اللغة العربية الفصحى عامل أساسي للحفاظ على القرآن ووحدة المسلمين

"وَاللهِ لَأَنْ أُهْجَى بِالْعَرَبِيَّةِ، أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُمْدَحَ بِالْفَارِسِيَّةِ!"
                                                                           العالم الموسوعة الفارسي المسلم أبو الريحان البيروني رحمه الله
لم يواجه المسلمون على مدى أربعة عشر قرنا دعوات أشد خطراً على دينهم من تلك التي تستهدف في العصر الحديث  اللغة العربية، لما للغة العربية من أهمية ومكانة في الدين الإسلامي، فاللغة العربية لغة القرآن والحديث والفقه، ولغة كافة العلوم الشرعية واللسانية، وهي ضرورية لفهم أحكام الإسلام وتطبيقها، وقد اتخذت هذه الدعوات أشكالاً مختلفة، كان أخطرها الدعوة إلى إقصاء اللغة العربية الفصحى واستبدالها باللهجات العامية الهجينة التي تفتقد لأدنى مقومات أية لغة.
ويزعم بعض أزلام الاستعمار والحاقدين على الإسلام أن اللغة العربية ميتة، بدعوى أن اللغات تتطور، وتطورها يكون بحلول اللغات المحكية مكانها، ويقصدون أن اللهجات المحلية هي لغات تطورت من اللغة العربية، ويعتبرون بأن اللغة العربية قد انتهى زمان وضعها ومضى واضعوها وبذلك يحكمون عليها بالموت، غير أن هذه المغالطة الصارخة لا يمكن حجبها بالغربال، لأن اللهجات بكل بساطة ليست لغة عربية بل هي مجرد عامية ملحونة وخليط هجين وغير متجانس من العبارات والألفاظ التي لا تخضع لأي منطق لغوي أو نحوي أو قومي أوديني، ومثل هذا الكلام عند العرب الأقحاح يعتبر من مرذول الكلام وساقطه، وصاحبه عليه إصلاح حاله والانتباه جدا إلى علله وفظاعة ما يتلوه لسانه، بل إن السبب الرئيسي لتواري اللغة العربية الفصحى عن مسرح الأحداث في العالم  ليس ضعف فيها بل هو ضعف ووهن يسكن عظام الأمة الإسلامية، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وليس حتى يغيروا لغتهم.
لقد عمل الغرب الصليبي على إضعاف اللغة العربية ومن تم إضعاف فهم المسلمين للإسلام وإضعاف تطبيقه، ومن خلال ذلك سهل عليه أن يجعل أفكاره وأحكامه ومقاييسه هي أفكار وأحكام ومقاييس المسلمين، وكذلك على ضرب وحدة المسلمين من خلال ضرب اللغة العربية، ورب الكعبة أن هذان الأمران ما زالا سببين قائمين يحثان الغرب على استدامة العمل على إضعاف اللغة العربية.
فبجمعيات ما يسمى بالمجتمع المدني وما يسمى بالأحزاب الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وكل حزب بما لديهم فرحون، استطاع الغرب الصليبي أن يسوق للعلمانية والقومية والعرقية والقبلية والطائفية وأن يوصل فكره وأنظمته إلى الحكم، وما انفك هذا الغرب والأنظمة التابعة له حتى اليوم يعتمدون عليها في تثبيت نفس الأهداف.
وبواسطة هذه الأنظمة والجيوش استطاع الغرب أن يُبقي الأمور بيديه ويحافظ على مكتسباته وما يزال، واستمر في تطبيق أنظمته ليضرب كل عمل مخلص لخدمة الإسلام ولغة القرآن، وبالعلمانية التي جعلها الغرب بديله الفكري عن الإسلام، واعتبرها مؤشرا على بقائه في بلادنا، واعتبر أن تخلي الأمة عنها هو بداية التخلي عنه، استطاع الغرب أن يرسخ نفوذه عن طريق سنها في الدساتير والقوانين وفرضها في برامج التعليم والإدارة ووسائل الإعلام، والأدهى والأنكى والأمر كتقنين الشذوذ الجنسي على سبيل المثال وغيرها من الكوارث التي يشيب لها الولدان آت لا ريب في ذلك، حتى نكون مواكبين وخاضعين للقوانين الدولية التي تسمو على القوانين الوطنية.  
وبواسطة الإعلام الذي هو سلاح فتاك ذو حدين، استطاع الغرب الصليبي الذي لا يرقب فينا إلا ولا ذمة قلب الحقائق وإظهار الأمور على عكس ما هي عليه، وجعل طريقته في الحياة تبدو كأنها مِثَالٌ يـُحْتَذَى وَمَثَلٌ أَعْلَى يُقْتَدَى، وأنها الطريق الصحيح الوحيد لإخراج بلاد المسلمين مما تتخبط فيه من تخلف وتقهقر وانحطاط على كل صعيد.
وما زال الغرب حتى الآن يقوم بدوره من غير أن يتوانى في ذلك نظرا لأهمية ما يقوم به، وهو في هذه الأيام  التي تبدو  كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها يشوه صورة الإسلام والمسلمين، ويتمادى في ذلك لدرجة أن علماء المسلمين إلا من رحم ربك أُصيبوا بالخرس التام وصاموا عن الخوض في الكلام إلا عن الجماع والطعام مثلهم كمثل الأنعام.
وبواسطة هؤلاء (العلماء الأنعام) الخرس الببغاوات استطاع الغرب أن يُلَبِّسَ  على المسلمين أمر دينهم ويعطي شرعية لأفكاره وأنظمته، وهو لا يزال يعتمد عليهم أيما اعتماد في إصدار الفتاوي بالجملة التي ترضيه ولا ترضي الله، وعن طريق إقصاء حكم الإسلام عن الحياة والحكم استطاع أن يصل إلى هدفه الكبير الذي جند كل إمكاناته لأجله والذي ما زال يحرص عليه حرصه على تحقيق مصالحه الدنوية الفانية.
ولكي نفهم جيدا ما يجري من أحداث وندرك مسبباتها، ما على المرء إلا أن يتأمل ما يجري في بلدان الشام والحجاز و الرافدين من حروب ضروس وفتن هالكة ومهلكة على أسس طائفية وعرقية، وما يُـحاك من مؤامرات بشمال أفريقيا حطب نار فتنتها الأمازيغ المتشددون الذين انساقوا وراء مخططات الغرب الصليبي والصهيونية، في تناقض صارخ مع الأهداف الكبرى للإسلام التي  قوضت وقضت على الولاءات القبلية والعشائرية والطائفية والعرقية التي كانت سائدة في الجاهلية ومجتمعات الكفر الأخرى، فصهر الإسلام المسلمين في بوتقته وجعل ولاءهم لله وحده لا لأحد سواه، وأن ليس هناك تفاضل بسبب عرق أو جنس أو لون أو لسان، يقول الرسول الأكرم (ص) : "ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى" ويقول صلوات الله وسلامه عليه: "إنما بُعثت إلى كل أحمر وأسود"، والشرع الإسلامي يميز اللغة العربية على سائر اللغات لأنها لغة القرآن الكريم ولغة الحديث الشريف، وما عدا ذلك فليس للعرب ميزة على غيرهم، فالعرق العربي هو عرق مثل سائر الأعراق، والشرع الإسلامي ميز الرسول محمدا (ص) وميز آله وعترته الطيبين الطاهرين على سائر البشر، وما عدا ذلك فالناس سواسية أكرمهم عند الله أتقاهم.
وسار المسلمون معا إخوة في دين الله، يتفاضلون بالتقوى فطبقوا الإسلام معا، وجاهدوا في سبيل الله معا، وفتحوا الفتوح معا، فسار موسى بن نصير العربي الشامي لفتح الأندلس جاعلا في مقدمة جيشه طارق بن زياد البربري ليدخل الأندلس أول الداخلين فاتحا لها ولا زال اسمه خالدا يزين المضيق الذي اجتازه، وفُتحت القدس على يدي عمر بن الخطاب وكان أبو عبيدة قائد جيشه، وشاء الله أن تحرر من رجس الصليبيين على يد صلاح الدين الأيوبي الكردي، ثم شاء الله سبحانه أن تفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح التركي، وأمثال هؤلاء كثير من العرب والعجم يشدهم الولاء للإسلام وحده ويجمعهم معا في السلم والحرب دونما عصبية من لغة أو لون أو جنس أو عرق أو عشيرة أو قبيلة أو طائفة.
غير أن الصليبيين أدركوا أن سر قوة المسلمين هو هذا الدين العظيم الذي يحملونه والولاء الكبير للإسلام الذي تمتلئ به قلوبهم، وأدركوا من هزيمتهم في الحروب الصليبية أن الأسلوب العسكري لهزيمة المسلمين عقيم وليس ذي جدوى وأن الأقوى والأقدر منه هو خلخلة سر قوة المسلمين، أي خلخلة ولائهم لله وحده دون أحد سواه، وإحلال الولاءات الطائفية والعرقية والقومية والقبلية والعشائرية مكانه، وقد نجحوا في ذلك أوائل القرن الماضي عندما أثاروا الترك على العرب والعرب على الترك في الدولة العثمانية، الدولة الإسلامية آنذاك، فهزمت الدولة في داخلها وفي عقر دارها قبل أن تُهزم في الحرب العالمية الأولى، وأثاروا الشيعة على السنة والسنة على الشيعة في حربي الخليج الأولى والثانية، وما واكب هذه الفتن من إراقة للدماء وأحقاد وعداوات يتبرأ منها كل مسلم مخلص يؤمن بالله واليوم الآخر.
وقد شجع الصليبيين نجاحُهُم هذا على أن يستمروا في مخططاتهم، فجزأوا بلاد المسلمين ونصبوا عليهم حكاما عملاء لهم ينفذون رغبات الغرب الصليبي والصهيونية العالمية، بإثارة الطائفية والعرقية والقوميات والعصبيات في البلد الواحد، فبرزت الولاءات الطائفية والعرقية والقبلية والعصبية من جديد بعد أن أزالها الإسلام منذ زمن بعيد، والتي قال فيها قولته الخالدة الرسول الأكرم (ص): "دَعُوهَا فَإِنَّـهَا مُنْتِنَةٌ"، وقال فيه أيضا: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ".
لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم باللغة العربية، وكذلك فإن حديث رسول الله الأكرم (ص) باللغة العربية، فكانت اللغة العربية هي الأداة لفهم الإسلام واستنباط أحكامه، ولقد اعتز المسلمون بهذه اللغة وحملوها واهتموا بها لأنها لغة القرآن الكريم وليس لأنها لغة قومية للعرب، لذلك فقد نبغ في العربية رجال عظماء من المسلمين غير العرب، فكان منهم المجتهد والفقيه وعالم اللغة والتفسير و صفوة الصفوة من علماء الطب والرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء والبصريات وتقنيات الري والصرف والزراعة الذين استضاءت بعلومهم أوروبا في القرون الوسطى زمن انحطاطها وتأخرها، وكانوا ينافحون عنها لأنها لغة الإسلام، إن الإسلام مقطوع بصحته، وفهمه فهما صحيحا هو الذي يؤدي إلى صحة تطبيقه وإحسان حمل دعوته وتعليمه للناس، ولا يتأتى فهم الإسلام من مصادره واستنباط الأحكام منه إلا باللغة العربية، فكانت اللغة العربية جزءا جوهريا من القرآن الكريم ومن الإسلام من المستحيل أن تنفصل عنهما.
 فانتبه الصليبيون لما أدركوا أن الولاء للإسلام هو سر قوة المسلمين، وأدركوا أيضا أن اللغة العربية هي الأداة الرئيسية لفهم الإسلام، فأخذوا في التشويش عليها والتركيز على اعتبارها لغة قومية للعرب حتى يُوجدوا ردة فعل عند الآخرين بأن يتعصبوا للغتهم كأقوام، وصار الأزلام من المثقفين بثقافة الغرب يركزون على هذا الأمر بشكل يـُحيي العصبية للغة، هذا يقول لغتي وذاك يقول لغتي وكل منهم يغني على ليلاه، وثابر الغرب الصليبي وعمل ليل نهار بجمبع الوسائل  على فصل اللغة عن الإسلام ليتسنى له فصل المسلمين عن الفهم الصحيح للأحكام، وعندما اضطرب على المسلمين فهم الأحكام اضطرب عليهم تطبيقها، وعندما حدث ذلك كان له أثره السيء على الدولة الإسلامية وكان من العوامل المؤذنة بانهيارها.
وكما نجح الصليبيون والأزلام من المثقفين الذين يدورون في فلكهم في خلخلة الولاء للإسلام نجحوا كذلك في خلخلة مركز اللغة العربية كلغة القرآن الكريم إلى جعلها لغة قومية للعرب،  كي يوجدوا بذلك ردود فعل عند المسلمين غير العرب لإبراز لغتهم مقابل العربية سواء بسواء، وساعدهم في ذلك عملاء لهم قاموا بهذا الأمر بشراسة لا نظير لها،  تماما كما فعل مصطفى كمال أتاتورك ومجموعته في تركيا في حربهم الضروس ضد الإسلام ولغته العربية، بعد أن نفذ مخططات الإنجليز في القضاء على الحكم الإسلامي.
لذا كان نجاح الصليبيين وعملائهم من الخونة المندسين داخل أوطان المسلمين في حربهم ضد الإسلام والعربية الفصحى في تركيا حافزا لهم على الاستمرار في مخططاتهم بالتركيز على أن العربية لغة قومية للعرب، ليُثيروا المسلمين من غير العرب كي يطالبوا بدسترة لغاتهم كلغات قومية رسمية لهم في مواجهة العربية، وساعدهم في ذلك عملاؤهم من العرب وغير العرب بالتركيز على أن اللغة هي لغة قومية عند أجناس المسلمين وليست لغة القرآن الكريم والحديث الشريف، وهكذا نجح الأكراد المطالبون بلغتهم الكردية كلغة رسمية في مواجهة العربية في تركيا في مسعاهم، وأضحت الكردية لغة رسمية في مجموع التراب التركي، واستطاع العراق أن يحد من تداعيات هذه المؤامرة على وحدته الترابية وتماسك مجتمعه من الانقسامات من أن يجعلها لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في حددو إقليم كردستان فقط، وليس في مجموع التراب العراقي خلافا لما هو عليه الحال بالنسبة لتركيا، ونفس الشيء صار شيئا عاديا وطبيعيا بل أصبح واقعا مسطرا بالحبر الأسود في دستور المملكة المغربية التي خضعت للضغوطات الخارجية،  أمام المطالبة المدعومة بشكل قوي من دول أجنبية ومن مجموعة من الأمازيغ لجعل لغتهم أو بالأحرى لهجتهم الأمازيغية  التي تستحم في ضباب وغبار ما قبل التاريخ لغة رسمية في مواجهة اللغة العربية الشريفة العفيفة المسكينة التي فقدت شرفاءها من الرجال الأحرار، وما فتئت تبكي دموع الندم على أشباه الرجال، والمتتبع لكل هذه القلاقل والمؤامرات والدعوات التفجيرية الانقسامية التي تُثَار من داخل بلاد المسلمين  يجد أن أصابع الصليبية والصهيونية العالمية تُمسك بمعظم خيوطها إن لم تكن كلها، إما مباشرة منها وإما مباشرة من عملائها.
إن اللغة هي وسيلة التعبير عن الفكر، وهي ترجمان العقل، والكتاب والسنة كلامٌ عربي، والاجتهاد يكون في طلب الشيء من الأحكام الشرعية، فلذلك كان من شروط الاجتهاد اللازمة التمكن من اللغة العربية لأن الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي، وإذا كان الإسلام هو الدين الإنساني الخالد، فإن الله سبحانه وتعالى اختار أن تكون اللغة العربية هي المركبة التي تحمل الإسلام للناس جميعا، واللغة العربية هي أقوى اللغات على الإطلاق، ففيها القدرة على استيعاب الأفكار والمعاني، وعندها القدرة على التعبير عن الدلالات الدقيقة والصحيحة، وتملك القدرة على التوسع بحيث يمكنها مواكبة أي تطور فكري أو علمي، ومواكبة الألفاظ الجديدة، وما تملكه من ألفاظ يزيد على ما تحتويه اللغتان الفرنسية والإنجليزية مجتمعتين، وما تملكه من قدرة على التعابير المجازية يفوق ذلك بكثير.
ولما كانت اللغة العربية هي لغة القرآن فقد أصبحت جزءا جوهريا من الإسلام بحيث لا يؤدى كاملا إلا بها، والاهتمام بالقرآن الكريم أوجب الاهتمام بها، لذلك صارت إلى جانب القرآن من مظاهر وحدة المسلمين، ولما كانت للغة العربية هذه الأهمية وهذا الدور جعلها الغرب هدفا لسهامه وأراد صرف الأمة عنها وتقليص ظلها، فعمل بكل ما أوتي من جهد على محاربة الفصحى، بمختلف الوسائل لإبعاد المسلمين عن الإسلام مصدر وحدتهم وقوتهم وعزتهم، ومن هذه الوسائل فرض لغته أو لغاته واعتبارها اللغة الأولى في البلاد التي احتلها، وإهمال العربية بدعوى أنها لغة وطنية لا تحتاج إلى تعليم، وكذلك جعل لغته هي اللغة الرسمية برغم أنف الدستور، بحيث لا تُؤَدَّى المعاملات إلا بها، وحصر الوظائف بمتقنيها، وصور اللغة العربية على أنها لغة لا تستطيع أن تواكب التطور العلمي والاقتصادي والفكري، ولا تستطيع أن تلبي حاجات الناس.
 كما دعا الغرب الصليبي إلى نشر اللهجات العامية لأنها أقدر على التعامل بها من الفصحى، ودعا بعض الكتاب العرب من المغرر بهم أو من الجهلة أو من الخونة المدفوعي الأجر إلى الكتابة بالعامية لتصل إلى أكبر عدد ممكن من الناس ولتعم الاستفادة، وكتب بعض المستشرقين الماكرين بالعامية تشجيعا للمسلمين على حذو حذوهم واللحاق بهم، وكما هو معلوم فإن المغلوب بطبعه مُولَعٌ بتقليد الغالب كما قال ابن خلدون، ومن الواضح ما في هذه الدعوة من عزل وفصل للمسلمين عن مصادر ثروتهم الفكرية والفقهية، وهذا أمر جد خطير.
إن الدعاة المتحمسين للعامية في التعليم بالمغرب الأقصى  في الوقت الحاضر، أصحاب مشروع استعمال اللهجة المغربية في التعليم، والذين أطلقوا أول قاموس باللهجة المغربية العامية الهجينة تحت إشراف مركز تنمية الدارجة زاكورة، لم يأتوا بجديد يذكر، وفي جميع الأحوال يعتبر عملهم هذا تسفيها وتبخيسا للغة القرآن، وتضبيعا وتضييعا للنشء الذي سوف ينشئ على لهجة الشارع الفاسدة الفاقدة لأي حس فني أو أخلاقي ولأي قواعد ضبط وانضباط لغوي، ومن تم يسهل تخليه وعزوفه عن الدين والقيم واللغة والحضارة والتاريخ، لأن اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيراً قوياً بَيِّناً، وعليه فإن عملهم هذا يعتبر خيانة كبيرة ومؤامرة خطيرة على المغرب ودينه وقيمه وحضارته وتاريخه.
ولقد سبق هؤلاء المبتدعين إلى هذه البدعة السيئة جهابدة المستشرقين والنصارى والحاقدين على هذا الدين العظيم ممن دعوا إلى استعمال العامية، بل هنالك منهم من دعا إلى التعليم باللهجة العامية وكتابتها بأحرف لاتينية، فلما لا تحدون حدوهم وتكتبون أنتم أيضا الدارجة المغربية بأحرف لاتينية لضرب عصفورين بحجر واحد ولمحو أي أثر للحرف العربي وأي أثر للقرآن الكريم الذي يزعجكم وبزعج أسيادكم من اليهود والنصارى أيما إزعاج.
 فلستم الأولين ولن تكونوا الآخرين بكل تأكيد ممن يدعون إلى التعليم باللهجات العامية الهجينة وتدوين قواعد لها، فأول من ابتدع هذه البدعة السيئة هو  المصري رفاعةُ رافع الطَّهْطَاوي (1801-1873) في كتاب أصدره عام 1868م وأسماه "أنوارُ توفيق الجليل من أخبار توثيق بني إسماعيل"، وقال فيه بأنَّ اللغة المتداوَلة الـمُسمَّاة باللغة الدارجة التي يقع بها التفاهمُ في المعاملات السائرة لا مانع أن يكون لها قواعد قريبة المأخذ وتصنف بها كتب المنافع العمومية، والمصالح البلدية، وجاء من بعده دعاة آخرون للتعليم بالعامية  أمثال المصري أحمد لطفي السيد (1872-1963) الذي علل دعوته المضللة بأن الشخص يستطيع التعبير عما في نفسه بالعامية أكثر من العربية الفصحى، والنصراني اللبناني فارس نمر (1856-1951) صاحب صحيفة المقتطف الذي ألف كتابا في تدريس العلوم وكتابتها باللهجة التي يتحدث بها الناس، والقبطي المصري سلامة موسى (1887-1958) المروج للإشتراكية والتعليم بالعامية، والمصري عبدالعزيز فهمي (1870-1951)، والنصراني اللبناني إسكندر معلوف (1869-1956) الذي أنفق وقته في ضبط أحوال العامية وتقييد شواردها لاستخدامها في كتابة العلوم، لأن أسباب التخلف كما ادعى تكمن في التَّمسك بالفصحى، والنصراني اللبناني مارون غصن (1880-1940) الذي قال في أحد كتبه بإنَّ كل لغةٍ سائرةٌ إلى الفناء، لأن الشعب كله متعلقٌ كل التعلق بلغة آبائه وأجداده، وما هذه اللغة إلا العامية، والنصراني اللبناني من أصل سوري يوسف الخال (1917-1987)، والنصراني اللبناني سعيد عقل (1911-2014) الذي رحب أيما ترحيب باجتياح الصهاينة للبنان في العام 1982، ودعا هؤلاء القردة والخنازير للقضاء على الفلسطينيين، واعتبر لبنان فينيقيا لا ينتمي إلى المحيط العربي، ودعاه للتخلي عن اللغة العربية الفصحى واعتماد اللهجة العامية كلغة قومية للبنان، وهو من وضع «الأبجدية اللبنانية» التي تكتب بحروف لاتينية، والنصراني اللبناني رشدي المعلوف (1914-1980)، والنصراني اللبناني أنيس فريحة (1903-1993)، وقد كانت كل هذه المؤامرات تُحاك استجابة للدعوات الأجنبية وسارت مسارها من حيث الأهداف والغايات، ويكاد يجمع الباحثون على أن الدعوة إلى العامية هي دعوة استعمارية انساق وراءها الناس عن حسن نية عند بعضهم، وعن سوء نية عند البعض الآخر، وأن الأجانب هم الذين هيأوا لها المال والمنابر والعملاء، وزعم المستشرقون وأعداء الإسلام لتأييد دعواهم أن اللغة العربية ضعيفة وعاجزة عن مجاراة الركب الحضاري، وأنها أرض صعبة ومعقدة، وأن أبناءها يجدون صعوبة في تعلمها وفهمها، وما القصد من وراء كل هذه الحركات سوى هدم اللغة العربية لهدم ارتباط المسلمين بإسلامهم.
فإذا انفصلت اللغة سهل فصل المسلمين عن بعضهم، إذ كيف يتخاطب المسلم التركي مع المسلم الأفغاني مع المسلم الهندي أو الباكستناني أو الإيراني مع المسلم العربي، وما اللهجات المحلية العامية في حد ذاتها إلا عنصر تفرقة حتى بين أهل اللغة نفسها، لأن هناك لهجات عامية كثيرة في جميع الدول العربية من المستحيل أن يتفاهم المسلمون في هذه الدول على أساس استعمالها، لأنها بكل بساطة  متشعبة، مـخربقة، مـخترقة، غريبة، لا نحو ولا صرف ولا إعراب ولا منطق لها، فضلا على أن أهل البلد الواحد تختلف اللهجات والاصطلاحات العامية فيه من منطقة لأخرى، بينما واقع العربية الفصحى يجمع لغة المسلمين العرب على كلمة سواء، يحرص الكل على تعليمها، حتى على المسلمين الغير عرب ولو كانوا في الصين، لأن العربية هي لسان القرآن الكريم الذي لا يُتلى بغيره، ومن سعى إلى غير ذلك فقد ابتدع في دين الله.
واستطاع المكر الغربي الصليبي ضد اللغة العربية أن يضع في مراكز القرار الخطيرة على مصير الأمة والجد حساسة بالدول الإسلامية المستهدفة  شرذمة من الكراكيز والدمى المتحركة المتحكم فيها عن بعد، لتأتمر بأوامره، والتي ما تزال خاضعة إلى يومنا هذا إلى استنزاف وتزوير للحقائق لا سابق له في دينها وقيمها ولغتها وتاريخها، لذلك لم يعد من المستغرب أن تُسند وظائف يتوقف عليها مصير الأمة وتماسكها في بحور مظلمة من الفتن إلا لمن أتقن اللغة الأجنبية من أشباه المتعلمين بل حتى من الجهلة الجاهلين بجهلهم بعلوم اللغة العربية الفصحى.
لقد استطاع الغرب الصليبي بهذه السياسة الماكرة المقصودة اتجاه اللغة العربية أن يجعلها تبدو عاجزة أمام تطور وسائل الحياة وعن مواكبة التطور العلمي والتقني، وأفرغها من طاقتها الحيوية حين جعل المناهج التعليمية للغة العربية منفصلة عن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وصار يدرسها بشكل جاف لا يجعل المتعلم يشعر بأي قرب من الله، بل على النقيض من ذلك يشعر بصعوبتها فينفر منها.
إن اللغة العربية يجب أن توظف في خدمة أهداف الدين الإسلامي، لذلك يجب أن لا تدرس كغاية بحد ذاتها كما يحدث الآن، فإن في ذلك تفريغا لها من مفاعيلها وأهدافها السامية، فاللغة العربية يجب أن لا تنفصل النظرة إليها عن اعتبارها لغة القرآن والحديث، فإن من شأن ذلك أن يجعلها حية مؤثرة في النفوس وتصبح لغة العلوم التطبيقية على اختلاف أنواعها جنبا إلى جنب مع العلوم الشرعية.
إن كذبة الاستقلال الثقافي والفكري والاقتصادي التي ينهق بها صباح مساء الغرب الصليبي،  هي لعمري كذبة كبيرة لن يصدقها إلا من غشى الله على بصره وختم على سمعه وران الضلال على قلبه، وما الحريات التي تتغنى بها فرنسا وغيرها من دول الغرب الصليبي إلا رماد يحثونه في عيون السذج من الناس،  لأن النعرة القومية القبلية متأصلة لدى الأوروبيين والغرب الصليبي بشكل عام، ولم ولن تنطفأ جذوتها أبدا، وأن الوحدة فيما بينهم التي يجعلون من الرابطة المصلحية أساسها، لن تتم أبدا لأنه من المعروف أن الرابطة المصلحية هي رابطة مؤقتة لأنها عرضة للمساومة على مصالح أكبر منها، فحين تنتهي المصلحة أو تتغير تنتهي هذه الرابطة وتنتهي معها الوحدة، فالمبدأ الرأسمالي الديمقراطي الذي يعتنقه الغرب الصليبي لا يستطيع ولا بحال من الأحوال أن يطمس القومية في نفوس الأوروبيين، ذلك المظهر من مظاهر غريزة البقاء، ومن الواضح أن أميركا في ضربها لهذه الوحدة تستغل هذه النعرات القومية وتغذي الأحزاب الداعية لها.
والدليل الواضح والبرهان الفاضح على ما سبق ذكره هو موافقة مجلس الوزراء الفرنسي على مشروع قانون 'حماية اللغة الفرنسية' الذي كان قد اقترحه وزير الثقافة واللغة السابق 'جاك توبون' Jacqes Toubon'، وكان هذا الوزير قد استنكر في 23/02/1994 بقوة دخول الثقافة الأنجلو أميركية التي تستخدم اللغة الإنجليزية، وهذا القانون يحظر استخدام أية لغة غير الفرنسية في فرنسا من قبل الهيئات الحكومية وفي وسائل الإعلام جميعها، وحتى المصانع تضطر إلى ترجمة كل كلمة غير فرنسية، فأين أنتم أيها المنافقون الكذابون يا من تسعون إلى البلقنة اللغوية بالدول العربية والإسلامية، ويا من تصرفون الأموال بسخاء على تثبيت أرجل العامية السخيفة الساقطة في التعليم.
إن الاجتهاد لفهم الإسلام لا يتأتى بغير اللغة العربية، لأن فهم الإسلام هو فهم أحكامه وأحكام الإسلام تؤخذ من القرآن ومن السنة، وكلاهما جاء باللغة العربية، فاستنباط الأحكام للمشاكل المتجددة يقتضي فهم اللغة العربية، فلتوجه الطاقات لدراسة اللغة العربية والاعتناء الشديد بها، ولترد دعوات الجاهلية التي تدعو لتدوين ودراسة اللهجات العامية السائدة الساقطة، وليعلم الناس أن هذه الدعوات إنما غرضها طمس اللغة العربية لغة القرآن الكريم.
ومن الواجب الأوجب على جميع المسلمين الذي لا واجب يفوقه الاهتمام بلغتهم لأنها لغة القرآن، وأن يكونوا واعين لما تدسه أيدي الأعداء الماكرين، ومن الخطأ والخطر الكبير علينا أن يكون أعداؤنا واعين لمكامن الخطر عليهم ونحن غير واعين لما يقومون به من تقويض لركائز ديننا بل حتى لوجودنا وبقائنا.  
إن اهتمامنا بلغتنا يجب أن يفوق اهتمام غيرنا بلغته، لأن ديننا وحي من الله يجب أن نحافظ عليه بكليتنا، وأن من أسباب المحافظة عليه أن نحافظ على لغته، وأن من أكبر دواعي حب المسلمين لربهم ولرسولهم الصادق الأمين حب اللغة العربية التي أنزل بها كتابه وتكلم بها رسوله، وإذا كانت هناك أمة يجب أن تَعْنىَ بلغتها فتلك هي الأمة الإسلامية، لأن لغة الأمة الإسلامية هي لغة القرآن الكريم، التي اختارها رب العالمين ليحقق بها معجزته الأخيرة التي نَزَّلَـهَا على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله، ويجب علينا أن نفهم بأن المسلمين الأوائل حين كانوا ينشرون الإسلام كان ينشرون معه لغته، فكانوا يُعَلِّمُونَ الناس في نفس الوقت الإسلام واللغة العربية اللذين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر إلا بهلاكهما.
المراجع:
-تحت راية القرآن لمصطفى صادق الرافعي
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 1 –شتنبر 1987
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 2 –يوليوز 1987
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 3 –غشت 1987
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 11 –أبريل 1988
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 13 –يونيو 1988
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 15 –غشت 1988
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 16 –شتنبر 1988
-مجلة الوعي اللبنانية عدد 21 –يناير 1989
أقول في عظمة اللغة العربية:
-إنني أشهد من خبرتي الذاتية أنه ليس ثمة من بين اللغات التي أعرفها لغة تكاد تقترب من العربية سواء في طاقتها البيانية أم في قدرتها على أن تخترق مستويات الفهم والإدراك، وأن تنفذ وبشكل مباشر إلى المشاعر والأحاسيس تاركة أعمق الأثر فيها.
الكاتب الأمريكي روفائيل بتي
-اللغة العربية من أغنى لغات العالم بل هي أرقى من لغات أوروبا، لأنها تتضمن كل أدوات التعبير في أصولها، في حين أن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وسواها قد تحدرت من لغات ميتة، وإني لأعجب لفئة كثيرة من أبناء الشرق العربي يتظاهر أفرادها بتفهم الثقافات الغربية ويخدعون أنفسهم ليُقال عنهم أنهم متمدنون!!.
الإسباني فيلا سبازا
-اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال، وهذا أغرب ما وقع في تاريخ البشر، فليس لها طفولة ولا شيخوخة.
المؤرخ والكاتب الفرنسي إرنست رينان  
-اللغة العربية أغنى لغات العالم .
 الألماني فريتاغ
-إن للعربية ليناً ومرونةً يمكنانها من التكيف وفقاً لمقتضيات العصر.
 وليم ورك
-العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة .
عبد الوهاب محمد عزام
-إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقةً أو حكماً.
مصطفى صادق الرافعي
-اللغة العربية أسهل اللغات البشرية تعلمًا وخاصة للمبتدئين لأن المكتوب هو المنطوق وأن حركات الضبط القصيرة والطويلة تساعد تمامًا على النطق الجيد، بعكس اللغات الأوربية فقد تنطق اللفظة بما لا يتفق مع صورة كتابتها، وقد تشمل الكلمة على حروف لا تنطق قد تصل الى نصف عدد حروف اللفظة.
فخري محمد صالح
-والله لأَنْ أُهْجَى بالعربية، أحبُّ إليَّ مِن أَن أُمْدَحَ بالفارسية!.

العالم الموسوعة الفارسي المسلم أبو الريحان البيروني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق