتمع الفاسد يتهاوى بسرعة مثلما تتهاوى عمارة من عدة طوابق كي تستوي بالأرض، فأدركت بعد طول ملاحظة ومتابعة عن كثب  أن المجتمع الفاسد يدخله السوس ليعمل فيه على مر السنين كي يفرغه من لبه ومادته الغالية التي لا تقدر بثمن، وفي الأخير لا يتبقى إلا القشرة المتآكلة المتداعية المطلية بجميع ألوان الصباغة للتغطية على العيوب الصارخة، يكفي فقط أن يُدخل أحدهم أصبعه في القشرة المسوسة المتهالكة ليتداعى المجتمع برمته.
كنت أظن أن الترقي الاجتماعي وحصد الأموال والتباهي بالدبلومات الجامعية هي غاية الغايات وأرفع المنشودات، وأدركت أخيرا أن الحياة بدون عز وكرامة لا تُسْتَحق قط أن تُعاش، وأن المرء خير له أن يكون ميتا وهو رميم تحت التراب من أن يحصل على جميع أموال الدنيا  وشواهدها ودبلوماتها وهو ذليل مهدور ومسلوب الكرامة.
 كنت أظن أن الحب - خلينا من حب الأكاذيب والأراجيف للأفلام والمسلسلات- هذه النفحة الربانية النورانية هي التي تحرك كل شيء في هذا العالم، وأدركت بعد عناء طويل وتجارب مريرة أن معظم البشر لا يواظبون إلا على ممارسة الجنس بطريقة غريزية كمثل أية بهيمة بكماء من البهائم، ويشدون عليها بالنواجذ، أما الحب بمعناه العلوي -فعلى مر التاريخ البشري برمته- لم تعرفه إلا قلة قليلة من ذوي القلوب الطاهرة الصافية الروحانية الربانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق