فِي مَمْلَكةِ العُمْيِ العُورُ مُلُوكٌ

تحريم الربا فريضة التزم بها الإسلام دون بقية الشرائع والأديان حتى في التعامل مع غير المسلمين، لأنها فريضة لا يمكن أداؤها في أي نظام آخر غير نظام الإدارة الجماعية في الإسلام، فرأس المال يستطيع أن يحقق ربحاً بطريقتين:
الأولى: أن يستثمر في قطاعات إنتاجية مثل الزراعة والصناعة والصحة والتعليم ويحقق ربحاً قد يزيد على سعر الفائدة، لكن الإسلام يعتبره من الربح الحلال،
الثانية : أن يستثمر رأس المال في قطاعات لا تقوم على الإنتاج بل على الاستغلال في مشروعات وهمية مُخْتلَقة من العدم مثل تمويل نوادي القمار وبيوت الدعارة ومصانع التبغ والخمور والسلاح، وفي هذا المجال قد ينقص ربح رأس المال عن سعر الفائدة لكن الإسلام يعتبره كسباً حراماً على أية حال، قاعدة هذا التشريع أن الإسلام ينظر إلى رأس المال من حيث موقعه في خدمة الجماعة، فالربح الحلال هو ثمرة الاستثمار الصحيح لسد حاجات الناس الحقيقية، والربح الحرام هو استغلالهم لمصلحة رأس المال بخلق حاجات وهمية وضارة في مجتمعهم.
إن الدعوة الشائعة الآن، لإلغاء سعر الفائدة من المصارف الإسلامية لا تضع في اعتبارها هذا الفرق الأساسي بين التمويل الصحيح وبين التمويل الضار، بل تنادي بإلغاء سعر الفائدة من أساسه، وهي دعوة مُريبة تقول على لسان الإسلام ما لم يقله الإسلام، وتلعب بالنار في عالم رأسمالي مفتوح لتهريب أموال الفقراء إلى مصارف الغرب، وبسبب ذلك نتج الفقر في أغلب الأمصار الإسلامية في عالم  اليوم.
والواقع أن تسمية "البنك الإسلامي" تسمية غير إسلامية أصلاً لا يتورط فيها سوى مستشرق متنكر في ثياب فقيه، لأن الإسلام لا يملك بنوكاً بل يملك إدارة، ومن دون هذه الإدارة لا شيء يفرق بين الحلال والحرام، أما الدعوة إلى تطبيق حدود الشريعة - من دون نظام الإدارة الجماعية – فهي دعوة سياسية لا علاقة لها بالدين، هدفها أن تعلق في عنق المواطن مسؤولية ما يفعله جهاز القضاء في الدولة من دون أن تعترف لهذا المواطن بحقه في الإشراف على سير التحقيق وسير المحاكمة.
إن قطع يد السارق لا يصبح تطبيقاً لحدود الدين إلا بموجب شرع جماعي يكفل نزاهة التحقيق والقضاء ويكفل أن يسري القانون فعلاً على جميع الأيدي السارقة من دون استثناء، وفي غياب الشرع الجماعي - الذي انتهى مع انتهاء عهد الخلفاء الراشدين - كان القضاة المسلمون يصلبون صغار اللصوص من طراز سعدون الشاطر في أسواق بغداد، عندما كان المعتصم ينهب مال الناس بكلتا يديه لكي يدفع رواتب جيش كامل من حراسه الأتراك، ويبني لهم مدينة جديدة في سامراء، أما المكتفي فقد جمع في خزانته -كما قال المقريزي- 63 ألف قطعة من الأثواب الخرسانية بالإضافة إلى 13 ألف عمامة و8 آلاف من البطائن التي تُحمل من كرمان في أنابيب القصب و18 ألف من الأبسطة الأرمينية، فيما يسجل ابن خلكان ثروة واحد من حراس من يسمون أنفسهم ظلما وبهتانا بالخلفاء، وهو الأمير سيف الدين تكنـز على النحو التالي: 19 رطلاًً من الزمرد والياقوت، و1250 حبة لؤلؤ كبيرة مدورة، و240 ألف مثقال من الذهب، و10 ملايين درهم فضة، و4 قناطير مصرية من المصاغ والعقود، و6 قناطير فضيات (1,200,000 دينار)، أما السيدة الخيزران والدة هارون الرشيد فبلغت ثروتها -كما ذكر المسعودي وابن الأثير- 160 مليون درهم، والسيدة قبيحة أم المعتز فبلغت ثروتها 2 ملايين دينار بالإضافة إلىى ما أورده الطبري عن جواهرها الشهيرة، ومنها مكوك من الزمرد ونصف مكوك لؤلؤ كبير ونحو كليجة ياقوت أحمر ثمنها مليون دينار.
إن القاضي الذي يتغاضى عن مثل هذه الجرائم الإقتصادية ويتطوع لمطاردة صغار اللصوص الجائعين في الأسواق باسم تطبيق الحدود الإسلامية، رجل لا يستطيع أن يحمي الناس ممن يسرقهم علناً، ولم يكلفه القرآن أصلاً بمهمة تطبيق الحدود، فالتكليف صادر إلى الجماعة بضمير الجماعة وليس إلى قاض وحيد، وما دام الناس خارج السلطة فإن ذلك في حد ذاته يعطل تلقائياً إقامة بقية الحدود.

ضفاف متوهحة بتصرف عن"محنة ثقافة مزورة"
للكاتب الليبي الراحل الصادق النيهوم رحمه الله
هوامش:
1-"فِي مـَمْلَكَةِ العُمْيِ العُورُ مُلُوكٌ" مقولة للفيلسوف الهولندي 'دسيدريوس إرازموس' (1469-1536)، وتعني هذه المقولة أن الشخص ذو المعرفة الضئيلة والذكاء الضعيف يبدو في نظر المحيطين به من الجهلة والأغبياء عبقريا فريدا. 
2- رطل   : الرطل يساوي 450 جرام
3- مثقال : يساوي 4.680 جرام ( وزن 65 حبة شعير)
4- درهم  :يساوي 3.125 جرام ( وزن 48 حبة شعير)
5-مكوك  : طاس للشرب أعلاه ضيق ووسطه واسع
6-كليجة : كلمة فارسية تعني القرص الصغير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق