العالم العربي لم يتخلص بعد من عقدة الأجنبي


الصورة عن مؤلف'اسمع أيها الرجل الصغير' لعالم الإجتماع والنفس النمساوي 'فيلهلم رايش'
بسقوط الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وتمزق أوصالها واستسلامها دون قيد أو شرط للدول الاستعمارية الكبرى آنذاك بريطانيا وفرنسا وروسيا بعد عملية تصفية مركزة ومسترسلة استغرقت حوالي 220 عاما، استُعملت فيها كل الوسائل الفعالة للتدمير، بدءًا من الإرساليات التبشيرية، والغزو الفكري، وإشعال الثورات والفتن الطائفية والمذهبية، واصطناع الجواسيس والأعوان، وشراء الذمم بالمال، حتى تم تقويض الإمبراطورية على يد مصطفى كمال أتاتورك أحد كبار الضباط المنتمين لحزب الاتحاد والترقي الماسوني.
فدخل العالم الإسلامي مرحلة من التشرذم والضعف والدونية الحضارية لم يشهد لها مثيلا من ذي قبل، فانقلبت الصورة رأسا على عقب للذين كانوا فيما مضى مثالا يُحتدى ويُقتدى به، ولمن كانوا يحملون مشعل حضارة تبدد ظلمات الجهل وتنير للبشرية طريقها من الأندلس غربا إلى تخوم الصين شرقا، عندما كانت أوربا وبقية أنحاء المعمور بما في ذلك أمريكا التي لم يكن لها شأو يذكر تعيش غوغائية مطلقة و إظلام حضاري وجهل مطلق، وكانت كتب الفكر العربي الإسلامي هي المنارة المضيئة التي أنارت سبل أوروبا المظلمة وبددت سباتها الطويل، لتفتح لها أبواب المعرفة على مصراعيه كي تنهل من معينه الفياض، وكانت اللغة العربية آنذاك اللغة الأولى ولغة المراجع الأساسية في شتى العلوم والفكر والفلسفة لطلبة المعاهد والجامعات بأوروبا لردح طويل من الزمن، على الرغم من التعتيم والتشويه المتعمد للكثير من الحقائق التاريخية الثابتة والموثقة بحق الحضارة العربية الإسلامية في جميع المناهج الدراسية الغربية الحالية، تلكم الحضارة التي كانت بحق رائدة للعالم أجمع في كل ميادين المعرفة لما يناهز ثمانمائة عام بشهادة الغربيين النزهاء أنفسهم.
والحال الذي كان عليه الأوروبيون من انبهار بالحضارة العربية الإسلامية في القرون الوسطى وتسابقهم على تعلم اللغة العربية وافتخارهم بذلك، أصبحنا عليه نحن اليوم من استهلاك لثقافة الغرب كالعجماوات، واقتباس سلوكياته وأنماط حياته كالببغاوات، مثلما تعودنا أن نكون مستهلكين لمنتجاته وصناعاته، فصارت الصورة النمطية للغربي أو النصراني أو الكَاوري كما يُسمى بالعامية المغربية لدى الكثير من الخلق هو الذكي والمتحضر والعبقري والملتزم والعادل لدرجة تكون أقرب من العصمة، وأصبح هو صاحب الأسبقية والامتياز في جميع إداراتنا ووزاراتنا ودواويننا، والمستحق للإحترام الزائد عن المعقول في الإدارة والشارع، وقد يصل الأمر أحيانا إلى درجة المذلة والمهانة ويثير في النفس درجة من السخط والاشمئزاز عندما يعجز قضاء البلد عن انتزاع حقوق المستضعفين  أبناء الوطن من اليهود والنصارى، الذين أضحوا مع كامل الأسف سادة البلد وحكامه الحقيقيين، لذلك أصبح المواطن في العالم العربي والإسلامي يعيش واقعا يوميا يحس فيه بالدونية الحضارية أو ما يسمى بعقدة الأجنبي التي ترسخت في أذهان عدة أجيال بفعل التراكمات السلبية المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية، لدرجة أن هذه الأمور  أضحت شيئا عاديا ومألوفا في حياة الكثير من الناس، ولا يشعر بأنها غير عادية بتاتا إلا من لا زال له ضمير حي، يصارع وحده وسط حشود من التفهاء المغيبين والمنومين، وكأن به يحاول تفادي الغرق في بحر لجاج متلاطم الأمواج.
إن افتقاد الإباء والعزة والكرامة وضياع الهوية والانتماء تؤدي طال الزمان أو قصر إلى الانهزامية والتقهقر والانبهار بالأجنبي، فقد رُويَ عن النبي (ص) أنه قال : «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتّى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم"، قلنا يارسول الله: "اليهود والنصارى؟"، قال : "فمن!".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق