انحطاط الأخلاق

"لا يمكن استعباد بشر إلا إذا تم تجريده من إنسانيته وسلبه كرامته" ضفاف متوهجة
من البديهي أن للخلق عملاً كبيراً في الحياة الإنسانية يظهر أثره على كل فرد من أفراد النوع والحكم في هذا ثابت بالاستقراء مؤيد بالبداهة لا حاجة بنا إلى الفلسفة فيه وإقامة الدليل عليه، وإنما نريد أن نذكر من أثره في مجموع الأمة ما أُصيب به أهل المشرق من الانحطاط الناشئ عن ضعف الأخلاق وفساد ملكات العلم بوسائل الحياة الطيبة التي يتمتع بها أمم غيرهم.
ولا خلاف بين الباحثين في طبائع الأمم المشتغلين بتقصي أحوال الاجتماع في أن المدينة وإن كانت أثراً جميلاً من آثار ترقي الشعوب وتخلص العقل من قيود التقليد وتخلصه من أسر البداوة إلا أنها مرتع خصيب لجراثيم الأدواء المفضية إلى انحطاط الأمم التي تنو بنمو الحضارة وتتربى في أحضان المدنية، ومن ثم كانت المدنية أشبه بمرتفع ذي سلمين للصاعد والهابط، لا ينتهي صاعده في الصعود حتى يبدأ بالنزول ذلك لأن الاستغراق في المدنية مدعاة للاستغراق في الملاذ بما يتوفر فيها من أسباب الراحة ودواعي الرفاهية وهما مجلبة الفساد الذي يتخلل أعضاء المجتمع فإما أن يتمكن منه فيرديه وإما أن يطاوله فيؤذيه.
وأكثر ما يظهر ذلك الفساد في الأمم العريقة في الحضارة البعيدة العهد بسلامة الفطرة حيث يتناهى بها الضعف الناشئ عن طول عهدها بالملاذ ويتولاها العجز عن مقاومة الفساد المتمكن في النفوس والأخلاق فتصير إلى حالة من الانحطاط تشبه حالة المريض بمرض مُعْدٍ كل من خالطه سرت إليه عدواه.
هذا شأن أمم الشرق التي توغلت في عصور المدنية منذ ابتدأ تاريخ الاجتماع البشري فكانت أقدم الشعوب عهداً بالتمدن لذا صارت إلى ما صارت إليه من الانحطاط وإهمال القيام على التربية الصحيحة التي تقاوم أعراض الضعف المتأتي عن الانغماس في المدنية والإمعان في سبيل الرفاهية، وصار الغرب مع ما توفر فيه من أسباب الترف والحضارة أرسخ قدماً في المدنية وأبعد عن مكان الضعف لجدة مدنيته وقيامها على أصول التربية الصحيحة بما تسنى لأهلها من وجود بعض المخترعات النافعة كالمطابع التي أفادت الغربيين في تعميم العلم وتعليمه فوائد لا تحصى مع أن الطبع وجد قبل ذلك عند الصينيين من أهل المشرق ولم يستفيدوا منه ما استفاده الغربيون في رفع بنيان مدنيتهم على دعائم العلم الصحيح، ذلك لما قلناه من أن أمم المشرق الموغلة في الحضارة قد تولاها الضعف عن النهوض بما أفسد طول أيام حضارتها من أخلاقها منذ عصور بعيدة أو آلاف من السنين حتى صارت من ذلك إلى حال تشبه حال المريض الذي يعدي السليم، وليس فساد الأخلاق في المشرق بقريب عهد بل هو يغلغل فيه من عهد طويل بدليل ما نقل في التاريخ عن أحد قناصل رومية أنه قال إنا وإن غلبنا الشرقيين وهزمناهم ودوخنا ممالكهم إلا أنهم ثأروا منا بأن تركوا لنا مع هذه الممالك أخلاقهم المنحطة.
وفي الحقيقة أن الرومانيين وإن بلغوا من عزة الملك والسلطان باستيلائهم على المشرق ما بلغوه إلا أنهم منذ وطئوا بأقدامهم أرض المشرق خطوا الخطوة الأولى إلى الانحطاط بما تسنى لهم فيه من وسائل الترف التي كانت متوفرة يومئذ عند الشرقيين فغلبت على نفوسهم الشهوات وحب الراحة والتنعم بنعيم أهل المشرق ففسدت فطرتهم البدوية التي مهدت لهم بسلامتها من شائبة الحضارة سبيل الغلبة على القرطاجيين والفرس وغيرهم، والتسلط على الغرب والشرق حتى إذا خالطوا أمم المشرق التي كان لها حظ من الحضارة ولم يحتاطوا لأنفسهم من آفات المدنية الشرقية التي تسممت بفساد الأخلاق سقطوا من حالق مجدهم ذلك السقوط المريع وغشيهم بعد ذلك من الضعف والذل ما ذهب بدولتهم، ومحا من عالم الاجتماع اسمهم، وحسبك أن تعلم مبلغ انحطاط الأخلاق في دولة الرومانيين في المشرق من تعاليم عيسى عليه الصلاة والسلام التي ترمي إلى الزهادة في نعيم الدنيا لتقف بالقوم عن الإمعان في مذاهب الشهوات والاستسلام لمطالب النفوس الهائمة بحب الانطلاق عن كل قيد، وهذا شأن المشرق أيضاً مع من سبق من الرسل أصحاب الشرائع التي جاءت كلها لتقويم أود النفوس وإنما تنزل هذه الشرائع عند الحاجة كما هو معلوم بالضرورة، فكان المشرق لاستحكام الحضارة في أهله وتأصل فساد الأخلاق فيه لم تنقطع حاجته إلى رسول أو شريعة تقوم منآد ساكنيه.
وما أصاب الرومان من مخالطة الأمم المتحضرة من سكان المشرق أصاب العرب أيضاً فهم وإن كانوا من أهل المشرق غير أنهم من شعوبه البدوية التي تسيجت من تطرق الحضارة إليها بسياج واق من الصحاري الشاسعة التي تحيط بجزيرتهم، حتى إذا بعث الله نبياً منهم بشريعة تدعو إلى الخير وترمي إلى تهذيب أخلاق الأمم ونهضوا لنشر هذه الدعوة وتقدموا للفتح كان لهم من سلامة الفطرة وطهارة الأخلاق ممهد عظيم لبسط جناح لسلطة على الممالك القديمة وفي جملتها بقايا مملكة الرومان الشرقية، ولما تمكن لهم السلطان في الأرض واختلطوا بأهل الحضارة والترف من أمم المشرق غلبوا على أخلاقهم وأسرعت عدوى الفساد إليهم فلم يلبثوا إلا جيلاً أو بعض جيل حتى أخلدوا إلى الراحة ونسوا حظاً مما ذكروا به وحملوه من دعوة الخير والإرشاد إلى الأمم فانحطت أخلاقهم وزالت سطوتهم، وذهبت مع الذاهبين دولتهم.
يظن بعضهم أن ما مُنِيَتْ به مدينة الغرب لهذا العهد من فشو الفاحشة والتهتك بين أهلها هو نتيجة الإيغال في الحضارة والنزوع إلى الشهوات وأن فساد الأخلاق المؤذن بتلاشي الأمم إنما هو محصور بمثل هذه الرذائل الفاضحة وليس الأمر كذلك إذ أن هذه الرذائل وإن كانت من نتائج الحضارة ولها أثر قبيح في المجتمعات المدنية فهي بعض من كل ما ندعوه فساد الأخلاق ونراه مظنة انحطاط المشرق وأهله، إذ من المعلوم أن الأخلاق الفاضلة وأضدادها كثيرة جداً كالكرم والبخل، والعفة والشره، والشجاعة والجبن، والصدق والكذب، والأمانة والخيانة إلى غير ذلك من الملكات التي منها ما يكون بالفطرة ومنها ما يكتسب بالتربية وتولده في النفوس البيئة أو الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، وضرر الكذب مثلاً إذا تفشى بين قوم أشد خطراً على حياتهم الاجتماعية من التهتك، لأن الكذب آلة كبيرة من آلات الفساد تهدم ركناً عظيماً من أركان المدنية وهو الثقة التي هي روح التجارة والصناعة في كل عصر ومصر، وكذلك الجبن مثلاً فإنه إذا استحوذ على النفوس أضعفها وانتزع ملكة الإقدام على جلائل الأعمال وحرم أربابها ثمرة الاعتماد على النفس والمجاهدة في سبيل الحياة، وهكذا يُقال في كل خلق من الأخلاق الفاسدة كمال يقال بالعكس في الأخلاق الفاضلة، ومن أطلق على الشر نَظَرَ المتأمل ورأى ما تفشى بين أقوامه من ضعف النفوس، ووهن العزائم، وفقد الثقة والأمانة، والنميمة، والرياء، والكبرياء الباطلة، والعيشة الخاملة، والرضا بالقديم، ومعاداة العلم وغير ذلك من الأخلاق السافلة التي قضت بالشقاء على المشرق وأهله علم أن ما أصاب مدنية المغرب من الاستهتار وشيوع الفاحشة ليس بشيء في جانب ما يرى ثمة من الثقة المتبادلة، والأمانة في المعاملة، والاعتماد على النفس في معترك الحياة، والنزوع إلى المزيد من القوة والعلم والثروة، وحب الحرية، والصدق في العمل والقول، والبعد عن المداهنة والرياء، خصوصاً للقادة والزعماء، وغير ذلك من الأخلاق العالية التي أصبحت سياجاً للمدنية الغربية يقيها سرعة السقوط فيما سقطت فيه المدنية الشرقية من الضعف والفساد.
ورب قائل يقول إن من المحال إذن تخلص الشرقيين من حبائل الانحطاط في الأخلاق واستئصالهم لمرض الضعف الذي نما فيهم بمرور الأجيال، نمو المرض القتال. والجواب عن هذا أن المحال، في الممكنات محال. وإذا نهض أهل المشرق لملافاة ما فات، والنظر فيما هو آت، وانتهجوا سبيل الأناة والتعقل، وكان لهم من القادة ما كان لإخوانهم اليابانيين فليس من المحال حصولهم على مدنية فاضلة تضاهي مدنية الغرب لهذا العهد.
ضفاف متوهجة عن مقال لرفيق العظم
المنشور بمجلة المقتبس العدد الثالث
بتاريخ 24 أبريل 1906 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق