تقريب الفساد من المواطنين

لاَ يَرْتَضِي الــــذُّلَّ أَنْ يَــنْــزِلَ بِهِ أَبَـــــداً       إِلاَّ الـجَبَانُ الوَضِـــــيعُ النَّفْسِ وَالشِّيَّـــمِ
وَلاَ يَــــقَــــــرُّ عَلَى ضَيْــــمٍ سِـــَـوى رَجُلٍ       لـَمْ يَدْرِ مَا الـمـَجْدُ فِي مَعْنىَ وَلاَ كَلِمِ*

تَحَكَّمَتِ اليَهُودُ عَلَى الــــفُــــرُوجِ     وَتَاهَتْ بِالْبِغـَــــــــالِ وَبِالسُّـــــــرُوجِ
وَقَامَتْ دَوْلَــــــــةُ الأَنْـــــــــــــذَالِ فِينَا    وَصَارَ الــــحُكْــــــمُ فِينَا لِلْعُــــلُـــــــوجِ
فَقُلْ لِلْأَعْــــــــــــوَرِ الدَّجَّالِ هَــــــذَا    زَمَانُكَ إِنْ عَزَمْتَ عَلَى الخُرُوجِ
                                                                            الشاعر ابن الجد
مَضَى الأَحْرَارُ وَانْقَرَضُوا جَمِيعاً     وَخَلَّفَنِي الزَّمَانُ عَلَى العُلُوجِ
وَقَالُوا لِي: لَزِمْتَ البَيْتَ جِـــــدّاً    فَقُلْتُ: لِفَقْدِ فَائِدَةِ الـخُرُوجِ
لطالما سمعت الكثير من الخطابات الرنانة من أفواه السياسيين والـمُنتَخَبِين ورجال القانون عن تقريب الإدارة من المواطنين، وعلى أن الإدارة دائما وأبدا في خدمة المواطن (الخدمة الأخرى التي على بالكم)، وليس العكس أي المواطن في خدمة الإدارة كما هو واقع الحال، وعن تصالح المواطن مع العمل السياسي وبناء جسور الثقة ما بين المواطن والإدارة، وعن تأهيل الموظفين من 'العبيد المشرطين الأحناك' ليكونوا قادرين على تحمل المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقهم، تلكم الأمانة العظمى التي عُرِضَتْ على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، غير أنني وقفت على أن كل  تلك العجعجة ليست سوى مجرد شعارات وأحجيات لتنويم المغفلين، تعب منها أسلافنا الأولون منذ عهد آدم عليه السلام، وتعبنا منها نحن الآخرون من بعدهم في سماعها، ولم نجد لها أثرا يذكر على أرض الواقع.
فبالله عليكم كيف يمكن لموظف مهلوك ومتداعي الأركان ماديا ومعنويا، وغير محفز إطلاقا  أن يكون نشطا نزيها عفيفا وديمقراطيا حتى مع نفسه ومع عائلته؟ وبالله عليكم كيف يمكن للناس قضاء مآربهم المستعجلة وسط كل هذا الخليط الهجين من تداخل الاختصاصات بين مؤسسات الدولة والجماعات  المحلية والسلطة، وكل يرمي بالكرة في ملعب الآخر فقط للتخلص منها، لدرجة أن المواطن الذي شاءت الأقدار  أن يولد مستضعفا ومقهورا في بلد لا يولي للعنصر البشري أدنى اهتمام يصاب بالدوار، ويفقد توازنه النفسي والعقلي بمجرد وقوفه بباب إدارة من إداراتنا المصونات، أما إذا دخل إلى مغارة علي بابا والأربعين حرامي فإنه مرضي الوالدين ومحظوظ إن خرج بجيوبه سالمة، وهذا لعمري هو منتهى الإفلاس التام لكل ما يمت للإدارة بصلة، عندما تُفتقد الثقة والمصداقية والشفافية والنزاهة والمساواة في معاملة الإدارات للمواطنين.
كنت أنتظر أن يتم تفعيل شعار تقريب الإدارة من المواطنين، يعني أن تنزل الإدارة من كرسيها العاجي كي تلمس عن كثب المشاكل التي ينام ويستفيق عليها المستضعفون، وأن تتعامل مع شكاياتهم وتظلماتهم التي لا تعد ولا تحصى بكل أبعاد المسؤولية والمواطنة الحقة، وأن تعطى الأسبقية والأولية في كل شيء للمغاربة قبل غيرهم، وليس لليهود والنصارى كما هوا واقع الحال، الذين أصبحوا هم أسياد البلد بدون منازع.
 وصارت الأمور كما يبتغي الفاسدون المفسدون الذين بلغوا علوا في الأرض ما بعده علو، حتى استفاق أخيرا بعد سبات عميق المستضعفون من المغلوبين عن أمورهم من غفلتهم على واقع كابوس مزعج وخطير في تقريب الفساد من المواطيين عفوا  المواطنين، إذ أضحت أزقتنا ودروب مدينتنا المستباحة ليلا ونهارا تعج بالمنحرفين والمقرقبين (القرقوبي نوع من العقاقير العالية التخدير)، ومتعاطي الكحول، واللصوص، وبائعي الحشيش والغبرة (الغبرة أي الهيرويين والكوكايين)، والسكارى وقطاع الطرق، والقحاب، والشواذ، واللواطيين، ومستغلي الأطفال جنسيا، وعبيد اليهود والنصارى من الـمُسْتَخْدَمين بدور الضيافة الذين  أضحوا لا يبرحون أزقة ودروب المدينة بالليل والنهار، مما شكل سابقة منكرة ونقطة سوداء في تاريخ هذه المدينة المستباحة، والتي لم تعهد قط احتلال أزقتها وشوارعها من طرف هؤلاء الوضعاء من أراذل وحثالات المجتمع، الذين يتقاتلون اقتتالا على اليورو والدولار، ويسجدون سجودا حتى تظهر تبابينهم  لليهود والنصارى. 
وإنه لمنتهى الفوضى والتسيب عندما تبلغ الجرأة باللصوص وقطاع الطرق  إلى درجة أن يهجموا على الناس الدراويش أمام منازلهم في وضح النهار، ليسلبوهم لوازمهم وحوافظ نقودهم وهواتفهم، ويتركون على أجسادهم جروحا غائرة أو عاهات مستديمة، وإنه منتهى الوقاحة والجسارة على الدولة أن يبيع في العلن مروجو الحشيش والغبرة  سمومهم حتى أمام المدارس والثانويات، وأن تنفث مقاهي الشيشة دخان عوادمها الملوثة على السكان المجاورين، الذين اشتكوا حتى بحت أصواتهم ونشف ريقهم، ولقد أَسْمَعْتَ لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي.
وما قدهم فيل زادوه فيلة' حين عمدت السلطات التي تسمى نفسها مختصة منذ مطلع الألفية الثالثة إلى الترخيص بفتح  مايسمى بدور الضيافة وسط دروب آهلة بالعائلات تشجيعا للاستهتار عفوا للاستحمار عفوا للاستثمار والسياحة كما يدعي كذبا وبهتانا الانتهازيون والمنتفعون على مختلف درجاتهم من هذه الدور، وليست في حقيقة الأمر سوى دور للإفساد والفساد العظيم، نظرا للدور الهدام الذي تلعبه في تخريب كل ما تبقى من وشائج القربى بين الناس والجار الجنب، وفتح شر مستطير لن ينفع معه مسكن ولا دواء، إضافة إلى الشرخ الخطير الذي أحدثته هذه الأوكار الخبيثة في النسيج الإجتماعي المحافظ للمدينة العتيقة في تواطئ صارخ مع السطات التي رخصت بهاته القنابل الموقوتة وسط دروب آهلة بالسكان، وفي تواطئ صارخ أيضا للسلطات المنوط بها مراقبة التجاوزات الصارخة والفوضى العارمة التي تعمل فيها هذه الدور بدون رادع، من خلال تقديمها للخمور سرا بدون ترخيص، واستقبالها للقحاب من كل الملل والنحل، وإقامة السهرات والأمسيات الماجنة والصاخبة حتى الساعات الأولى من الفجر، والعمل طيلة الأسبوع ليلا ونهارا دون توقف، وتعاملها مع (مرشدين) سياحيين غير مرخصين لجلب من يسمون بالزبائن أو الهموز كما يسمونهم هؤلاء الحثالات، والتجمهر الليلي والنهاري المهين أمام منازل الناس مع استعمال  الهواتف النقالة من طرف خدم وعبدان هذه الدور.
أما عن العلب الليلية والخمارات والمواخير ومقاهي الشيشية فقد تكاثرت بالمدينة الحمراء التي بدأ لونها يميل إلى السواد، لدرجة أن جميع حثالات اليهود والنصارى والمغاربة المتغربين الفاسدين شدوا إليها  الرحال من كل فجاج الدنيا للعبث والفسق والمجون، فبدأت مساجد المدينة تحت ضغط الفساد العظيم تستغيث وتصيح بأعلى صوتها واتاشفيناه..واتاشفيناه..واتاشفيناه !!! 
هوامش:
كَلِم: كلام الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق