كم أنت متلونة ومتقلبة أيتها الحياة الجاحدة!

أرْسَلْتُ نظراتي إلى أعماق عينيك الساهدتين أيتها الحياة، فَتَوقَّفَ نَبَضَانُ قلبي لما رأيت الذهب متوهجا فيهما، ورأيت مركبا ذهبيا يَشِعُّ على بحر الظلمات يُشَدُّ بِمَهْدٍ مُذَهَّبٍ مُشْرِفٍ على الغَرَقِ.
وَثَبْتُ إليك أيتها الحياة، ولكنك تَرَاجَعْتِ عَنِّي وَتَوَلَّيْتِ، فإذا بغدائر شعرك المتطاير تُسْمِعُنِي فَحِيحَ الأفاعي وَتُرِينِي من أَلْسِنَتِهَا نِصَالاً.
قَفَزْتُ مُتَرَاجِعاً عنك وعن أفاعيك، فإذا بك مُتعالِية تتحولين مُقْبِلَة عَلَيَّ وقد تَدَفَّقَتْ بالشهوات عيناك، مُشِيرَتَيْنِ إِلَيَّ بنظراتها الـمُنْحَرِفَةِ أَنْ أَتَّبِعَ السُّبُلَ الـمُلْتَوِيَّةَ، وهكذا تَعَلَّمَتْ قدماي المراوغة على منعرجات الطريق.
إنني أخشاك قريبةً وأحبك بعيدةً أيتها الحياة، فَيُجْزِينِي إِعْرَاضُكِ عني، ويُوقِفُنِي إِقْبَالُكِ نحوي، فأنا مُعَذَّبٌ بِكِ وأي عذاب لا أتحمله من أَجْلِكِ، أَنْتِ الـمُحْرِقَةُ بِبَرْدِكِ، السَّاحِرَةُ بِكَيْدِكِ، الجَاذِبَةُ بِإِدْبَارِكِ، الـمُجِيرَةُ بِسُخْرِيَّتِكِ.
أي إنسان لا يَكْرَهُكِ، أيتها الآسِرَةُ الغَامِرَةُ السَّاحِرَةُ التي لا يَفُوتُهَا مَقْصَدٌ تَتَّجِهُ إليه، ومن لا يـُحِبُّكِ وأنت البَرِيئَةُ الرَّعْنَاءُ الـمُسَارِعَةُ إلى الـمَعْصِيَّةِ والإِثْمِ وَفِي عَيْنَيْكِ لَفَتَاتُ الأَطْفَالِ؟
إِلَى أَيْنَ تَقُودِينَنِي الآن أيتها الطِّفْلَةُ الـمُهَذَّبَةُ الشَّارِدَةُ؟ أَرَاكِ تَفِرِّينَ مِنْ أَمَامِي حُلْوَةً طَائِشَةً أيتها الجَاحِدَةُ الفَتِيَّةُ، وها أنذا أَتْبَعُكِ رَاقِصاً حتى إلى الـمَآزِقِ التي لا أَعْرِفُ لها مَنْفَذاً.
أَنْتِ هذا الطير أيتها الحياة، فتعالي إلى جنبي الآن أيتها القَفَّازَةُ الشِّرِّيرَةُ، ارتفعي وسيري إلى الجهة الأخرى...ويلي لقد قَفَزْتُ فَوَقَعْتُ، فانظري إِلَيَّ طَرِيحاً يتوسل إِلَيْكِ، أفما كا خيرا لي أن أتبعك على مسالك أجمل من هذه، من مسالك الحب بين الشجيرات الزاهية بعديد ألوانها، أو على شاطئ البحيرة حيث تتراقص الأسماك المذهبة؟ لقد أَضْنَاكِ التعب الآن وهنالك خرفان ترعى عند الغروب، أفلا يَلِذُّ لك أن نَرْقُدَ حيث تَصْدُو شَبَابَةُ الرَّاعِي؟
لقد انْقَلَبَتْ أفعى، هذه السَّاحِرَةُ الرَّشِيقَةُ الوَثَّابَةُ الزَّاحِفَةُ، فلا أدري في أي الأَوْكَارِ تَغَلْغَلَتْ، بعد أن صَفَعَتْ وَجْهِي وَأَبْقَتْ عليه طَابَعَ يَدِهَا الحَمْرَاءِ.
وَسَدَّتِ الحَيَاةُ أُذُنَيْهَا وَأَجَابَتْنِي:
أنت تَعْلَمُ أن الضَّجَّةَ تَشُلُّ التَّفْكِيرَ، وَقَدْ بَدَأَتْ تَتَوَارَدُ عَلَيَّ الخَوَاطِرُ، فما أَنْتَ وَأَنَا إلا من زُمْرَةِ المتكاسلين، لقد وجدنا جزيرتنا ومروجنا الخضراء ما وراء الخير والشر، وما اكتشفها معنا أحد، لذلك وجب علينا أن يحب أحدنا الآخر، وَهَبْ (تـَخَيَّلْ) أن حبنا لا يخرج من صميم القلب، أفيحق لنا أن نتبادل من أجل هذا عاطفة النفور؟
أنت تعلم أنني كثيرا ما أحبك وأتجاوز الحد في حبك، وما ذلك إلا لغيرتي من حِكْمَتِكَ، فيا ويلاه من هذه الحكمة الـمَجْنُونَةِ الـهَرِمَةِ! ولكن إذا ما هَجَرَتْكَ هذه الـحِكْمَةُ يوما فلا يطول الزمن حتى تهجرك محبتي أيضا.
وأدارت الحياة أنظارها ما وراءها وما حولها وقالت: لَسْتَ بِالأَمِينِ الوَفِيِّ، فَمَحَبَّتُكَ أبعد من أن تصل إلى الحد الذي تَصِفُ بأقوالك، وأنا أعلم أَنَّكَ تفكر في هجري عما قليل.
ضفاف متوهجة بتصرف عن
الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق