إشكالية الحاكم والرعية

قال الوزير في بعض الليالي: والله لقد ضاق صدري بالغيظ مما يَبْلُغُنِي عن العامة من خَوْضِهَا في حديثنا، وَذِكْرِها أمورنا، وَتَتَبُّعِهَا لأسرارنا، وما أدري ما أصنع بها، وإني لَأَهُمُّ في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنةٍ وأيدٍ وأرجلٍ وتنكيل شديد، لعل ذلك يفرض الـهَيْبَةَ، ويقطع هذه العادة، قاتلهم الله، مالهم لا يُقْبِلُونَ على شؤونهم ومعيشتهم؟ ولم يُنَقِّبُونَ عما ليس لهم، ويُرْجِفُونَ بما لا يـُجْدِي عليهم؟ وإني لأعجب من شغفهم بهذا الخُلُقِ حتى كأنه من الفرائض المحتومة، وقد تكرر منا الزَّجْرُ حتى تَعَايَى عَلَيَّ الأمر وَأُغْلِقَ دوني بابُهُ.
فقلت: أيها الوزير، عندي في هذا الأمر جوابان: أحدهما ما سمعت من شيخنا أبي سليمان، والآخر مما سمعته من شيخ صوفي، وفي الجوابين فائدتان عظيمتان، ولكن الجملة خَشْنَاءُ وفيها بعض الغِلْظَةِ، والحق مُرٌّ، ومن تَوَخَّى الحقَّ احتمل مَرَارَتَهُ.
قال الوزير: فاذكر الجوابين وإن كانا غليظين، فليس يُنْتَفَعُ بالدواء إلا بالصبر على بَشَاعَتِهِ، قلت: أما أبو سليمان فإنه قال: ليس ينبغي لمن كان الله عز وجل جعله سائس الناس عامَّتِهم وخاصَّتِهم، وعالـِمِهم وجاهِلِهم، وضعيفِهِم وقويِّهِم، أن يضجر مما يبلغه عنهم لأسباب كثيرة، منها: أن عقله فوق عقولهم، وصبره أَتَمُّ من صبرهم، ومنهم أنهم إنما جُعِلوا تحت قدرته، ونِيطوا بتدبيره، ليقومَ بحق الله فيهم، ويَصْبِرَ على جهلِ جاهِلِهم، ويكون عمادُ حاله معهم الرِّفْقُ بهم، والقيام بمصالحهم، والـمَلِكُ والدٌ كبيرٌ، كما أن الوَالِدَ مَلِكٌ صغيرٌ، وما يجب على الوالد في سياسة ولده والرفق به، أكثر مما يجب على الولد في طاعة والده، وذلك لأن الولد غِرٌّ، وقريب العهد بِالكَوْنِ، وَعَارٍ من التَّجْرِبَةِ، وما لـَهِجَتِ العَامَّةُ بِتَعَرُّفِ حال سَائِسِهَا حتى تكون على بَيَانٍ من رفاهة عيشها، وطيب حياتها، بالأمن الفاشي بينها، والعدل الفائض عليها، والخير المجلوب إليها، وهذا أمر جارٍ على نظام الطبيعة، ومندوب إليه أيضا في أحكام الشريعة.
ولو قالت الرعية لسلطانها: لِمَ لا نخوض في حديثك، ولا نبحث في غيب أمرك، ولِمَ لا نسأل عن دينك وعادتك وسِيرَتِك، ولِمَ لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك، ومصالـِحُنا مُتَعَلِّقَةٌ بك، وخيراتنا مُتَوَقَّعَةٌ من جهتك؟ أما كان يعلم أن الرَّعِيَّةَ مُصِيبَةٌ في دَعْوَاهَا؟
ولو قالت الرعية أيضا: ولم لا نبحث عن أمرك؟ ولم لا تسمع كل غَثٍّ وسمين منا، وقد مَلَكْتَ نَوَاصينَا، وسكنت ديارنا، وَصَادَدْتَنَا على أموالنا، وَقَاسَـمْتَنَا مَواريثنا، وأنسيتنا رفاهة العيش، وطيب الحياة، وطمأنينة القلب، فَطُرُقُنَا مـَخُوفَةٌ، وَنِعَمُنَا مَسْلُوبَةٌ، وَحَرِيـمُنَا مُسْتَبَاحٌ، وَنَقْدُنَا زَائِفٌ، وَمُعَامَلَتُنَا سَيِّئَةٌ، وَجُنْدِيُّنَا مُتَغَطْرِسٌ، وَشُرْطِيُّنَا مُنْحَرِفٌ، وَمَسَاجِدُنَا خَرِبَةٌ، وَأَعْدَاؤُنَا عَلَيْنَا مُسْتَكْلِبَةٌ، وَعُيُونُنَا دَامِعَةٌ، وَصُدُورُنَا مَغِيظَةٌ، وَبَلِيَّتُنَا مُتَّصِلَةٌ، وَفَرَحُنَا مَعْدُومٌ، ما كان الجواب أيضا عما قالت الرعية وعما لم تقُلْ، هَيْبَةً لَكَ، وَخَوْفاً عَلَى أَنْفُسِهَا مِنْ سَطْوَتِكَ وَصَوْلَتِكَ؟  
وقد حُكِيَ أنه رُفِعَ إلى الحاكم المعتضد أن طائفة من الناس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكان شيخٍ تَبَّانٍ، ويخوضون في الفضول والأراجيف، وفيهم قوم سراة وأهل بيوتات، سوى من سيترق السمع منهم من خاصة الناس، فلما عرف المعتضد ذلك ضاق درعا وامتلأ غيظاً، ودعا بعبيد الله بن سليمان وسأله: ما الدواء؟ فقال عبيد الله: تتقدم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فَإِنَّ العُقُوبَةَ إذَا اخْتَلَفَتْ كَانَ الـهَوْلُ أَشَدُّ وَالـهَيْبَةُ أَفْشَى، فقال المعتضد-وكان أعقل من الوزير-: والله لقد بَرَّدْتَ لهيب غضبي بِفَوْرَتِكَ هذه، وَنَقَلْتَنِي إلى اللين بعد الغِلْظَةِ، وما ظننت أنك تَسْتَجِيزُ  هذا في دينك ومروءتك، ولو أمرتك ببعض ما رأيتَ بعقلك لكان من حُسْنِ المؤازرة والنظر للرعية أن تسألني الكَفَّ عن الجَهْلِ، وَتـَحُثَّنِي على الـحِلْمِ، وَتُـحِبِّبَ إِلَيَّ الصَّفْحَ، وَتُرَغِّبَنِي في فضل الإغْضَاءِ على هذه الأشياء، أما تَعلمُ أن الرَّعِيَّةَ وَدِيعَةُ الله عند سُلْطانها؟ وأن الله يُسَائِلُهُ عنها كيف سُسْتَهَا؟ ألا تدري أن أحداً من الرعية لا يقول ما يقول إلا لِظُلْمٍ لـَحِقَهُ أو لـَحِقَ جَارَهُ؟ وكيف نقول لهم: كونوا صالحين مُقْبِلِينَ على مَعَايِشِكُمْ، غير خائضين في حديثنا، والعرب تقول في كلامها: غَلَبَنَا السُّلْطَانُ فَلَبِسَ فَرْوَتَنَا، وَأَكَلَ خُضْرَتَنَا، وإنما يـُحْتَمَلُ السيد إذا كان  العيش في كَنَفِهِ رافها، والأمل فيه قويا، والصدر عليه بارداً؟ والله ما الرأي ما رأيتَ أيها الوزير، وَجِّهْ صاحبَك وليكن ذا خبرةٍ ورفقٍ، ومعروفا بخيرٍ وصِدْقٍ، حتى يَعْرِفَ حال هذه الطائفة، ويَقِفَ على شأن كل واحد منها في مَعَايِشِهِ، فمن كان يصلح للعمل فأَلْـحِقْهُ به، ومن كان سيء الحال فاعطه من بيت المال بما يُعِيدُ نُضْرَةَ حَالِهِ، ومن لم يكن من هذا الرَّهْطِ، وهو غنيٌّ مَكْفِيٌّ، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التَّبَّانِ التَّبَخْتُرُ وَالزَّهْوُ، فَادْعُ به وانصحه ولاطفه، وقل له: إن لَفْظَكَ مَسْمُوعٌ وَكَلاَمُكَ مَرْفُوعٌ، ومتى وقف الحاكم على كُنْهِ ذلك منك لم تـَجِدْكَ إِلاَّ في عَرْصَةِ الـمَقَابِرِ، فَاسْتَأْنِفْ لنفسك سِيرَةً تَسْلَمُ بها من سُلْطَانِكَ.
وفارق الوزير الحاكم، وعمل بما أُمِرَ به، وتقدم إلى الشيخ التَّبَّانِ بِرَفْعِ حال من يَقْعُدُ عنده، حتى يُوسَى إن كان محتاجاً، وَيُصَرَّفَ إن كان مُتَعَطِّلاً، وَيُنْصَحَ إن كان متعقِّلاً.
وقد حدثني شيخ من الصوفية قال: كنت بنيسابور سنة سبعين وثلاثمائة، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة، وتبلبلت دولة آل سامان بالجور وطول المدة، وغلا السِّعْرُ، وَأُخِيفَتِ السُّبُلُ، وَكَثُرَ الإِرْجَافُ، وَسَاءَتِ الظُّنُونُ، وَضَجَّتِ العَامَّةُ، وكنا جماعة من الغرباء قد ضاقت صدورنا بهذه الأحوال، وَقُلْنَا كَأَنَّا والله أَرْبَابُ ضِيَاعٍ وَأَصْحَابُ نِعَمٍ نخاف عليها الغَارَةَ والنَّهْبَ وما علينا من وِلاَيَةِ زَيْدٍ وَعَزْلِ عَمْرُو وَهَلاَكِ بكْرٍ ونجاة بَشَرٍ؟ نحن قومٌ قد رضينا في هذه الدنيا بِكِسْرَةٍ يَابِسَةٍ، وَخِرْقَةٍ بَالِيَّةٍ، مع العافية من بَلاَيَا طُلاَّبِ الدُّنْيَا، فما هذا الذي يعترينا من هذه الأحاديث التي ليست لنا فيها نَاقَةٌ وَلاَ جَمَلُ، وَلاَ حَظٌّ وَلاَ أَمَلُ؟ قوموا بنا غدا نزور أبا زكرياء الزاهد، ونظل نهارنا عنده لاهين عما نحن فيه.
فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء، فلما دخلنا رَحَّبَ بنا، وفرح بزيارتنا، وقال: ما أَشْوَقَنِي إليكم، حدثوني بالذي سمعتم، وماذا بلغكم من حديث الناس وأمر هؤلاء السلاطين، فما لي والله مرعىً في هذه الأيام إلا ما اتصل بحديثهم.
فلما وَرَدَ علينا من هذا الزاهد العابد ما وَرَدَ دُهِشْنَا وَاسْتَوْحَشْنَا، وقلنا في أنفسنا: انظروا من أي شيء هربنا، وبأي شيء عَلِقْنَا، فَخَفَّفْنَا الحديث واَنْسَلَلْنَا، فلما خرجنا قلنا: ميلوا بنا إلى أبي عمرو الزاهد، فله فضلٌ وعِبادَةٌ وعِلمٌ وَتَفَرُّدٌ في صومعته، ووصلنا إليه فَسُرَّ بحضورنا وقال: يا أصحابنا، ما عندكم من حديث الناس؟ فقد والله طال عَطَشِي إلى شيء أسمعه، ولم يدخل عَلَيَّ اليومَ أحَدٌ أَسْتَخْبِرُهُ، وإن أُذُنِ لدى الباب لأسمع قرعة أو أعرف حادثة، فهاتوا ما عندكم، فعجبنا منه، وخاطفناه الحديث، ثم ودعناه وخرجنا.
وأقبل بعضنا على بعض يقول: أرأيتم أظرف من أمرنا، انطلقوا بنا إلى أبي الحسن الضرير، فإنا لا نجد سكوننا إلا معه، لقلة فكره في الدنيا وأهلها، فدخلنا عليه، فأقبل على كل واحد منا يلمسه بيده ويرحب به، ثم قال: أمن السماء نزلتم عَلَيَّ؟ ما عندكم من أحاديث الناس؟ وما الشائع من الأخبار؟ وما الذي يتهامس به الناس؟ فودعناه ومضينا، وَطَفَقْنَا نتلاوم فيما بيننا على زيارتنا لهؤلاء الأقوام، فلقينا في الطريق شيخا من الحكماء يسمى أبو الحسن العامري، فقصصنا عليه قصتنا من أولها إلى آخرها، فقال لنا: إنِـَّمَا غَرَّكُمْ ظَنُّكُمْ بِالزُّهَّادِ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العَامَّةِ، لأنهم الخاصة، وَمِنَ الخَاصَّةِ خَاصَّةُ الخَاصَّةِ.
قلنا له: فَإِنْ رَأَيْتَ يَا مُعَلِّمَ الـخَيْرِ أَنْ تَكْشِفَ لَنَا عَنِ الغِطَاءِ، فقال: نعم، أَمَّا العَامَّةُ فَإِنَّهَا تَلْهَجُ بـِحَدِيثِ كُبَرَائِهَا وَسَاسَتِهَا لـِمَا تَرْجُو مِنْ رَخَاءِ العَيْشِ وَنِفَاقِ السُّوقِ، وأما هذه الطَّائِفَةُ العَارِفَةُ باللهِ، فإنها أيضاً مُولَعَةٌ بحديث الأُمَرَاءِ الجَبَابِرَةِ العُظَمَاءِ، لتقف على تصاريف قدرة الله فيهم، وجريان أحكامه عليهم، أَلاَ ترونه جل ثناؤه قال: "حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون".
وبهذا الاعتبار يَسْتَنْبِطُونَ خَوَاِفيَّ حِكْمَتِهِ، ويَطَّلِعُونَ عَلَى تَتَابُعِ نِعْمَتِهِ وَغَرَائِبِ نِقْمَتِهِ، وها هنا يعلمون أن كل مُلكٍ سوى مُلْكِ الله زائلٌ، وكل نَعِيمِ غير نَعِيمِ الـجَنَّةِ حَائلٌ، ويصير هذا كله سببا قويا لهم في الضَّرَعِ لله واللِّيَّاذِ به، وبين الخاصة والعامة في هذه الحال وفي غيرها فرق، وقد يتشابه الرجلان في فِعْلٍ وأحدهما مذمومٌ والآخر محمودٌ، وقد رأينا مُصَلِّيّاً إلى القبلة وقلبه مُعَلَّقٌ بإخلاص العبادة، وآخر إلى جانبه يصلي وقلبه في اسْتِلاَلِ ما في كُمِّ الآخر، فَلاَ تَنْظُرُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ظَاهِرِهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَصِلُوا بِنَظَرِكُمْ إِلَى بَاطِنِهِ.
فلما سمع الوزير هذا تعجب وقال: لا أدري أكلام أبي سليمان في ذلك الاحتجاج أبلغ، أم الحكاية عن المعتضد أشفى، أم رواية الشيخ الصوفي أطرف، وما علمت أن في البحث عن سر الإرجاف هذه اللطيفة الخفية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق