هلاك البلاد والعباد يكمن في الظلم والاستبداد والفساد

كلما رجع المرء إلى أحداث التاريخ سوف يلاحظ أن جميع حضارات الأمم التي خلت انهارت من داخلها بفعل ثلاثة عوامل أساسية ألا وهي الظلم والاستبداد والفساد، قبل أن يأتي عليها  بعد اضمحلالها وتفسخها غزو خارجي لاحقا  ليمحقها كما تأتي العاصفة على كومة من التبن لتشتتها في جميع الزوايا والاتجاهات وتتركها أثرا بعد عين.
فعندما يسود الظلم والاستبداد، وتكثر الفواحش والآثام، وينتشر الإجرام بصورة مهولة، ويصل مستوى الانتحار لنِسَبٍ جد مقلقة سواء على مستوى الفرد أو الجماعة، فإن خلايا المجتمع وأنسجته التي تجمع لحمته وتلم شمله وتنشر بين أفراده روح التكافل والتضامن والتراحم تبدأ بالتمدد ثم ما تلبث أن تتمزق لتضحي بعد ذلك أشلاء متناثرة هنا وهناك لا تربطها أي رابطة سوى بعض المظاهر الخادعة الكاذبة، وعندما تصل أي أمة إلى هذا المستوى فذلك يعبر مما لا شك فيه  على أن هنالك خلل عميق وخطير في تصور الأمة ومنهجها، وفساد كبير في فكرها وعلاقتها بخالقها، يظهر في انغلاق الفكر، واختلاط الحق بالباطل، والحلال بالحرام، وانتشار الكفر العقلي الإلحادي والانحراف والشذوذ العاطفي، ينشأ عنه سواد الهوى، ورواج النظريات والأفكار الساقطة الفاسدة، وتبدد في توهج الإيمان، واحتلال للغبن في العقل والقلب مكانا كبيرا، فيتقدم النَّاسَ الخبثاءُ والجهلاءُ والتفهاءُ من المنظرين من الأدعياءِ والدجالينَ، وكل منهم يصيح بأعلى صوته أنه هو الحق، ويصير الفسقة والزنادقة أساتذة وأسيادا وزعماء، ويشعر النزهاء والأوفياء والثقاة بأنهم أضحوا شواذا في مجتمعهم، بحيث تختلط الأوراق ويموج الحابل بالنابل، ولا يعود المرء يميز مع من وأين يعيش، وتضيع آنذاك وسط هذه الفوضى العارمة المعالم الكبرى في المسيرة الحضارية.
وعندما يصل المجتمع إلى هذا المستوى من الانحطاط يقف زعماء الضلال ومحترفو الجدل قادة لمرحلة الضياع الفكري، يؤازرهم المنافقون المتشدقون لخلط الحقائق حتى لا تكاد جماهير الشعب تعرف الحق من الباطل والمعروف من المنكر، فيتوارى الحق إلى الخلف، ويتقدم الباطل إلى الصفوف الأمامية، وتتوارى عن الأنظار النماذج الصالحة، وتتألق النماذج الساقطة الهابطة جاها وسلطانا ومالا، ويُغْدِقُ عليها القابضون بزمام الحكم الأموال والألقاب والمناصب، فلا يكاد ينفذ أصحاب الحق إلى الحق، ولا يكاد القابضون على الأمر يشعرون وسط كل هذه العجعجة التي تصم الأذان بما يعانيه أهل الحق، فتنقطع الجسور بين أولي العلم وأولي الأمر، فلا يبقى إلا الصراع الخافت والظاهر والضرب من تحت الأحزمة في كل الاتجاهات وبجميع الوسائل المتاحة، و يفضي الأمر عاجلا أم آجلا لتعرض السفينة الاجتماعية  لهزات قوية وعنيفة يكون مصيرها  الضلال والضياع ثم الغرق بكل من فيها.
إن التمزق الفكري الداخلي للأفراد أو للأمم هو أول داء تُصاب به، وعن طريق هذا الخلل الفكري تدخل صنوف الخلل السلوكية نتيجة حتمية لخلل الفكر؛ لأن سلامة الفكر هي الضامن لسلامة السلوك، وهي السور الحاجز المانع، فإذا لم يكن الله موجود في قلوب الناس فكل شيء كيفما كان يصبح مباحا لدرجة التهور والاستهتار بكل القيم والأخلاق والمبادئ، وليس باستطاعة الحواجز والضوابط  القانونية البشرية الوضعية أو عوامل الترهيب والتخويف الأخرى أن تقف طويلا أمام عواصف الغرائز والأهواء، بل إن هذه القوانين سوف تضعف باطراد إلى أن تصل إلى درجة العجز عن ردع المخالفين، ولا يتبقى لها في آخر الأمر سوى أن تماشي وتساير  الفساد وتبرره وتقننه هو الآخر، بل وجعله حقا من حقوق الفرد كما ينعق اليوم في كل ركن من أركان الكرة الأرضية بلهوانيو ما يسمى بحقوق الإنسان، من أجل إطلاق الغرائز البهيمية على عواهنها بدون كوابح ولا ضوابط ولا حدود، هذه الغرائز التي تأله الفرد وتسحق النظم الاجتماعية للجماعة سحقا يصل لدرجة الاستئصال.
فكما هو معلوم فإن أي سلوك سيئ ينتج دائما عن فكر سيئ،  وكل سلوك أخلاقي منحرف في أي مجتمع من المجتمعات يؤدي طال الزمن أمن قصر إلى الانهيار الحضاري، فالأخلاق القائمة على أساس عقدي وفكري سليم هي الطريق الصحيح للحضارة، ولذلك أشار ابن خلدون إلى أن رقي الأمم لا يتحقق بتوافر القوة المادية أو رقي العقل العلمي أو العملي المرتبط بفكرة أخلاقية بل بتوافر الأخلاق الحسنة، وكما أوضح أيضا الفيلسوف الفرنسي 'غوستاف لوبون' عندما قال بأن الانقلاب يحدث في حياة الأمم بالأخلاق وحدها، وعلى الأخلاق يُؤَسَّسُ مستقبل الأمة وحياتها الحاضرة، وخط العقل والقلب في بقاء الأمة أو سقوطها قليل جدا، وعندما تذبل وتيبس أخلاق الأمة تموت هذه الأمة بالرغم من وجود العقل والقلب اللذين ربما يكونان متقدمين في نواح عملية كثيرة، فعلى الأخلاق وحدها يقوم نظام الجماعة الإنسانية منذ الأزل، وهي بدون أدنى شك أساس الدين.
ويمكن تلمس أولى بوادر الانهيار الحضاري في الأمم من خلال قلة العمل وكثرة الجدل، وتراجع الصراحة والشفافية والوضوح، وسواد الانتهازيين والوصوليين والمتملقين والمتزلفين والمداهنين والمنفاقين، وسيطرة التفهاء والحثالات والخونة على المناصب الحساسة في المجتمع، وانتشار مظاهر الشرك المختلفة بين الناس بكل فئاتهم وأعمارهم بصورة وبائية جد خطيرة، آنذاك تبدأ الموازين بافتقاد التوازن لترجح كفة أتباع الباطل وأهله ومناصريه حتى بين صفوف كبار العلماء والمفكرين طمعا في المناصب والأموال وعرض من الدنيا قليل.
إن مرحلة الفساد الفكري والخلل العقدي تتميز بانتشار الضلال على نطاق واسع بين أفراد المجتمع، وظهور أئمة الفساد ممن يسمون ب (الأبطال) من (فنانين) و(رياضيين) و(ممثلين)، هؤلاء الذين يدعون الناس إلى الباطل ويبررون كل منكر  باسم الترويح عن النفس ابتداء من المسابقات والمهراجانات والحفلات والسهرات والأمسيات وانتهاء بالنواسيات (نسبة لأبي نواس)، وهذا لعمري يعتبر أخطر غسيل للأدمغة المدوخة المنومة وخضوعها لفكر التشيء (استحواذ الفكر المادي على كل شيء)، بحيث يصبح العامل المادي هو الإلاه المعبود الذي يهوي بالمجتمع إلى قاع الاستهلاك، حتى تصبح الثانويات والكماليات جزءا أساسيا وضروريا وحيويا في حياة الناس.
وعندما يصل المجتمع إلى  هذه المرحلة من الانهيار الحضاري يتبلد إحساسه بصورة دراماتيكية دون أن يشعر أو يحس هو بذلك، فتنغمس القيادات والشعوب في ترف مزر، وتتحول العلاقة بين الحكام والمحكومين إلى علاقة مادية مطلقة، مما يحتم عل الحكام أن يوفروا للشعوب المدمنة على التفاهة حاجاتها من اللهو والترف والعبث والضياع بلا حدود، مثلهم كمثل مدمن على الهيروين إن لم ينل جرعته منه انهار أو انتحر.
ومن النتائج الخطيرة لهذا الوضع جفاف منابع الإدارة المتحضرة الراشدة، وقلة الخيال السامي الذي يحدو بناة الأمم عادة وصناع الحضارات، وظهور فجوة كبيرة بين الطبقات، بحيث تظهر طبقة قادرة على أن تعيش عالة على المجتمع بلا عمل طول حياتها، وتستحوذ وتكدس في نفس الوقت-في مفارقة غاية في العجب- معظم الثروة بطرق من الحيل والزور والقوالب بتواطئ مع السلطة و الإدارة، لدرجة أن الفرق يبدو جد شاسع بينها وبين سائر المجتمع من المستضعفين، ويصبح الاستحواذ على الثروة وتكديسها يننتقل بالوراثة  من الأباء إلى الأبناء، ومن كان أبوه مزلوطا سيبقى مزلوطا هو تريكته من التابعين إلى يوم الدين.
ووسط هذه الزوبعة من التحلل والفساد الكبير تضمحل بل تكاد تنعدم روح الإخلاص والصدق والوفاء، وتُفتقد قوة الإرادة والتضحية، وتُدَمَّرُ العاطفة البشرية، ويُبْتَلَى الناس بقسوة القلب وفظته وغلظته، وينتشر بينهم العناد والمكابرة والترفع والصلف ومظاهر الصراع الغليظة، وينزوي الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر بعيدا عن الحشود الجاهلة، وتصبح القوة و الثروة والأنانية الفردية والأثرة هي القيم المسيطرة في المجتمع، مما يُضطر معه المستضعفون تحت ضغط هذه القيم الخبيثة إلى التملق والمداهنة والنفاق والكذب والسلبية ليعيشوا عيشة الكلاب الجرباء التي تستجدي لقمة ذل كي تعيش، فيغلب الشكل على المضمون، ويصبح المجتمع مهتما فقط بالمظاهر وبالنواحي الشكلية على حساب اللب والجوهر والجوانب المنيرة في النفس البشرية، بل يصل الأمر أن يصبح حتى التدين مغشوشا ومرائيا وشكلا ومظهرا أكثر منه حقيقة ومخبرا، ويصل العبث مداه ومنتهاه  لما يصبح الدين وسيلة للتكسب في الدنيا وطمعا في مباهجها ومفاتنها، وليس رغبة صادقة في إصلاحها وصدها عن الفساد، عند هذا الحد تصل الحضارة إلى قعر مرحلة الانحطاط الفكري والأخلاقي والاجتماعي الشامل، وفي هذه المرحلة تبدأ الحياة الاجتماعية بالتعرض للضربات الداخلية والخارجية نتيجة اختلال نسيجها الداخلي وتمزق كيانها الفكري والنفسي.
وهكذا تتعاون ضربات الداخل والخارج على إزهاق روح الحضارة التي فقدت شروط البقاء، وفقدت فيها الروح مكانتها، لضياع العقل، واختلال ميزان الحق في يد الإنسان، وانهيار الحقوق الآدمية للفرد، وتقطع أواصر التكافل والتراحم والتآزر لدى الجماعة، وطغيان الفرق والأحزاب والمنظمات الانتهازية النفعية، وفقدان الأخلاق لحماتها من الرجال الصادقين المخلصين.
إن حركة التاريخ تمضي بقدر الله إلى غايتها متجاوزة أماني الناس التافهة، فعندما يصبح البناء الاجتماعي في عناصره الأساسية هشا وغير مؤهل للبقاء، ويقوم على أسس منحلة فاسدة، فلا أمل بالتالي في علاجه، بل لا بد من إسقاطه، لأن النسيج كله اختل واختلت معه المعايير، وتقطعت خيوط الأخلاق، فلم يبق إلا أن تتهاوى عليه الضربات من الخارج ومن الداخل حتى الانهيار الأخير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق