لا تقدم ولا مستقبل في عالم اليوم إلا للشعوب الواعية الحية

"التقدم الحقيقي ليس في إغراق البلد بالعلب الليلية والخمارات والمواخير لاستمتاع ومجون اليهود والنصارى وإفساد المجتمع، فالمساحيق في كل الأحوال لم تعط يوما أكلا طيبا كما قال المفكر المهدي المنجرة رحمه الله " ضفاف متوهجة
جاء في خبر لوكالة رويترز البريطانية أن الإدعاء العام بمحكمة سول المركزية أمر باعتقال رئيسة كوريا الجنوبية السابقة 'بَارْكْ غُنْ هِي' ووضعها في السجن بتهمة الفساد واستغلال النفوذ وتلقي رشاوي مقدمة من شركات كورية كبرى لدعم مبادرتها السياسية.
وتجدر الإشارة إلى أن 'بَارْكْ غُنْ هِي' كانت قد فازت في  19 ديسمبر 2012 بالإنتخابات الرئاسية لجمهورية كوريا الجنوبية بنسبة تصويت بلغت 51.6%، وقادت البلد في الفترة من فبراير 2013 حتى فبراير 2016.
وقد تم عزل من كانت يا حسرة تعتبر نفسها السيدة الأولى لكوريا الجنوبية بعد عدة شهور من توقف النشاط السياسي بالبلاد، وبعد اشتعال  اضطرابات اجتماعية كبرى حشدت مئات الآلاف من المتظاهرين الذين طلبوها بالرحيل.
إن هذه الواقعة تعبر في حقيقة الأمر أبلغ تعبير على أن القانون يسمو فوق المناصب والكراسي والأنساب في البلدان التي تحترم نفسها ولها كل مقومات الدولة الراشدة  العادلة وليس العكس، وعلى أن القوانين في هذه البلدان العادلة ليس عبارة عن بيوت للعنكبوت تقع فيها الطيور الصغيرة المستضعفة وتعصف بها الطيور الكبيرة  المستأسدة بالسلطة والجاه والمال كما هو الحال في الدول الظالمة المتخلفة .
ولعل الدكتور مصطفى حجازي كان جد موفق في تطرقه إلى ظاهرة الإعتداء على القانون في البلدان المتخلفة في مؤلفه القيم والمفيد  'التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور' عندما قال: مفهوم الاعتداء على القانون في مجتمع القهر غير واضح تماما، فالضوابط الخلقية الداخلية غير فعالة تماما، ليس هناك أخلاق بين الفئات المقهورة بمعنى الالتزام العلائقي اتجاه الآخر من خلال الاحترام المتبادل والمراعاة المتبادلة، هناك فقط خوف من السلطة وبطشها، لذلك تشيع تصرفات الاحتيال والغش والخداع والاستغلال بقدر ما تسمح به إمكانات التهرب من الملاحقة، ليس هناك مصلحة عامة وتآزر اجتماعي، فكل يتدبر أمره كما يستطيع في غياب الانتماء والالتزام.
فإحساس الإنسان في المجتمع المتخلف بأنه متروك ليواجه مصيره دون حماية فعلية أو ضمانة أكيدة للحاضر والمستقبل يجعله يُجَابِهُ قلق الوحدة والتعرض للخطر بشكل عنيف يؤدي إلى انهيار الانتماء الاجتماعي، وحين تغيب السلطة أو يهزل وجودها أو يتقلص أداؤها، يتحول المجتمع عندها إلى ساحة قتال وصراع على النهب ما أمكن وبأكبر كمية مُتاحة.
والحقيقة هي أن بنية المجتمع المتخلف نفسها تقوم على النهب والاستغلال، ففي الحالات العادية نجد القلة المتسلطة هي التي تمارسه بشكل خفي، تبرز منه فُقَاعات تطفو على السطح من آن لآخر على شكل فضائح مالية، والحقيقة الثانية هي أن مفهوم القانون، الذي يضع الحدود للسلوك ويفرض مراعاة مصالح الآخرين مبخس ومشوه في العالم المتخلف،.
فالقانون لا يُـــفْرَضُ إلا على من لا يمتلك القوة للإعتداء عليه أو السُّبُلَ لذلك الإعتداء، ليس هناك احترام للقانون وتقبل له، بل رضوخ وإرغام، إِذْ أنّ القاعدة هي أَنْ تخرق القانون إذا استطعت، وفي ذلك كله انهيار لاحترام العلاقات الإنسانية، لأن خرق القانون هو في النهاية اعتداء صارخ على الآخرين وعلى علاقة المواطنة والانتماء الاجتماعي.
تُرى كم سيلزمنا من السجون لإيواء ياجوج وماجوج من المجرمين بحق أوطانهم وبحق الإنسانية لو طبقنا القوانين في وطننا العربي كما طبقتها كوريا الجنوبية بدون كيل بمكاييل مختلفة وبدون حيف ولا تمييز ولا تلفونات ولا أوامر؟؟؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق