الفرنكفونية الاستعمارية العلمانية وأثرها الكارثي على التعليم بالمغرب

"الذي حدث في المغرب على شاطئ الأطلسي صورة تشبه ما حدث في كل الدول الإسلامية حتى شاطئ المحيطين الهندي والهادي، لقد خرج الاستعمار العسكري تاركا وراءه خطة دقيقة لإقصاء الإسلام عن ميادين الحياة العامة جمعاء، فالدولة لا تَأْذَنُ لشريعته بدخول المحاكم، ولا لِفِقْهِهِ وَتَرْبِيَّتِهِ بدخول المدارس، ولا لِصِبْغَتِهِ وشِعَارَاتِهِ بالظهور في اتجاهاتها الداخلية والخارجية، والتقاليد في البيت والشارع لا تلتفت لِحَلاَلِهِ، ولا لِحَرَامِهِ، ولا تَكْتَرِثُ بِفَرَائِضِهِ أو نَوَافِلِهِ!!"العلامة إدريس الكتاني
"إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا معرفة لغتهم، ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بَلْ ِفي رُجُولَتهِمْ نَقْصٌ كَبِيرٌ وَمُهِينٌ أيضاً."طه حسين
حدثنا في أيام الله السالفة العلامة الدكتور إدريس الكتاني رئيس نادي الفكر الإسلامي حفظه الله من خلال الحوار التالي الذي أجرته معه جريدة الصحوة وتم نشره في عددها 61 في شهر أكتوبر 1997، حيث قام بفضح نوايا الفرنسيس البغيضة في فرنسة الشعب المغربي لعزله عن محيطه العربي الإسلامي، وقتل روح الابتكار وسعة الفكر وقوة الشخصية فيه، حتى يبقى جرما ذيليا ذليلا تابعا لفرنسا، لا عزة ولا كرامة له، ولا يمتلك القدرة على اتخاذ المبادرة والمغامرة وتحمل جميع مسؤوليته وحده كوطن راشد برجالاته الوطنيين الأكفاء وعلماءه الغيورين الأحرار دون وصاية أحد، ونظرا لخطورة ما يحوكه جهابدة المكر والغدر والدسائس من الفرنسيس منذ 1912 إلى يومنا هذا، وما لذلك من خطورة كبيرة على مستقبل التحصيل العلمي والاستقلال التربوي الفعلي والحقيقي لبلدنا، يسر ضفاف متوهجة أن تنشر نص الحوار كما جاء في جريدة الصحوة دون تغيير أو حذف أو نقصان تعميما للفائدة وامتثالا لقول الله عز وجل:"وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين" الذاريات 55:
سؤال الصحوة: يتصاعد الحديث منذ سنوات حول أزمة التعليم ببلادنا دون أن تلوح في الأفق أي مبادرة جادة للخروج من هذا النفق، كيف يرى الدكتور إدريس الكتاني معالم هذه الأزمة؟
جواب الدكتور إدريس الكتاني: بدأت هذه الأزمة مع بداية عهد الاستقلال سنة 1956، كما يعرف جميع الذين عاصروها من علماء المغرب ومثقفيه، ومن السياسيين الوطنيين، الذين ما زالوا على قيد الحياة، ووصف مدلولها بالأزمة، هو وصف تضليلي أشبه شيء ب "أزمة الفكر العربي" و "أزمة السلام" للتقليل من خطورتها، وتهوين أمرها على الشعوب، مثلما وصف عبدالناصر هزيمة 5 يونيو 1967 بأنها "نكسة"، وما هي بأزمة ولكنها "كارثة"، ذلك أن الشعب المغربي الذي أدرك خلال 44 سنة من عهد الاستعمار الفرنسي –الصليبي- أن سياسة التعليم المفروضة عليه ليس لها إلا هدف واحد فرنسة الأجيال المغربية الناشئة، وفصلها نهائيا عن دينها ولغتها وحضارتها، وهذا ما دفع الوطنيين الغيورين من الشعب لتأسيس مدارس عربية إسلامية حرة في الدور والزوايا، قبل أن يتمكنوا من بناء مدارس حرة عصرية كرد فعل ضد النظام التعليمي الاستعماري الخاص بطبقة "أبناء الأعيان".
وكان المفروض بعد إعلان الاستقلال، وحتى سنة 1960، أن تقوم الحكومات الوطنية بإلغاء هذا النظام، ووضع مناهج تتطابق مع "المدرسة المغربية العربية الإسلامية" التي كان يجب أن تحل محل "المدرسة الاستعمارية الفرنسية"، لكن هذا لم يحدث، رغم جميع الجهود التي قام بها العلماء ورجال التعليم والأحزاب الوطنية، وكان واضحا للجميع يومئذ، أن النفوذ الاستعماري لم يتوقف، ولم يضعف في عهد الاستقلال وأنه غير فقط أسلوب عمله.
وتحت شعار (التعاون الفني والإداري) أصبحت له السيطرة الكاملة على كل "المؤسسات"، وهكذا أصبحت المعاهد والكليات ونظمها التربوية خاضعة لمثيلاتها الوصية عليها فرنسا، ولإحكام القبضة الاسستعمارية الفرنسية على سياسة التعليم المغربية، أسست فرنسا في الستينات ما سمته "جمعية الجامعات الناطقة كليا أو جزئيا باللغة الفرنسية"، ورشحت لرئاستها وزير التعليم المغربي، الذي لم ير في هذا المنصب وجمعيته (الفرنكفونية) أي تناقض مع سياسة حزبه الداعية إلى "تعريب التعليم"، ولا تزال هذه "المؤسسة الفرنكفونية" تعقد المؤتمرات، وتخطط للمزيد من فرنسة (شعوب المستعمرات الفرنسية السابقة) وفي طليعتها شعوب المغرب العربي الإسلامي.
ولا يخفى على أحد أن الغزو اللغوي والثقافي هو أخطر العمليات الاستعمارية لاحتواء الشعوب، والقضاء على هوياتها الثقافية والحضارية، ومحاولة إدماجها سياسيا واقتصاديا في خريطة الدولة الغازية، ومع الأسف الشديد فإن أقطار المغرب العربي الإسلامي، ذات التاريخ المجيد، سقطت في هوة هذا الغزو اللغوي، بكل مضاعفاته الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبعد أربعين عاما من استقلال هذه الشعوب، في ظل التبعية المطلقة، والخضوع المطلق، لهذا الغزو، الذي استوطن البلاد، وسكن المؤسسات، واحتل العقول، وغمر الأحزاب، واستهوى الأميين المتفرنسين، أصبح أشبه شيء (بالاستيطاني الصهيوني) في فلسطين، ذاك (استيطان بشري) هدفه احتلال الأرض، وهذا "استيطان فكري" هدفه غزو العقول، كلاهما يمثل عدوان دولة قوية على دولة ضعيفة، اليهود كانوا بحاجة إلى الأرض، وفرنسا كانت بحاجة إلى تعويض واستعادة امبراطوريتها السابقة، ولأن العرب يعيشون (عصر انحطاطهم وسقوطهم) الذي لم يتقدم له مثيل في التاريخ، خضعت أراضيهم وعقولهم لغزو الاستعمار الصهيوني والفرنسي، دون أن يكتشفوا أو يحاولوا معرفة أسباب هذا الانحطاط.
أظن أنك الآن تتفق معي بأن سياسة التعليم الاستعمارية المفروضة على الشعب المغربي ليست مجرد "أزمة" عابرة، بل هي كارثة تاريخية حولت المغرب إلى مُسْتَعْمَرَةٍ لغوية-ثقافية ضمن رابطة الدول الفرنكفونية الفرنسية.
سؤال الصحوة: عرفت بلادنا منذ الاستقلال صراعا حادا، ما زال مستمرا حتى اليوم، حول مقومات البلد الثقافية واللغوية، وقد جاءت مبادرتكم بتوقيع عرائض حول التعريب، إلى جانب المئات من العلماء والمفكرين والسياسيين المغاربة في هذا الإطار، هلا حدثتمونا عن ظروف تلك العرائض، وهل اسْتُجِيبَ لمطلبها أم لا؟
جواب: قمت بهذه المبادرة سنة 1970 في لحظة "اليأس" من قدرة الأحزاب الوطنية والعلماء ورجال التعليم ونخبة المثقفين على وضع حد لسياسة فرنسة الشعب المغربي، عن طريق ازدواجية لغة التعليم ولغة الإدارة ولغة الإعلام، وإجماع الشعب المغربي على أنها سياسة استعمارية عدوانية تقوم على استمرار وترسيخ الوجود الفرنسي بالمغرب، واستئصال الثقافة الإسلامية واللغة العربية والشخصية الحضارية الوطنية للشعب المغربي، وبعد مرور عشر سنوات (1960-1970) بكل وسائل الاحتجاج والمظاهرات والإضرابات، لم يكن (رد فعل) الحكومات المتعاقبة، خاصة وزارة التعليم، التي لا حول لها ولا قوة، إلا المزيد من القمع والاضطهاد والطرد، فضلا عن تصفية وزارة التعليم من العناصر الوطنية المؤيدة للتعريب.
وتمثل هذا "اليأس" عندي في مؤتمر حكومي انعقد في إفران أوائل سنة 1970، أكد ازدواجية لغة التعليم وهاجم قضية التعريب الفاشلة؟! ورفع من شأن ومعنوية أنصار اللغات "الحية" وخاصة الفرنسية، على اعتبار أن اللغة العربية لم تعد تضمن للإنسان حق العمل ولا "تغنيه من جوع"؟! لكن "يأسي"هذا لم يكن سلبيا، فقد خرجت من المؤتمر في حالة انفعال قوي، وعدت إلى الرباط وأنا أفكر في "رد الفعل" والتحق بي للمنزل صديقي العلامة الأستاذ محمد بن عبدالله مؤسس مدرسة ابن غازي وغيرها من المدارس الحرة بفاس وعرضت عليه فكرة (البيان التاريخي من مثقفي المغرب حول سياسة التعليم والغزو اللغوي الاستعماري للمغرب العربي) على أن يوقعه 500 من الشخصيات المغربية، في طليعتهم كبار العلماء، وقادة الأحزاب الوطنية، ونقابات العمال، واتحادات الطلاب، والأساتذة والمثقفون الأحرار الذين يمثلون الشعب المغربي خير تمثيل، ليظل خير شهادة تاريخية لإدانة السياسة الاستعمارية في التعليم التي لا هدف لها إلا فرنسة الشعب المغربي، وتدمير جميع مكونات شخصيته الدينية والثقافية والتاريخية، وطلبت من هذا العالم الغيور أن يختار لنا شخصا ثالثا تكتمل به "لجنة البيان" الثلاثية فاقترح الأستاذ محمد الجواد  الصقلي عميد كلية الشريعة بفاس، وهو من خيرة العلماء، وأستاذي سابقا بجامعة القرويين، وبعد أن حررت صيغة البيان اقترحت أن يكتبه الأستاذ الصقلي بخط يده الجميل باعتباره شيخ علماء الشريعة، وعميد كليتها الرسمي، في حدث تاريخي يهم مستقبل المغرب كهذا، وهكذا عممنا نسخ (البيان) على أهم المدن المغربية لتوقيعها، وتوليت بنفسي مهمة الاتصال بزعماء الأحزاب السياسية وكبار العلماء والشخصيات الثقافية فلم يتردد أي منهم في التوقيع، وقال لي المرحوم الأستاذ علال الفاسي كان المفروض أن يقوم حزب الاستقلال  بهذه البادرة، وحيث قمت بها، مشكورا، نيابة عنا جميعا فسأحمل العريضة إلى المجلس الوطني للحزب الذي سينعقد بعد أيام، ليوقعها جميع الأعضاء، وفعلا أعاد إلي العريضة موقعة من طرفهم، وانتهزت فرصة انعقاد (مجلس جامعة محمد الخامس) بالرباط، وكان يومئذ يضم نحو ثلاثين عضوا من الاشتراكيين والشيوعيين ذوي النفوذ الكبير في أحزابهم وعلى كليات الجامعة، وفي ختام الجلسة قلت لهم: لدي بيان هام أرجو الاستماع إليه، وبعد تلاوته مباشرة وقفت وطلبت منهم توقيعه (واحدا بعد الآخر)، بادئا بأول الصف إلى نهايته في لحظة صمت، ودون أدنى اعتراض أو مناقشة، وبعد مغادرة القاعة، قال لي الأستاذ محمد بن البشير الكاتب العام لهذا المجلس، عميد كلية الاداب، وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال: لقد رأيت اليوم عجبا، كنت أفكر في مثل المبادرة، وأعتبرها مغامرة فاشلة، وها أنت قد حققت المستحيل جزاك الله خيرا.
كنت أعلم أن النفوذ الاستعماري المعزز بالجيل المتفرنس القابض على زمام السلطة، لن يتخلى عن سياسته هذه رغم نشر هذا البيان في جريدة العلم لسان حزب الاستقلال، وهو الحزب الوحيد الذي التزم بالدفاع عن التعريب واللغة العربية رسميا بفضل زعامته الدينية المتمثلة يومئذ في شخص زعيمه المرحوم الأستاذ علال الفاسي، كان هدفي الأساسي أن يصبح (البيان) وثيقة تاريخية دامغة بيد الجيل المقبل القادر على التغيير، ولذلك قمت بطبعه مع التعريف بالشخصيات الخمسمائة الموقعة عليه، ومع مقدمة عن تاريخ المحاولات الاستعمارية لفرنسة الدول العربية والأفريقية استنادا إلى ما كتبه الباحث الفرنسي (بيير بورني)  في كتابه "اللغات الدولية"، والذي اعترف فيه قائلا:"إن إمكانياتنا الفرنسية في أفريقيا عظيمة، فالفرنسية تحاول أن تصبح شيئا فشيئا اللغة المشتركة لستين مليونا من الأفارقة، إن الاستعمار الفرنسي غرس لغتنا في أفريقيا".
لقد نجحت سياسة الفرنسة في التعليم والثقافة والإعلام في استئصال قيم الغيرة على الدين والإخلاص، والوطنية الصادقة، وخلقت إنسانا مغربيا فاقدا لهويته التاريخية الحضارية، ليست له قضية يومن بها، ويدافع عنها، قضيته الوحيدة، حياته المادية.
سؤال: وقعتم مؤخرا مع مجموعة من الفعاليات الوطنية والسياسية والفكرية رسالة مفتوحة، حول قضية (المسالك المزدوجة) المزمع البدء بتطبيقها خلال هذا الموسم الدراسي، ما هي في نظركم  تداعيات هذا التطبيق على النظام التعليمي ببلادنا مستقبلا؟
جواب: لم يكن يخطر ببالنا أن يصل جنون الغزو الثقافي-اللغوي في الفكر الاستعماري الفرنسي إلى هذا الحد الذي يجرؤ فيه وزير التعليم الفرنسي على اختراق السيادة المغربية، واحتقار الثقافة واللغة الوطنية، وقيم الشعب المغربي فيقدم لوزير التعليم المغربي مباشرة مشروع "المسالك المزدوجة" الذي طبخته وأعدته له "البعثة الثقافية الفرنسية"، في نونبر 1996 الأخير، ويقضي هذا المشروع بأن تتبنى وزارة التعليم المغربية ابتداء السنة الأولى ثانوي تطبيق نظام البكالوريا الفرنسية بجميع مناهجها العلمانية المقررة في فرنسا، كسلك مستقل يـُخْتَارُ له أنجب التلاميذ، بجانب سلك البكالوريا المغربية المزدوجة اللغة الذي سيحتضن طبعا التلاميذ العاجزين والفقراء من الطبقة الشعبية، وفعلا شرع وزير التعليم المغربي فور تسلمه المشروع الفرنسي في الإعداد لتطبيقه خلال هذه السنة، دون أن يُسْتَشَارَ أحد في هذه البلاد بشأنه، ووجد رجال التعليم وعامة الشعب أنفسهم أمام الحالة التي عبر عنها المثل المغربي "ادْخُلْ يَا مْبَارَكْ بـَحْمَارَكْ" ، فلا برلمان، ولا حكومة، ولا أحزاب سياسية، ولا صحف وطنية، ولا أية مؤسسة قادرة أن توقف الزحف الاستعماري المباشر على وزارة التعليم، وتصيح مُسْتَنْكِرَةً "لقد بلغ السيل الزبى".
سؤال: تشهد بلادنا منذ عقودن وخاصة السنوات الأخيرة، هجوما شرسا من بعض الجهات الفرنكفونية، على مسار التعريب، بدعوى عدم مسايرته للآفاق التي يُفْتَرَضُ أن تدخلها بلادنا، كالشراكة مع المجموعة الأوروبية، وتحديات العولمة وغيرها، ما مدى صحة هذه الدعوى؟ وكيف يمكن لأصحابها المواءمة بين الحفاظ على لغة التعليم الوطنية، والانفتاح على اللغات الأخرى؟
جواب: الهجوم على التعريب بدأ واستمر حتى اليوم، من طرف أبواق الحملة الاستعمارية وعملائها المتفرنسين الأميين في العربية، وهؤلاء لا هوية لهم تدفعهم للغيرة لا على الوطن، ولا على لغته أودينه وحضارته، ولذلك لا يرون أي مانع لتبعية المغرب، وإدماجه في التكتلات الاقتصادية والسياسية الغربية كسوق لاستهلاك الإنتاج الغربي، هذا مع العلم أن مبدأ تعريب التعليم والإدارة المغربية لا يعني إطلاقا عدم الانفتاح على اللغات الأخرى، فهذا تضليل غوغائي، فما يجري في المغرب، ليس تعليم اللغة الفرنسية كاللغات الأخرى ابتداء من التعليم الثانوي في حصص خاصة باللغات، بل تُفْرَضُ على المغاربة في كل مراحل التعليم، ابتداء من رياض الأطفال حتى الجامعة، كما تعلم اللغة الوطنية الأم، بل هي تمتاز في حصصها ومناهجها ونقط النجاح فيها على اللغة العربية، رغم ادعاء تعليم التعريب، وإذا لم ينجح التلميذ فيها فلن ينتقل للسنة التي تليها حتى ولو كان ناجحا في المواد العربية، إن فرنسة الشعب المغربي برمته هو الهدف الأساسي من سياسة التعليم القائمة، وإلا فلماذا نفرنس 98 %  من التلاميذ المغاربة ونحرمهم من إتقان لغتهم والتعرف على تاريخهم وحضارتهم وأدب أمتهم، من أصل  2 %  وربما واحد ونصف في المائة فقط يصلون إلى الجامعة؟! واحد في المائة فقط منهم أو أقل، يتابعون تعليمهم العالي بمختلف اللغات الأجنبية! وليس باللغة الفرنسية وحدها؟!
سؤال: عرف التعليم الجامعي في بلادنا عدة مشاريع لإصلاحه، هل ترون أن الجامعة المغربية في وضعها الحالي مؤهلة لمسايرة التطور الهائل الذي تشهده كافة المجالات عالميا؟
جواب: تعدد مشاريع الإصلاح المقترحة من طرف المؤسسات الاستعمارية أكبر دليل على عدم نجاح أي منها، فالطلبة المغاربة يكتشفون عيوبها وخطرها عليهم وعلى مستقبل بلادهم في وقت قصير بعد أن يكونوا هم أول ضحايا، وأكبر دليل على ذلك ما يعانيه الآلاف من الأطر الجامعية العاطلة عن العمل منذ سنوات، رغم إضراباتهم عن الطعام، واحتجاجاتهم المستمرة، وبينهم المئات من الأطباء والمهندسين والتقنيين الذين لا يعني استبعادهم أن المغرب-الأكثر تخلفا وأمية بالمقارنة مع الدول التي في درجته-لم يعد بحاجة إليهم، وإنما يعني أن سياسة فرنسة التعليم قد نجحت في تحقيق هدفها في التعليمين الابتدائي والثانوي، واكتمل هذا النجاح بفرض "المسالك المزدوجة"، أما التعليم العالي الذي له وزارة خاصة به فالهدف من سياسته تكوين الأطر التي تحتاج إليها مصالح الدولة فقط، وليس ازدهار الإنسان والمجتمع المغربي، ورفع مستواه الاقتصادي والاجتماعي، لذلك استغنت الحكومة عنهم، وتركتهم يموتون فقرا وجوعا، وهي رسالة موجهة أيضا للأجيال التالية حتى لا تطمع بدورها في الوظائف الحكومية، المسؤول عن بطالتهم هو "تكوينهم الفرنسي" الذي قتل فيهم روح الابتكار، وسعة الفكر، وقوة الشخصية، والشعور بالكرامة، والعزلة عن عالمهم العربي-الإسلامي والقدرة على المبادرة والمغامرة.
إن نتائج سياسة التعليم العالي باللغة الفرنسية أعطت الدليل العلمي المحسوس خلال الأربعين عاما الماضية أنها لا تصنع من الإنسان المغربي إلا موظفا إداريا خاضعا لرؤسائه، يحلم بأن يصبح سفيرا أو وزيرا أو نائبا في مجلس النواب، وإلا فأين هم المغاربة العباقرة الذين كونتهم الجامعات باللغة الفرنسية وبرزوا في أي مجال من مجالات التقدم العلمي، بل وحتى الوطني والثقافي والسياسي؟ بالمقارنة مع المشارقة العباقرة الذين تكونوا بلغتهم الوطنية، واختاروا اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية علمية في مصر وسوريا والعراق وماليزيا واندونيسيا وغيرها، فبرزوا في العلوم والأداب والفنون، كما برزوا في الصناعات والعمران والإنتاج الحربي، وساهموا في ازدهار وتقدم شعوبهم، لقد أصبحت سياسة التعليم الهادفة ل"فرنسة شعوب المغرب العربي-الإسلامي، أكبر (سجن فكري) لفصل الأجيال المغاربية عن تاريخها وحضارتها، وقتل لغتها وثقافتها، وقمع ذكائها وعبقريتها، منع ازدهارها الفكري والاجتماعي، وتمزيق وحدتها الوطنية والسياسية.
سؤال: تشهد بلادنا دعوات لتعليم "اللهجات الأمازيغية" في جميع مراحل التعليم، ما رأيكم في ذلك؟
جواب: في بلد تحركه السياسات الاستعمارية والديماغوجية كما تشاء، لا تعدم من يقدم مثل هذه الاقتراحات غير العملية، والتي لا تخضع لأي منطق علمي، ففي أفريقيا وآسيا وغيرهما مئات من اللهجات الغير مكتوبة، وليس لها قواعد نحوية وصرفية مضبوطة، كما هي حال اللهجات الأمازيغية، ولم يخطر ببال أصحابها أن يتقدموا بمثل هذا الاقتراح.
هناك ثلاث لهجات أمازيغية يختلف أحدها عن الآخر، ولكل منها منطقة جغرافية خاصة بها، لا يتجاوز عدد سكانها  15 % تقريبا من مجموع سكان المغرب البالغ عددهم 30 مليونا، فإذا علمنا أن وزارة التعليم غارقة بل عاجزة وفاشلة في مشاكل "ازدواجية اللغة" فضلا عن إجبارية تعلم لغة ثالثة في الثانوي، يأتي الاقتراح الديماغوجي ليطالبها بتعليم ثلاث لهجات أخرى يصبح التلميذ المغربي معها مطالبا بتعلم 6 لغات! هذا مستحيل على أي طفل وفي أي نظام تربوي في العالم، وفضلا عن ذلك هل يقبل التلميذ الريفي الساكن في شواطئ البحر الأبيض أن يضيع وقته في تعلم لغة المناطق السوسية المطلة على المحيط الأطلسي؟ وما حاجته إليها؟ ويُقال مثل ذلك عن المناطق الأخرى، في حين أن هناك لغة مشتركة عامة تتكلم بها غالبية المناطق هي العربية العامية، ثم هل تستطيع وزارة التعليم أن تنفذ هذا المطلب في غيبة جميع الإمكانات العلمية والفنية لتعليم هذه اللهجات؟! إنها فقط الديماغوجية العنصرية التي يحضرها الاستعمار الفرنسي منذ أكثر من أربعين عاما لتمزيق وحدة شعوب المغرب الإسلامية وإثارة الفتن السياسية بينها وبين حكوماتها.
ومن مهازل هذا التآمر الاستعماري أن المعهد البربري الذي كونته فرنسا في باريس عكف على مدى أربعين عاما على اختراع حروف "سخيفة" لتُكتب بها هذه اللهجات بدلا من الحروف العربية التي كُتِبَتْ بها هذه اللهجات في حدود موضوعات ثقافية ضيقة منذ عهد طويل، إمعانا في مواصلة سياسة "الظهير البربري" العنصرية الفاشلة التي حاولت بها فرنسا سنة 1930 عزل القبائل الأمازيغية عن الشريعة الإسلامية كمرحلة أولى لتمزيق وحدة الشعب المغربي، وخلق صراع قومي داخلي، من مثل ما تعيشه اليوم عدة أقطار عربية وإسلامية، نجحت-مع الأسف- الدول الاستعمارية الكبرى، في إشعال فتنه وحروبه المدمرة، كما الحال في أفغانستان (ضفاف متوهجة: بالإضافة لكل من العراق وسوريا واليمن وليبيا في زمن العرب الممسوخ الأشعت الراهن).
هوامش:
أقوال العلماء والمفكرين والكتاب والمناضلين المغاربة الوطنيين الأحرار في ازدواجية التعليم الاستعماري والفرنكفونية العلمانية:
*يقول الزعيم الوطني المناضل علال الفاسي رحمه الله في حديث له مع جريدة العلم لسان حزب الاستقلال بتاريخ 15 أكتوير 1965:
إن اتجاه التعليم في المغرب ما يزال في "الازدواجية اللغوية" وفي ملء أفكار الطلاب بكل ما أعطته الفلسفة الفرنسية، مع مراعاة ما أورثته الحماية من سياسة في ميدان التعليم، إن الفكر الذي تقوم عليه الثقافة المغربية ما زال أجنبيا؟ !
إن "ازدواجية الثقافة" في بلادنا عارض استعماري لا لزوم له لاستمرار اتصالنا بالفكر العالمي المعاصر، إذ ليست هناك في البلدان التي لم تُنْكَبْ بالاستعمار "ازدواجية في التعليم" ومع ذلك فلا يمكن القول بأن هذه الدول الراقية منفصلة عن الفكر العالمي المعاصر.
*في مقال له بعنوان "لماذا أرفض الفرنكفونية" نُشر بجريدة العلم لسان حزب الاستقلال بتاريخ 22 أبريل 1993 يقول عالم المستقبليات الرجل الموسوعة الكفئ الحر الأبي المهدي المنجرة رحمه الله:
تعتمد الفرنكفونية على مركب النقص فينا، أكثر مما تعتمد على التعاون الثقافي الحقيقي، ففي الوقت الذي تأتي فيه وزيرة الفرنكفونية في فرنسا، للدفاع عن الفرنكفونية في المغرب العربي، علينا أن نتذكر مواقف فرنسا فيما يخص تعليم اللغة العربية، لأزيد من مليون من أبناء المهاجرين..إن الأمر لا يتعلق بتعاون ثقافي، وبانعدام الرغبة في الانفتاح، بل بسياسة هيمنة تريد أن تتدثر بلبوس التعاون والانفتاح.
سأظل أرفض (الفرنكفونية)..وفي رأيي الفرنكفونية ينبغي أن تُقَاوَمَ وتُوَاجَهَ لكي يتم دفنها، ودفنها على ما أظن آت وهو في الطريق.
وبالتأكيد هناك فئة انسلخت عن واقعها، وتغربت بالتمام، وصارت لا هي بالعربية الأفريقية المسلمة، ولا هي بالأوروبية المسيحية، ولكنها فئة قليلة العدد، إلى الحد الذي لا يُقَامُ لها فيه أي اعتبار.
إن فرنسا تقع الآن تحت هيمنة أقوى بكثير من هيمنتها علينا، وهي الهيمنة الأنجلوسكسونية..فإذا أخذنا حاليا الإحصائيات، سنجد أن اللغة الفرنسية تأتي في المرتبة الثامنة عالميا..فلغة هذا وضعها العالمي، لا يمكنها أن تفرض نفسها منطقيا على شعوب لا تربطهم بها أية علاقة.
فعلى مستوى الإنتاج العلمي، ليس هناك مرجع علمي فرنسي حقيقي، إن لم يكن مبنيا على مراجع إنجليزية أو يابانية، لذلك أقول بأن الفرنكفونية لا أفق لها، وليست في مستوى الرهان الذي وضعت نفسها فيه، فانهيار (الفرنكفونية) أمر حتمي، والمسألة مسألة وقت، هل 10 أو 15 سنة؟، لكن المؤكد أن الفرنكفونية ستنهار.
* في ندوة ثقافية حول مشروع "ميثاق التربية والتكوين" نظمتها جمعية غصن الزيتون بمدينة بني ملال بتاريخ 15 أبريل 2000 يقول الدكتور عمر الكتاني:
يخلط المشروع بشكل مقصود، بين مفهوم الانفتاح على تعليم اللغات، والانفتاح على الثقافات الغربية البعيدة عن قيمنا، فتلقين اللغات الأجنبية في مرحلة التعليم الأولي والإبتدائي، أي في مرحلة (بناء شخصية الطفل)، يعتبر أخطر عملية لتجزئة هذه الشخصية وانفصامها، بدل توحيدها واكتمالها، ويختلف تماما في أبعاده النفسية، عن تلقيها في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي، الذي هو منطقي وطبيعي.
إن تلقين اللغة الفرنسية كلغة "تربوية ممتزجة بفكر وقيم علمانية" في التعليم الأولي والإبتدائي، وكلغة لتلقين العلوم انطلاقا من نفس الفكر، في التعليم الثانوي والعالي، في المشروع، ينفي عنها ادعاء تلقينها، كلغة محايدة فقط، لقد أُسْنِدَتْ لها إذن وظيفة (بناء شخصية الطفل المغربي) الـمُزْدَوِجَةُ وَالـمُنْفَصِمَةُ، لِتَشُلَّ قدرته العلمية على الإنتاج والإبداع، كمواطن مكتمل الشخصية، واع بمسؤولياته الوطنية والدينية.
إن تلقين لغتين أجنبيتين (كلغتين تربويتين) بالمفهوم السابق، الذي ألح عليه المشروع-فضلا عن اللغة العربية الفصحى ولهجة أمازيغية أو عربية عامية-في التعليم الإبتدائي يعتبر أغرب أسلوب، "وسابقة لا نظير لها في الأنظمة التربوية العالمية" لمعالجة (إشكالية الكم) في التعليم الإبتدائي والثانوي بالمغرب، والتي ينتج عنها إرهاق الطفل نفسيا في الإبتدائي، وإضعاف طاقاته سنة بعد أخرى، في مجال التكوين العلمي بالثانوي، وانخفاض مستواه العام، مما يؤدي إلى تكرار الأقسام والانقطاع عن الدراسة، والنتيجة وصول نسبة ضئيلة إلى الباكلوريا والتعليم العالي لا تتجاوز 2% ، الشيء الذي جعل التركيز في التعليم، ينصب على التكوين المتوسط تحت اسم "التكوين المهني"، والابتعاد عن التكوين العالي والبحث العلمي!!!.
كل هذه العناصر سيتضاعف إنتاجها في المشروع الجديد، الذي لم يحل "مشكلة الكم" بل أضاف إليها المزيد من التعقيد في الفصل الخاص بتعليم اللغات، ولم يعالج (مشكلة ضعف البحث العلمي)، وإنما ركز على التكوين المهني، ولم يعالج "مشكلة النخبوية"، عندما أضاف سياسة التخلي عن "المجانية" وهذا يعني:
ü    استحالة تعميم التعليم، رغم محاولة المشروع اللعب بالأرقام الخيالية، حول إمكانية ذلك،
ü    ازدهار النخبوية والطبقية عن طريق سياسة التعليم،
ü    الكلفة العالية لتكوين هذه النخبة على حساب الفئات الواسعة من الشعب،
ü    تحميل الشعب كلفة تمويل تعليم هذه النخبة مرتين، بعد التنازل عن المجانية،
ü    توسيع قاعدة (التكوين المتوسط) بشكل يتناقض مع حاجيات السوق.
وفضـــــــــــلا عن كل ذلك، فإن "العولمة" ستفرض علينا البحث عن آفاق لامتــداننا (الاقتصادي-الاجتماعي-الثقافي) لغــــــويا 
وجغرافيا، للخروج من ضغوط الاقتصاد الأوروبي، ومن (سلطة الوصاية الفكرية للاستعمار الفرنكفوني)، ولن نجد هذا الامتداد عمليا، مع الاعتماد على طاقاتنا الوطنية، إلا في العالم العربي والإسلامي، الذي يتكلم أو يفهم اللغة العربية العالمية، والذي يتعامل مع الإنجليزية الأكثر انتشار، كلغة للتواصل الدولي والعلمي.
*وفي مقتطف من تدخله أثناء مناقشة ميزانيات التعليم بمجلس النواب نشر بجريدة العلم بتاريخ 25 ماي 2000 قال النائب محماد أكنسوس: 
بأن التاريخ يؤكد أن كل توجيه يرمي لإفراغ التعليم من محتواه الروحي، الذي عاشت في ظله بالعلم والإيمان، فكانت ملاحمها ملاحم الأبطال الذين شرفوا تاريخ الأمة بالذود عن الثوابت، والتعليم وحده هو القادر على حماية هذه الروح، وهذا الإرث التاريخي العظيم، وكل انزلاق في أبعاده ورسالته التربوية يشكل خطرا على "الهوية الوطنية".
* وجاء في مقال تحت عنوان "أيها النواب..أيها المستشارون اتقوا الله في المغاربة" نشر بجريد الجسر عدد 61 في شهر مارس 2000:
إن التسرع والارتجالية والتجريبية والسرية التي احتضنها (ميثاق التربية والتكوين) والتي جعلت منه مشروعا-لا وطنيا- مفروضا على الأمة، أمور لن تعالج الأمراض التي يعاني منها تعليمنا، فهو:
ü    مشروع لذبح الهوية المغربية، وذبح مقومات الشخصية الوطنية، فلتمتنعوا أن تكونوا الجزارين،
ü    مشروع لحفر قبر اللغة العربية ووأدها، فلتمتنعوا أن تكونوا حفاري القبور،
ü    مشروع لضرب ديمقراطية التعليم وتعميمه، فلا تكونوا أدوات تنفيذ المؤسسات الدولية،
إن من واجبنا وواجبكم التصدي للمنكر، والأمر بالمعروف والالتزام به، كلمات لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيكم إن لم تسمعوها منا.
*ويقول الباحث التونسي عزالدين عناية في مقال بعنوان "النخبة في المغرب العربي والمتاهة الفرنكفونية" نُشِرَ بجريدة العلم لسان حزب الاستقلال بتاريخ 28 ماي 2000:
الفرنكفونية كأيديولوجية ما بعد الحقبة الاستعمارية، ما هي إلا أداة ماكرة لمواصلة ربط فرنسا لمصالحها، بالدول التي استعمرتها في إطار ما يسمى بالاستعمار الجديد 'néocolonialisme'...، لقد راهنت على التوغل في أعمق مكونات الهوية المغاربية، وتكوين النخب المتغربة، وربطها مصلحيا بفرنسا.
صور لنا الاستعمار أن التقدم والوجاهة، يمران عبر استعمال الثقافة الفرنسية، فزرع في وعينا أن كل ما يمت للعرب لغة وفكرا وتاريخا وأدابا ينبغي أن نحتفظ به في متحف التندر.
الانهزام النفسي الذي ألحقته الفرنكفونية عند النخبة، جعل الكثير من الكتاب والباحثين يتحاشون الكتابة بالعربية، رغم قدرتهم على تقديم النص في لغة عربية.
المراجع:
1-فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الأقصى-  تقرير مقدم إلى المؤتمر الإسلامي العام وجميع مسلمي العالم من اللجنة الشرقيىة للدفاع عن المغرب سنة 1932.
2-نص حوار جريدة الصحوة عدد 61 – أكتوبر 1997 مع العلامة الدكتور إدريس الكتاني بعنوان فرنسة الشعب المغربي هي الهدف الأساسي من السياسة التعليمية القائمة.
3-ثمانون عاما من الحرب الفرنكفونية ضد الإسلام واللغة العربية- تأليف العلامة الدكتور إدريس الكتاني-مطبعة النجاح الجديدة-الدارالبيضاء-الطبعة الأولى- سنة 2000

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق