الحُكَرة أو التمادي في الإهانة

لَقَدْ أَسْـمَعْـــــتَ لَوْ نَادَيْتَ حَـــــــــــــيّاً     وَلَكِنْ لاَ حَــــــــــــيَاةَ لِـمَنْ تُــــــــــــــنَادِي
                                                                                           بشارة بن عبدالرحمن الخاقاني
بلغ إلى علمي أن دركيا يعمل  بالمركز الترابي للدرك الملكي بعرباوة ضواحي سوق أربعاء الغرب التابع لإقليم القنيطرة جهة الشراردة بني حسين، قد أقدم على قتل رئيسه في العمل بإفراغ خمس رصاصات من سلاحه الوظيفي في جسده، ويعود السبب حسب يومية الصباح إلى إصدار الهالك للدركي الموقوف أوامر قصد تزوير محاضر أبحاث تمهيدية لفائدة أحد معارفه، ولما رفض الدركي تزوير المحاضر، تمادى المسؤول في إهانته أمام زملائه والتضييق عليه، مما دفع بالدركي إلى الثورة عليه وإرساله إلى الآخرة دون تردد.
ويعتبر هذا شكل من أشكال الحُكَرة (تُنطق الكاف كنطق الجيم عند المصريين)، الذي هو مصطلح عامي متداول بشكل كبير بين الفئات المستضعفة من شعوب المغرب العربي (موريتانيا، المغرب، الجزائر، تونس وليبيا)، وهي مشتقة من اللغة العربية الفصحى من حَقَـرَ يـَحْقِرُ حَـقْراً وَحُقْرَةً الشيء أو الشخص أي استصغر من شأنه واستهان به وحط من قدره وعامله بازدراء واحتقار ماديا ومعنويا.
 وكما ينطبق هذا المصطلح على الأشخاص فهو أيضا ينطبق على الأمم والشعوب والدول، وخير دليل على ذلك في العصر الخبيث وليس الحديث هو تعامل الدول الإمبريالية المستعلية في الأرض بعجرفة وخيلاء واستكبار لا سابق له في التاريخ مع الدول الصغيرة الضعيفة التي لا حول ولا قوة لها أمام القوة التدميرية العسكرية للمستكبرين في الأرض.
وإذا نظر المرء العاقل بتمعن إلى العنف والعنف المضاد والحقد والكراهية  والقلاقل والتوثرات والعداوات المتفشية في المجتمعات الحديثة سواء بين الأفراد أو الدول أو الفرق أو المذاهب أو القبائل لوجد أن أسبابها تعود بالدرجة الأولى إلى الحُكْرة المتمثلة في التمادي وتعمد الإهانة المادية والمعنوية واحتقار البعض للبعض الآخر أكثر من أي شيء آخر في الوجود.
فعلى المستوى العالمي تتجلى الحُكْرة بأشكال مختلفة من ظلم وجور وعدم مساواة في أبشع صورها في النظام الاقتصادي العالمي الحالي المرتكز على نظام السوق والنظام النقدي المبني على اللصوصية وغياب العدالة الاجتماعية، حيث يُقسم الناس إلى فئتين:  المترفون والفقراء، الأولون يتقاضون أضعاف أضعاف أضعاف أضعاف ما يعملون والآخرون يعملون أضعاف أضعاف أضعاف  أضعاف ما يتقاضون، وهذا النظام الظالم الجائر  يعتبر في حد ذاته  أعظم كارثة حلت بالعالم ، وهو وصمة عار في جبين البشرية، لأنه نظام غاشم مبني على الخداع والتزوير والغش والاستحواذ واللصوصية في وضح النهار لحقوق المستضعفين بدون وجه حق. 
إن إعطاء الأسبقية والأفضلية في كل شيء في الوطن العربي للغرباء من يهود ونصارى وموالين لهم من الخونة من المترفين المتغربين مع وجود فوارق طبقية صارخة وظالمة يُغذيها كما تُغَذّى النار بالوقود عدم اكتراث (المسؤولين) بأبناء 'الوطن' واستحقارهم لهم وعدم الإنصات لشكاويهم وتظلماتهم، في حين تراهم يتقافزون ويتدافعون كالفئران المذعورة للإنحاء لليهود والنصارى، يعد لعمري من أخطر وأفظع أنواع الحُكْرة، وهذا الجو الغير صحي السائد في كل أرجاء الوطن العربي يثبط الهمم ويقتل روح 'المواطنة' ويرديها على الفور، ولا يبقى في الإنسان من إنسانيته شيء يذكر غير الحقد والكراهية والانتقام، ف'المواطن' الذي يشعر بنفسه مهانا مهدور الكرامة في 'وطنه' لا يمكنه أن يسكب عليه ولو دمعة واحدة ولو ذهب كل الوطن إلى الجحيم، بل قد يصل به التذمر والحقد والكراهية إلى درجة تخريب أي 'ممتلكة عمومية' يجدها في طريقه بمجرد ما يتوارى عن الأنظار، ولعل الدليل الذي  يبدو أكثر وضوحا لدرجة غشيه للأبصار  هو وضع الجيوش العربية المنهارة مع كل ما تمتلكه من ترسانة الأسلحة، ولقد شاهدت في عدة برامج توثيقية غربية وعربية كيف انهار الجيش العراقي الذي كنت أعتبره شخصيا تاجا على رؤوس العرب ومفخرة لهم، ولقد حزنت  يومها  حزنا عظيما عندما رأيت ما فعله به الأمريكان والصليبيون والصهاينة والعربان المخنثون، وما زلت إلى يومنا هذا أعتبر هذه الكارثة لغزا محيرا، وشاهدت ما حل بالجيش الليبي الذي انهار بسرعة وكأنه قطعة من الكارطون وبطريقة غريبة، باستثناء ثلة قليلة بقيت تقاتل مع القائد معمر القذافي إلى آخر رمق حتى قصفتهم وشتت شملهم الطائرات الفرنسية والأمريكية، أما الجيش السوري فما زال صامدا وملتفا حول قيادته الشجاعة رغم أنهار الدماء التي سالت ورغم الخراب الكبير الذي حل بالبلد.
ويُستنتج مما سلف أن أي بلد في العالم لا يحترم مواطنيه ويكرمهم كما كرمهم الله تعالى، وليس التكريم الذي يبتغيه الماسونيون الأشرار، ليعيشوا أحرارا متساوين تحت الشمس لا يمكنه البتة الاعتماد على جيش جل أفراده ينتمون لمواطنين محكَورين ومضطهدين ومنبوذين في أوطانهم، ولا يملك أغلبهم حتى حفرة كي توارى فيها سوأته تحت التراب عند مغادرته هذا العالم الخبيث والظالم القاسي.
أما على مستوى الوطن العربي، فيكفي المرء أن يلقي نظرة عن الحروب والنعرات وإراقة الدماء المشتعلة حاليا في كل أرجاء هذا الوطن من ليبيا غربا حتى سوريا شرقا بين أبناءه من المسلمين والعرب، كي يستيقن تماما أن كل ذلك راجع بالأساس إلى الحُكْرة، ولو تخلت الأطراف المتنازعة عن أنانيتها الخرقاء في الاستفراد بالسلطة والاستحواذ على أموال المستضعفين، دون إقصاء أي طرف من السلطة أو إخضاعه بالإكراه وأقصى درجات الإهانة المتعمدة من قتل وتشريد وهتك للأعراض، ولو سلك كل طرف طريق 'ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن' لنزل ذلك بردا وسلاما على جميع أرجاء الوطن العربي، وفوت الفرصة على الصليبيين واليهود المتربصين بديننا الإسلامي العظيم،  ولـحُلّت كل المشاكل التي يتخبط فيها الوطن العربي حاليا من تلقاء نفسها بعد ذلك تباعا بدون أمم شاذة عفوا متحدة ولا أمنيستي أنترناشيونال ولا محكمة الجنايات الدولية ولا هم يحزنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق