سيرى الشعب يوما بزوغ الشمس

"وَانْهَ الـمُشِيرَ عَلَيْكَ فِيَّ بِضِلَّةٍ        فَالْـــــحُرُّ مُـمْتَحَنٌ بِأَوْلاَدِ الـــــــزِّنَا"
                                                                                       أبو الطيب المتنبي
كلما ازددت قراءة وإمعانا في تاريخ العرب المزور، وكلما تعرفت على خسة ونذالة بعض حكامهم سادني اضطراب خطير، فضاع عقلي ومنطقي لدرجة أني أكاد أصاب بالجنون، فأرى روحي ثائرة مندفعة متبرئة تريد الخلاص والابتعاد عن مستنقعهم، وكأن بها تصرخ من الأعماق يا ليتني لم تلدني أمي.
رأيت أحلامي تتبدد  وتضيع بين الصحوة والكرى وكأن هناك من يسحب الأرض من تحت قدمي، فعدت إلى عزلتي كئيبا حزينا على تاريخنا المزور..حاولت أن أصرخ صراخا ترتجف له الأفئدة، أو أقول كلمة مدوية تهز الجبال وتعيد الوضع إلى طبيعته الأزلية، لكن لا طاقة لي بذلك، وليس لي زئير الأسد لإصدار أوامري..فما قيمة الكلمة التي لا تعضدها سلطة وقوة وما الفائدة منها.
قررت بعد يأسي من الناس أن أمشي بينهم في الأسواق شبحا  بلا صوت ولا صورة، حاملا همومي وأفكاري لنفسي على أجنحة الحمام الأبيض، أحلق فوق ذاتي الفانية، وإن مشيت فلسوف أمشي وأقدامي تدوس على قلبي وتمحي أثر خطاي، فلا خير يُرتجى من أرض تشققت وتورمت فيها أقدامي من فرط الإخلاص والوفاء والفضيلة، بينما درت اللبن والعسل على أقدام الخونة والمتملقين والوصوليين والانتهازيين والمرتشين ولصوص أموال الضعفاء والمساكين.
سوف أنزل إليك أيها اليم العظيم المظلم، فلم تعد تستهويني زخارفك ومصائدك وأضواءك الساطعة تبا لك أيها العالم المغشوش المليء بالغشاشين، ثم سوف أقص عليك حكايات تاريخنا المزور المليء بالمكائد والدسائس والاقتتال من أجل التسلط والتحكم في رقاب الناس، ومن أجل الوزيعة والغنائم والخور عفوا الحور العين والغلمان.
سلبمتم كل شيء ولم تتركوا  شيئا يا من ارتويتم من دماء شعوبنا المهدورة..  فيا لكم من لصوص !! أيها المكرة من الخطباء المتشدقين بالفضائل والوطنية، فحتى صغار السراق أصدق منكم وما زال فيهم بقية شرف ونخوة وشهامة مقارنة بكم، إنكم تتصاغرون في عيوني، ولا أراكم إلا تزدادون وضاعة وخسة ونذالة، فما أنتم إلا حشرات مضرة تقتات وتسترزق على أجساد الأمة المنخورة العليلة، ولسوف لا يطول بكم الزمن حتى تنفجر هذه الأجساد في وجوهكم وتأخذكم معها إلى غير رجعة في غياهب الظلمات، فلا تغرنكم شمس الظهيرة الساطعة التي تسبقها العاصفة.
دخلت مدينة العرب العبثية الكبيرة منذ ميلادي ولم أظفر فيها بشيء، بل على العكس من ذلك فقدت فيها روحي وكياني وتوازي النفسي والعقلي، فهي عبارة عن جحيم يصهر الأفكار العلوية الصافية الصادقة  ويحولها إلى خبث وقذارة وميوعة مائعة، هذه المدينة التي  يختفي فيها الشرف والعفة والصدق، ولا يُسمح فيها إلا للرذائل والفواحش باعتلاء منصات التتويج، حيث يتم بالمزاد العلني شراء الذمم بأبخس الأثمان.
لقد صرت أمقت مدينة العرب العبثية الكبيرة، لأنها بكل بساطة لم يعد فيها شيء صالح أو قابل للإصلاح، بل لم أعد أراها تزداد إلا فسادا  على فساد بعضه ظلمات فوق بعض مع عصر الموضة والحداثة والانتفتاح.
انتبه إلي البعض من الأقوام السفلة الفسقة وأنا سابح أناجي بنات أفكاري  فصاحوا صيحة رجل واحد إنه ذو فكر مخالف لفكرنا الحداثي المعاصر فيا له من متخلف حقير،  ثم رموني بالحجارة حتى سالت الدماء من قدماي، فضمدت جراحي وانتحيت سبيلي وحيدا متنكرا محاولا تجاهل مدينة العرب العبثية الكبيرة ومحوها من مخيلتي وإلى الأبد.
ثم ما لبثت أن حدقت في الأفق البعيد فبدا لي قرص الشمس محمرا مائلا نحو المغيب، وأنا جالس  بين أطلال مدينة العرب العبثية الكبيرة التي تتراءى لبعض المسحورين إنجازا عظيما، فتدفقت الدموع من عيني إشفاقا على تاريخ العرب المزور وعلى الأجيال الضائعة الآتية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق