هلك الفساد الحرث والنسل والشجر والحجر

"الفساد في الأرض هو أن يضيع الحق وتضيع القيم ويُصبح المجتمع غابة، كل إنسان يريد أن يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين" الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله

الفساد الاجتماعي والفساد السياسي والفساد الديني والفساد الاقتصادي والفساد الأخلاقي هي مهلكات الأنام وداعيات حتى المجتمعات القوية المؤسسات والمتينة الاقتصاد  إلى الاندحار والانهدام ورحم من قال:
ثَلاَثَةٌ شَأْنُهُمُ الفَسَادُ    النَّارُ وَالبَرْبَرُ وَالـجَرَادُ
والبربر هنا تعني الإنسان البدائي المتوحش الذي لم يتحضر بعد، ومن المعلوم أن الجراد كلما كثر طاب لقطه وتقوت عساكره التي تأتي على كل ما تجده في طريقها، ولا تُبقي ولا تذر شيئا ينبت فوق الأرض بارتفاع بوصة، لتترك القرى من بعدما تعتو فيها فسادا خالية على عروشها، كذلك هو الشأن بالنسبة للفساد:
مَرَّ الـجَـــرَادُ عَلَى زَرْعِــــي فَقُلْتُ لَهُ      الْـــزَمْ طَـــــــــــرِيقَكَ لاَ تُولِعْ بِإِفْـــــــسَــادِ
فَقَالَ مِنْهُمْ خَطِيبٌ فَوْقَ سُنْبُلَةٍ      إِنَّا عَــلَى شَــفْــــــــــرٍ لاَ بُـــــــــــــدَّ مِنْ زَادِ
إِنَّا جُنـُــــودٌ لِرَبِّ الـــعـَـــرْشِ مُــــرْسَلَةٌ      مِنَّا حَـــــصِــــيدٌ وَمِنَّا غَــيْرُ حَـــــصَّـــــادِ
واتفق كل الحكماء بجميع مللهم ونحلهم بقديمهم وحديثهم بأن البناء  إذا أسس على  قواعد وركائز غير صلبة وغير صحيحة  ومغشوشة كان الفساد أقرب إليه من الصلاح، ينطبق عليه قول الشاعر:
أَيُرْجَى بِالـجَرَادِ صَـــــــــــــــلاَحُ أَمْرٍ     وَقَدْ جُبِلَ الـجَرَادُ عَلَى الفَسَادِ
قَلِيلُ الـمَالِ تُصْلِــــــــــــحُهُ فَيَبْقَى     وَلاَ يَبْقَى الكَــــثِيرُ عَلَى الفَسَادِ
وقيل مرة  للحاكم العاشر من حكام بني أمية الطغاة المتجبرين هشام بن عبد الملك: أتطمع في (الخلافة) وأنت جبان بخيل، فقال: كيف لا أطمع، وأنا عفيف حليم؟! فقام وكتب على التو إلى قائده العسكري الغني عن التعريف مسلمة بن عبد الملك: طهر عسكرك من أهل الفساد، فإن الله لا يصلح عمل المفسدين.
فالفساد قديم على الأرض قدم البشرية، ومنتشر في كل مكان وفي كل شبر من هذا الكوكب الطيني المعلق بشعرة في الفضاء، لأن الفساد هو في حقيقة الأمر أخ البشر في الرضاعة، فكيف يمكن تصور حياة البشرية بدون فساد؟ فهي  ستبدو بلا مذاق كالطعام بدون ملح، لذا كان من اللازم أن تكون نظم الحكم في مجملها فاسدة باستثناء فترات نادرة في التاريخ البشري، والإدارة فاسدة، والأحزاب المتناحرة على الحكم بكل وسيلة فاسدة، وكل حزب بما لديهم فرحون، والانتخابات التي تزيف فيها الحقائق ويلوى فيها عنق القوانين ليا فاسدة، بينما تبقى الشعوب المستضعفة تعاني الجوع والفقر والأمية والقهر والظلم والاستبداد والفساد، تكد قليلا لكنها  كثيرا ما تنافق وتتملق وتكذب وترائي وتبيع حتى شرفها لكي تضمن لقمة عيش ممرغة في الوحل والمهانة.
ولا يقف الفساد عند هذه النواحي، بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية للأمم والدول، مثل حياة المترفين وما يدور بداخلها من امتهان للكرامة الإنسانية، ومن مظاهر العبودية التي تذكر بالقرون الوسطى، و تمتد أدرع الفساد كالأخطبوط إلى كل مؤسسات الدولة على المستويين الأفقي والعمودي لتعتو في البلاد والعباد فسادا عندما تجد المناخ الملائم والتربة الخصبة والتغذية والرعاية ممن كان من المفروض فيهم أن يحاربوا هذا الفساد.
ورحم الله الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي الذي قال في مؤلفه 'النَّظَرَاتُ' في باب 'خِدَاعُ العَنَاوِينِ' قولا شافيا وكافيا عن الفساد:"لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره وآثامه لما حركت يدا، ولا جردت قلما، لأني أعلم كما يعلم الناس جميعا أن طلب المحال عثرة من عثرات النفوس، وضلة من ضلالات العقول، ولكنني أطلب مطلبا واحدا لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره وإدراكه، أن يهذبوا قليلا من هذه المصطلحات التي أنسوا بها، والعناوين التي جمدوا عليها، فلا يسمون المنافق تقيا، ولا المخادع وطنيا، ولا المتمجد ماجدا، ولا البخيل غنيا، ولا المفلوك مجرما، ولا المتوحش متمدينا، حتى لا ينزع محسن عن إحسانه، ولا يستمر مسيء في إساءته".
ويا ما  قال وكتب الشعراء عن الفساد والمفسدين على مر الدهور والعصور حتى جفت محاجرهم ومحابرهم، فغيبهم الموت وصاروا ترابا وعظاما، وبقي الفساد من بعدهم يعثو في البلاد والعباد خرابا، منتشيا بالانتصار ومستهزئا بأشعارهم وأقوالهم وأفكارهم وقيمهم وأخلاقهم، فها هو ذا  ابن النقيب يقول:
نَهَيْنَاهُ عَنْ فِعْلِ القَبِيحِ فَمَا انْتَهَى     وَلاَ رَدَّهُ رَدْعٌ وَعَــــــــــــــادَ وَعَــــــــــــــــــادَى
وُقُلْنَا لَهُ دُنْ بِالصَّــــــــــــــــلاَحِ فَقَــــلَّمَا      رَأَيْنَا فَــــــتىً عَانَى الفَـــسَادَ فَسَــــــــادَا
وها هو ابن الوردي يقول:
قَالُوا فَسَـــادُ الـــــــــــهَوَاءِ يُــــــــــرْدِي     فَقُلْتُ يُرْدِي هَـــــــــوَى الفَسَادِ
كَمْ سَيِّـــــــــــئَاتٍ وَكَمْ خَـــــــــطَايَا     نَادَى عَلَيْكُــــمْ بـِهَا الــــــمُنَادِي
وها هو ذا أبو العلاء المعري يقول:
قَدْ تَرَامَتْ إِلَى الفَسَــــــــادِ الــــــــــــبَـــــــرَايَا     وَاسْتـَـــــــوَتْ فِي الضَّــــــــــــــــلاَلَةِ الأَدْيَانُ
أَنَا أَعْمَى فَكَيْفَ أُهْدَى إِلَى الـمَنْـ      ـهـَـــجِ وَالنَّــــاسُ كُــــلُّهُمْ عُــــــــــــــمْــــــــيَانُ
وها هو ذا ولي الدين يكن يقول:
يَا وَطَنًا قَدْ جَرَى الفَسَادُ بِهِ     مَتَى يُرِينَا إِصْـــلاَحُكَ الـــــزَّمَنُ
دُفِنْتَ حَــــــــيًّا وَمَا دَنَا أَجَـــلٌ      مَا ضَرَّ لَوْ دَافِنُوكَ قَدْ دُفِنُوا
وها هو ذا أمين بن خالد آغا بن عبد الرزاق آغا الجندي يقول:
وَقَوْمٍ غَضَّ طَرْفُ الدَّهْرِ عَنْهُمْ     فَآذَوْا كُلَّ ذِي عِرْضٍ وَعَـــــــادُوا
وَفِي ظُلُمَاتِ ظُلْـــمٍ حَــقٍّ سَارُوا      فَسَادُوا عِنْدَمَا ظَهَرَ الفَــــسَــــــادُ
وَإِنْ قَالُوا سَـــــنَرْجِعُ حَيْثُ كُـــنَّا      مَـخَـــــافَةَ أَنْ تَـــــــــذُمَّهُمُ العِـــــــــــبَادُ
وَإِنْ طَلَبُوا رُجُوعَــــهُمْ عِـــــــــــنَاداً      فَمَا صَــــــــدَقُــــوا وَلَوْ رُدُّوا لَعَــــادُوا
وها هو ذا علي بن المقرب العيوني يقول:
إِنَّـمَا تـُــــــــــــــدْرَكُ غَايَاتُ الـمُــــــــــــــنَى     بِـمُـــسَـــــــــيَّرٍ وَطَـــــــعَّـــــــانٍ وَجَــــــــــــــلاَّدِ
مَنْ نَصِــــيرِي مِنْ زَمَانٍ فَاسِــــــــــــدٍ     جَعَلَ الأَمْرَ إِلَى أَهْلِ الفَسَـــــــــــــادِ
كُـــــــــــلَّمَا قُلْتُ لَهُ ذَا سَــــــــــــــــــــرَفٌ     فِي التَّعَدِّي قَالَ هَذَا اقْتِصَـــادِي
وها هو ذا علاء الدين علىّ الأوتارىّ الدمشقىّ يقول:
غَيْرَ أَنَّ الفَسَـــادَ يُكْسِــــــبُ ذُلًّا     وَيُعَمِّي الفَسَادُ طُرُقَ السَّـــدَادِ
وَارْتِكَابُ الفَسَـــــادِ يُورِثُ فَقْراً     وَخَرَابُ البُيُوتِ عُقْبَى الفَسَـــادِ
وها هو ذا عرقلة الكلبي يقول:
لُصُــوصَ الشَّامِ تُوبُوا مِنْ ذُنُوبٍ     تُكَــفِّــــرُهَا العُـــقُــــوبَةُ وَالصِّــــفـَــــــــادُ
لَئِنْ كَانَ الفَسَادُ لَكُمْ صَلاَحاً      فَمَوْلاَنَا الصَّـــلاَحُ لَكُمْ فَسَـــــــادُ
وها هوذا الطغرائي يقول:
جَامِلْ أَخَاكَ إِذَا اسْتَربتَ بِوِدِّهِ      وَانْظُرْ بِهِ عَقِبَ الزَّمَانِ العَــــــــائِدِ
فَإِنِ اسْتَمَرَّ بِهِ الفَسَـــــــــــادُ فَخَلِّهِ      فَالعُضْوُ يُقْطَعُ لِلْفَسَـــــــــادِ الزَّائِدِ
-------
مَا خَطَّطَ الدِّينُ التُّخُومَ لِأُمَّةٍ     إِلاَّ وَقَدْ نَخرَ الفَسَادُ عِظَامَهَا
وها هو ذا أحمد شوقي يقول:
عَمَّ الفَسَادُ وَأَصْبَحَتْ طُرُقُ الغِنَى      وَقْفاً عَلَى مَنْ يَرْتَشِي أَوْ يَعْتَدِي
وَعَلَى الَّذِينَ يُتَاجِـــــــرُونَ بعِرْضِـــهِمْ      مَا بَيْنَ شَارٍ رَائِــــحٍ أَوْ مُـــغْــــــــتَدِي
وها هوذا محمد الأسمر يقول:
أَمَّا الشــَّـــــــــــرِيفُ أَخُـــــو الإِبَـــــــــــــاءِ فَإِنَّهُ     يـُمْسِي وَيُصْبِحُ كَالذَّلِيلِ الـمُجْتَدِي
إِنَّ الأَسـَـــــــــاسَ لِكُلِّ بَــــــــانٍ مُـــصْلـِـــــحٍ     هَدْمُ الفَسَـــــــادِ وَدَقُّ رَأْسِ الـــــمُفْسِدِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق