العمل يُغْنِي ويرفع شأن الأمم التي تعرف مناهج العدل وتسلكها

يُحكى أنه كان يوجد في مكان سحيق من بحر لست على يقين من معرفته جزيرة بنى فيها الأغنياء قصورًا وصروحا عالية من المرمر، وزرعوا في أرضها بساتين وحدائق ذات بهجة ربوا فيها من الأزهار ما يندر وجوده في غيرها، واحتفروا بركًا توفيرًا لأسباب اللذة، ولم يكن في الدنيا ما يعادل زخرف موائدهم، فقد كان يُطاف عليهم بصحاف من الذهب بها أشجار ضخمة طبخت بمرقة سرطان البحر، وكانوا في لباسهم بالغين حد الإفراط في التأنق خصوصًا نساءهم، وكان أولادهم يلعبون في الميادين العامة بكرات من الماس.
أما فقراء تلك الجزيرة فكانوا يمشون حُفاة، وكانت صباياهم تغدو كل يوم في أسمال رثة بالية من الثياب، وكانوا يطوفون بأبواب الأغنياء التماسًا لما يلقيه خدمهم من قمامات موائدهم، لم يقتصر الأغنياء في سوء معاملتهم عند هذا الحد بل تجاوزوه إلى احتقار الفقراء واستعبادهم في الأعمال الشاقة الممقوتة، وبلغت بهم الجرأة إلى حظر المنتزهات العامة على ذوي الثياب الرثة حفاظا حسب ادعاءهم على بُسُط هذه المنتزهات السندسية أن تدنسها أقدامهم أو أن يكون منظر بؤسهم مقززا في عيونهم الجميلة.
ولما ضاق الفقراء درعا بتصرفات الأغنياء الحاطة من كرامتهم غادروا المدينة خفية ذات ليلة، ولجأوا  إلى جبل للتآمر على الأغنياء، فكان رأي الشبان منهم أن يأخذوا أسحلة الأغنياء وينقضوا عليهم وهم نيام في مضاجعهم ويقتسموا أموالهم، فقام من بينهم شيخ حكيم وتربص حتى قَرَّتْ نقاشاتهم ثم قال: إياكم أن تفعلوا من ذلك شيئًا لأسباب ثلاثة أبديها لكم، أولها: أن الأغنياء يقوم على حراستهم في قصورهم خدم هم شر منهم، وكلاب أضرى من الحراس أنفسهم، ثانيها: أني لا أعتقد أن انقضاضكم هذا عليهم وسلبكم لأموالهم يكون من العدل، لأنهم قد كسبوا هذه الأموال التي تحسدونهم عليها أو كسبها أسلافهم سواء من وجوه شريفة أو من وجوه خسيسة منحطة، ثم ملكوها من بعدهم بمقتضى قوانين أرى مع كوني لا أدرك كُنهها تمام الإدراك أنه لا بد لوجودها من سبب، لأن جميع الناس محافظون عليها راضخون لأحكامها حتى الآن، ثالثها: أن ما يجوز أن تنزعوا اليوم من أعدائكم بغلبتكم عليهم يجوز أن يسلبه غدًا منكم غيركم بقوته وضعفكم، فعلينا إذن أن نفكر جميعًا في اتخاذ وسيلة أخرى أكثر عدلا وإنصافا.
 أظن  أنكم قد سمعتم بوجود جزر أخرى في البحر غير هذه الجزيرة المنحوسة التي قضى علينا نحس طالعنا بالولادة فيها، فقد حكى لنا إخواننا من الملاحين الفقراء الذين يحضرون إلى هنا بسفنهم مشحونة بالأوراق ومواد الزخرف التي يستعملها الأغنياء، أنهم رأوا غير مرة في أسفارهم أراضي تظهر من الماء مكللة بالنباتات والأشجار الكبيرة المثمرة، ويُستفاد من حكايتهم أن إحدى الجزر خاوية من السكان ولا ينقصها إلا إرادتكم حتى تصبح جنة غنية بالثمار دانية الجني، فإن لنا سواعد قوية تساعدنا على العمل، وها أنا ذا رغم شيخوختي سأكون لكم قدوة وأمدكم بنصائحي عند الحاجة، هذا هو رأيي قد أفضيت به إليكم فانظروا ماذا تفعلون.
فتلقى الجميع نصيحة الشيخ بالقبول، ثم ما لبثوا  أن شدوا الرحال إلى تلك الجزيرة متعاقبين على سفن واهنة صنعوها بأنفسهم من ألواح خشبية قديمة، فثمل الأغنياء فرحًا لسفر من يسمونهم بالغوغاء، ولم يستطيعوا كتمان فرحهم وكانوا يصفقون ويجهرون بقولهم: حبذا حبذا هذا الخلاص!.
مضى على سفر الفقراء بضع سنين انقطعت فيها أخبارهم واختلفت أقوال الأغنياء من أهل الجزيرة في شأنهم، فمن قائل بأن البحر ابتلعهم، ومن قائل بأنهم أكل بعضهم بعضًا، وبينما هم في هذا الاختلاف إذ رأوا ذات يوم سفينة مشحونة بالغلال وعروض التجارة رست على ميناء جزيرتهم، فلم يلبثوا أن عرفوا من لهجة ملاحيها وبعض ملامح وجوهم أنهم من سكانها السالفين، وقد أخبرهم هؤلاء الملاحون أنهم آتون من جزيرة أخرى استقامت فيها أمورهم ونجحت نجاحًا عظيمًا، لأنهم ما إن حرثوا الأرض وأحيوا مواتها حتى جللتها الحصائد وملأتها المزارع والمواشي، فاعتبر الأغنياء هذه الأخبار من الأساطير وقهقهوا لسماعها قهقهة المجانين، غير أن الملاحين لم يكونوا مبالغين في شيء مما قالوا، فإنه كان يخرج من أرض تلك الجزيرة القفرة على نحو من السحر حقول مكسوة بالزروع وقرى ومدن وطرق ومدن وترع، فكان سكانها في معيشتهم على وفاق تام؛ لأنهم كانوا منها في غبطة وهناء، وقد ضربت عليهم السكينة رواقها، فكانوا يعتبرون أبناءهم بذورًا لخلف أرقى وأكثر منهم ولذلك كانوا يحسنون تربيتهم التربية الصحيحة ويعلمونهم العلم النافع، فنشأوا على حب العدل والاستقامة والصدق والوفاء والعمل، في حين أصبح الأمر على خلاف ذلك في جزيرة الأغنياء، فكانت الثروة تنقص يوما بعد يوم، لأن سكانها لما كانوا فيهم من فرط العجرفة والكسل والفساد كانوا يستنكفون أن يتولوا بأنفسهم حرث الأرض، فلم تلبث أن امتلأت بالحشائش الضارة،  وتعطلت جميع الحرف والصنائع لفقد عمالها، وتبع ذلك زوال مواد الزخرف وتداعت الصروح والقصور التي بناها الفقراء للأغنياء أيام زمان،  فانتشر الفزع في قلوب الأغنياء لمستوى الانحطاط الذي دب في مجتمعهم على كل المستويات، ولم يجدوا بدا من الاستنجاد بصناع الجزر المجاورة من الفقراء، فلم يستجيبوا لدعوتهم لعلمهم بما عانه إخوانهم من الفقراء من ضروب الاحتقار والظلم والإهانة.
نعم إن من بقي في الجزيرة من سكانها الأغنياء  كانوا يملكون كثيرًا من الذهب والفضة، وقد اشتروا من التجار الأجانب كل ما كانوا في حاجة إليه مدة من الزمن، ولكن كل كنز لا بد من نفاذه بالغًا من الكثرة ما بلغ خصوصًا إذا كان أصله لا يتجدد، ولم تمض إلا بضع سنين حتي غاضت أموالهم، وبدأوا يعضون على أصابع الندم من جراء ما ارتكبوه من ظلم وقسوة في معاملة الفقراء، وازدادت حالتهم سوء عندما عجزوا عن تأدية أجور من يحوطونهم من الخدم والحشم، ولما عجزت خيولهم على جر عجلاتهم لفقدها من كانوا يقومون على تغذيتها وإصلاحها، وكانت نساؤهم تُرى في الشوارع منتعلات نعالاً من الديباج مشوهة الأعقاب ولابسات جلابيب من الحرير المذهب كلها ممزقة ومخرقة، لعدم قدرة تلك السيدات الجليلات أن يرقعن ثيابهن بأيديهن، وفي ظرف زمني وجيز تحولت جزيرة الأغنياء المترفين إلى جزيرة الفقراء المعدمين،  وأصبح القحط يزداد فيها من سنة بعد أخرى، لدرجة انهيار  إنتاج المحاصيل الزراعية لافتقاد الأيدي العاملة القوية المنتجة، وأصبح الأغنياء يموتون جوعًا في قصورهم وصروحهم، ولو لم يتداركهم أولئك الفقراء الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم بالإكراه من بعد الإفراط في سوء معاملتهم ويساعدوهم بما فضل عن حاجتهم لهلكوا عن بكرة أبيهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق