أسباب هزائم المسلمين وتقهقرهم عبر التاريخ كانت بسبب الغنيمة والوزيعة

على مدار التاريخ البشري لم تُسَلِّمْ الطبقة الأرستقراطية وطبقة الأعيان بنفاقها، ولم تكن على دِرَايَةٍ بـِجُبْنِهَا، وكانت دائما تَتَخَفَّى بأَرِيـحِيَّةٍ وراء وضع التسويات السياسية التي تعتمد على وزيعة الثروة والسلطة واقتسام الغنائم، من أجل ضمان فتات الموائد مما يجود به عليها أولي النعمة والقابضون بزمام الحكم، ولعل أي مطلع على أحداث التاريخ سواء لذى المسلمين أو النصارى أو اليهود سوف يقف على هذه الحقيقة المرة التي لا يمكن إخفاؤها في أي حال من الأحوال، ومن أجل الوزيعة والغنيمة كان وما انفك الناس يتناهشون ويتفانون فيما بينهم طوال حياتهم، لذلك لم يكن بوسع أحدهم أن ينتفض يوما ما على الظلم  والقهر والاستبداد حتى ولو فاضت ضمائرهم إن بقيت لهم ضمائر حتى حوافيها عارا وندما، لأنهم مسلسلون ماديا ومعنويا ومشغولون بأمور الوزيعة والغنيمة.
لقد بدأت أولى هزائم المسلمين بسبب الغنيمة، ولقد وقفوا مرغمين عند آخر مدى وصلت إليه (فتوحاتهم) بسبب الغنيمة كذلك!‏‏ فقصة الغنيمة ‏‏هي قصة الهزيمة في تاريخ المسلمين بكل ما في الكلمة من معنى، ‏ كان قائد المعركة الأولى هو الرسول عليه الصلاة والسلام،‏ وخالف الرماة أمره، وخافوا من أن تضيع فرصتهم في الوزيعة والغنيمة  فكانت ‏معركة‏ أحد،‏ وشهد الجبل العظيم استشهاد سبعين رجلا من خيرة المسلمين ‏بسبب الغنيمة ، نعم بسبب الغنيمة ‏!‏‏!.
‏ومنذ ذلك التاريخ جرت مياه كثيرة تحت الجسر، ودار الزمان على دارا وقاتله وأَمَّ كسرى فما أواه إيوان، وجاء الدور هذه المرة على قائد المعركة الأخيرة ‏عبدالرحمن الغافقي في الأنفاس الأخيرة من أمجاد المسلمين، ‏وكان آخر مسلم قاد جيشا إسلاميا منظما محكما لاجتياز جبال البرانس (لفتح) فرنسا والتوغل بعد ذلك في قلب أوروبا، فهُزِمَ الغافقي هزيمة مدوية، ‏وسقط شهيدا في ساحة ‏ بلاط الشهداء، ‏ إحدى المعارك الخالدة الفاصلة في التاريخ الإسلامي،‏ وكان ذلك لنفس السبب أي بسبب بنت الحرام الغنيمة، وبذلك تداعت أحلام المسلمين في (فتح) أوربا، فعادوا مهزومين صاغرين من حيث أتوا، وطووا صفحتهم في هذا الطريق إلى الأبد.
إن الدول تصنع الأسلحة وتنجز الطرق والبنيات التحتية وتوفر الشغل وتعمل على استثئاب الأمن، ولكنها تبقى خرساء صامتة إزاء تكبيل حريات الناس، وأمام إفراغ صناديقها من طرف الطبقة المتحكمة، ويصل بها الأمر أحيانا أن تقف عاجزة أمام الظلم المسلط على رقاب المستضعفين، غير أن هذا الأمر يجب  ألا يكون ذريعة لعدول كل المظلومين والمقهورين والمحكَورين على الاحتجاج والمطالبة بالكرامة أولا وقبل كل شيء قبل العدل والعدالة الاجتماعية.
فإن صمتت الدول عن سرطانات الفساد التي تركتها ترتع في أحشاءها حينا من الدهر حتى تمكنت من أجسادها ومن التغلغل في كل مؤسساتها  وأجهزتها على المستويين الأفقي والعمودي، فإنها سوف تُفني المجتمعات المريضة المتهالكة المتداعية البنيان والمتفسخة العلاقات الاجتماعية، وتأتي على الأخضر واليابس، إن لم  يتم استئصال هذه السرطانات التي تعتاش على الغنائم والوزائع، حتى لو اقتضى الأمر استخدام جرعات عالية ومركزة من العلاج الكيماوي،  والإنسان الحكيم في أوقات الأزمات الخانقة والمحن العظمى التي تهدد صيرورة  المجتمعات هو الذي يضحي بالبعض ممن سمن وانتفخ  كي يعيش الكل ويحافظ على توازن السفينة حتى لا تغرق بكل من فيها.
إن الذين يسقطون في هاوية البحث عن الغنيمة والوزيعة، وبريق الذهب ورنين النقوذ، وشهوة النهود، والمصالح الأنانية الفردية، لا يمكنهم أن ينجحوا مطلقا في رفع راية عقيدة أو حضارة، ولا يمكن في كل الأحوال ائتمانهم على عهد أو وطن، بل ليس باستطاعتهم أن يرعوا حتى مجموعة صغيرة من الخرفان، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق