زهير بن أبي سلمى شاعر الحكمة والسمو

يمكن اعتبار زهير بن أبي سلمى –صاحب المعلقة الخالدة الرائعة "أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ (1)- حكيم الشعراء في عصر ما قبل الإسلام بدون منازع، وهو ثالث فحول الطبقة الأولى ممن  عَلَّقُوا أشعارهم المعروفة بالمعلقات فِي الْكَعْبَة من بعد امرئ القيس وطرفة بن العبد، غير أن زهير كان أعفهم قولاً، وأوجزهم لفظاً، وأغزرهم حكمة، وأكثرهم تهذيباً لشعره، وهو أَجْمَعُ الشعراء للكثير من المعاني في القليل من الألفاظ، وهو ما يُعرف بالإيجاز الذي يكمن بالأساس في قلة اللفظ مع تأدية المعنى بعمقه الأوفى، فقصر العبارة مع دلالتها على المعنى بشكل مستوف وجميل لغويا وحبكا  كفيلٌ بصيرورتها وجريانها على الألسن وحفظها على مر الأزمان، لدرجة أنها تصبح ألصق بالذهن لسهولة حملها على الذاكرة، ولا يميل إلى الإيجاز إلا أصحاب النفوس السامية والهمم العالية.
كان زهير بن أبي سلمى شاعرا مبتكرا ذا همة وذا خصال حميدة، لأنه من النفر الذين كانوا يحاسبون أنفسهم كثيرًا ليقتربوا من الخير، ويبتعدوا عن الشر، ولهذا استقام خُلُقُهُ، وباعد بينه وبين الـمُوبِقَاتِ كالخمر والميسر والأزلام، ولقد تسامت بذلك نفسه، وابتعدت عن تدني المجتمع ورذائله وزلاته.
يمتاز شعره بالحكمة والسمو المعتمدين على البساطة الشديدة والعمق الفلسفي والشمول الأوفى واللحن الجميل، وهو شاعر مبتكر للمعاني قصد الوصول إلى حلول مقنعة لمسألة الإنسان والوجود بطريقة راقية بعيدة كل البعد عن الإسفاف وفحش الكلام وساقطه، شعر زهير حَسَنُ السَّبْكِ مع خلوه من التكلف الممقوت والبديع المقصود، منسجم في موسيقاه، متناسب بين فقره وجمله، خال من الفضول اللفظي والغلو المعنوي، ومهذب بلفظه المصقول الخالي من الغريب والمتنافر، ولا غرابة في ذلك عندما ننصت لما قاله فيه ابن الأعرابي: "كان لزهير ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعرا، وخاله شاعرا، وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبـجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرة"، وهو من أصحاب المعلقات، توفي زهير بعد عمر مديد عن مائة وثماني سنين، وذلك قبل بعثة النبي (ص) بسنة:

كَأَنَّ امْرُأً لـَمْ يَلْـــــــــقَ عَيْشًا بِنَعْمَةٍ     إِذَا نَزَلَتْ بِالـمَرْءِ قَاصِمَةُ الظَّـــــهْرِ
******
وَالإِثْمُ مِنْ شَرِّ مَا يُصَالُ بِهِ      وَالْبِرُّ كَالْــــغَــــيْثِ نَـــبْـــتُــــهُ أَمِــــــرُ
******
لِأَيِّ زَمَــــــانٍ يُـخْبِئُ الـمَـــرْءُ نَفْعَهُ     غَدًا فغَدًا وَالــــــدَّهْرُ غَــــادٍ وَرَائِــــحُ
إِذَا الـمَرْءُ لَمْ يَنْفَعْكَ حَيًّا فَنَفْعُهُ     قَلِيلٌ إِذَا رُصَّتْ عَلَيْهِ الصَّفَائِــحُ
******
ثَلاَثٌ يَعُزُّ الصَّـــــــبْرُ عِنْدَ حُــــلُولـِهَا     وَيَذْهُـــلُ عَنْهَا عَـــقْـــلُ كُلُّ لَــــبـــِيبِ
خُرُوجُ اضْـطِرَارٍ مِنْ بِلاَدٍ يُـحِبُّـــــهَا     وَفُرْقَـــةُ إِخـْــــــوَانٍ وَفَـــقْـــدُ حـَـــــــــبِيبِ
******
                           وَلاَ تُكْثِرْ عَلَى ذِي الضِّغْنِ عَتْباً     وَلاَ ذِكْـــــرَ الــــتَّجَــــــــــرُّمِ لِلـــــذُّنُــــــوبِ                                                          وَلاَ تَسْــــــأَلْهُ عَمَّا سَـــوْفَ يُــــــبْدِي    وَلاَ عَـــنْ عَـــْيبِهِ لَــــــكَ بِالـْمَـــغِـــــيبِ
                           مَتَى تَكُ فِي صَـــــــــدِيقٍ أَوْ عَــــــدُوٍّ     تـُخَبِّـــــــرْكَ الوُجُــــــوهُ عَنِ القُلُـــــوبِ
******
نَامَ الـخَــــــلِيُّ فَنَـــــــوْمُ العَــــــــــينِ تَـــقـْــرِيرُ       مِـمَّا اذَّكَرْتُ وَهَـــمُّ النّـــفْسِ مَـــــذْكُورُ
ذَكَرْتُ سَلْمَى وَما ذِكْرِي بِــرَاجِعِهَا       وَدُونـَهَا سَــبْــسَبٌ يَــهْــوِي بِهِ الـمُورُ
وَمَا ذكَرْتُكِ إلاَّ هِــــــجْتِ لِي طَـــــــرَباً       إِنَّ الـمُحِبَّ بِبَعْضِ الأَمْـــــرِ مَعْذُورُ
لَيْسَ الـمُحِبّ بمَنْ إنْ شَـــــــــطٌّ غَيّرَهُ       هَجْرُ الـمُحِبِّ وَفِي الـهِجْرَانِ تَغْيِيرُ
******
إِنْ يُدْرِكْكَ مَوْتٌ أَوْ مَشِيبٌ     فَقَبْلَكَ مَـــاتَ أَقْـــوَامٌ وَشَابُوا
تَلَـــبَّـثْـــــنَا وَفَـــــــــــرَّطْنا رِجَـــــــــــــــــــالاً    دُعُوا وَإذَا الأَنَامُ دُعُوا أَجَابُوا
وَإِنَّ سَبِيلَـــــــــنَا لَـــسِبيـــلُ قـَــــــــــوْمٍ     شَهِدْنَا الأَمْرَ بَعْدَهُـــمُ وَغَابُوا
فَلاَ تَسْأَلْ سَتَثْكَــــــلُ كُــــلُّ أُمٍّ     إِذَا مَا إِخْوَةٌ كَـــثُـــــــرُوا وَطَـــابُوا
******
هَلْ فِي تَـــــذَكُّــــــــــرِ أَيَّــــــــامِ الصِّـــــــبَا فَــــــــنَــــــــدُ؟     أَمْ هَـــــلْ لِمَا فَـــــــــــــــاتَ مِنْ أَيَّـــــامِــــــــــــهِ رِدَدُ
أَمْ هَلْ يـُــــــــــــلاَمَــــنَّ بَاكٍ هَــــــــاجَ عَــــــــبْـــرَتُــــهُ     بِالْحـِجْــــرِ إِذْ شَـــفَّهُ الـــــوَجْدُ الَّذِي يَـجِـــدُ
أَوْفَـى عَــلَى شَــــــرَفٍ نَــــــشْـــــزٍ فَأَزْعَـــــجَــــــهُ     قَــــــلْــــــبٌ إِلَى آلِ سَلْـــــــــمَى تَائِـــــــقٌ كَــمِـــــدُ
مَتَى تُــــــرَى دَارُ حَـــــيِّ عَــــــهْــــــدُنَا بِـــــــهِــــمُ     حَيْثُ الْتَقَى الـــغَوْرُ مِنْ نَعْمَانَ وَالنُّجُــدُ
لَـهُــــمْ هَـــــوًى مِنْ هَــــــــوَانَا مَا يُــــقَـــــــــرِّبُـــــنَا      مَاتَـــتْ عَلَى قُـــرْبِهِ الأَحْـــشَــــــاءُ وَالْكَـــــبِدُ
******
أَعْــــــــــلَــــــمُ أَنِّي مَتَى مَا يَأْتِنِي قَــــــــدَرِي     فَلَيْسَ يَـحْــــــبِسُهُ شُــــــحٌّ وَلاَ شَفَــــــــقُ
بَيْنَا الفَتَى مُعْجَبٌ بِالعَيْشِ مُغْتَبِطٌ     إِذَا الفَتَى لِلْمَـــــــنَايَا مُسْلَــــــمٌ غَــــــلِـــــقُ
وَالـمـَرْءُ وَالـمَالُ يَنْـــمِي ثــُمَّ يُذْهِـــبُــــهُ     مَرُّ الــــدُّهورِ وَيُـــفْــنِــيهِ فَـــيَنْـــسَحِـــــــــقُ
كَالغُـــصْنِ بَيْنَا تَرَاهُ نَاعِماً هَــــــــــدِباً     إِذْ هَاجَ وَانْـحَتَّ عَنْ أَفْنَانِهِ الــوَرَقُ
كَذَلِكَ الـمَرْءُ إِنْ يُنْسَأْ لَهُ أَجَـــــــــلٌ     يُرْكَــــبْ بِهِ طَــــبَـــقٌ مِن بَعْـــدِهِ طَــبَقُ
قَدْ يُعْــــوِزُ الـحَازِمُ الـمَحْمُــودُ نِــيَّـــتَهُ     بَعْدَ الثَّرَاءِ وَيُثْرِي العَاجِزُ الـحَمِقُ
فَلاَ تَخَافِي عَلَيْنَا الفَــقْرَ وَانْتَــــــــــظِرِي     فَضْلَ الَّذِي بِالغِنَى مِن عِنْدِهِ نَئِقُ
إِنْ يَــفْــنَ مَا عِــــنْــــدَنَا فاللهُ يَــــرْزُقُــــــنَا    وَمَنْ سِوَانَا وَلَــــسْــــنَا نَـحْـــنُ نَـرْتَــــــزِقُ
******
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ يَرَى النّاسُ مَا أَرَى     مِنَ الأَمْــــــــــرِ أَوْ يَـــبْــــدُو لَــــهُمْ مَا بَـــــدَا لِــــــيَّا
بَـــــــــــــــدَا لِي أَنَّ اللَّهَ حَـــــــــــــــــــــقٌّ فَـــــــــــــــــــــــزَادَنِي      إِلَى الـــحَـــــــقِّ تَــــقْـــوَى اللَّهِ مَا كَـــــــــــانَ بَادِيَا
بَدَا لِي أَنَّ النـَّــــــــــاسَ تَـــفْـــــنَى نُـــــفُوسُهُــــــــمْ       وَأَمْـــــــوَالُـــهُـــــمْ وَلاَ أَرَى الــــــــــــــدَّهْــــــــرَ فَـــانِــــــيَا
أَرَانِـــي إِذَا مَا بِـــتُّ بِــــتُّ عَـــــلَى هَــــــــــوىً      وَأَنِّي إِذَا أَصْـــبَــحْــتُ أَصْـــبَـــــحْــتُ غـَــــــــــادِيَا
إِلَى حُـــفْـــــــرَةٍ أُهْـــــــــــدَى إِلَـــيْـــهَا مُـــقِيــــــمَـــةً       يـَــحُـــــــثُّ إِلَــــيْـــهَا سـَـــــــــــــــــــــــــائِـــــقٌ مِنْ وَرَائـِـــــيَا
كَأَنِّي وَقَـــدْ خَــلَّــــفْتُ تِــــسْـــعِـــينَ حِــــجَّــةً      خَـــلَـــــــــــــــعْــــــــــتُ بِــــهَا عَنْ مَــــنْـــكِـــبَـــــيَّ رِدَائِـــيَّا
بَــــــــــــدَا لِي أَنِّـي عِـــــشْــــتُ تِسْـعِينَ حِجَّةً      تِبـَــــــــــاعاً وَعَــــــــــشْـــــــــراً عِــــشْـــــــــتُـــهَا وَثَـمَـــانِـــــــيَا
بَدَا لِي أَنّي لَسْتُ مُـــــــدْرِكـــــَ مَا مَــــــــــــضَى     وَلاَ سَـــــــــــــــابِـــــقاً شَيْـــــــــــئاً إِذَا كَــــــانَ جَــــــــائِـــيَّا
أَرَانِي إِذَا مَا شِـــــــــئْـــــتُ لَاقَــــــــيْتُ آيَــــــــــــةً      تُـــــذَكِّــــــرُنِي بَــعْــــــــــضَ الَّـــذِي كُــــنْــتُ نَاِسِــــــيَا
أَلاَ لاَ أَرَى عَلَى الـحَـــــــــــوَادِثِ بَاقِــــــــــيّاً      وَلاَ خَـــــــــــــــالِـــــــــــداً إِلاَّ الـجِــــــــــــبَالَ الــــــــــرَّوَاسِيَا
وَإِلاَّ السَّـــمَـــــــــــاءَ وَالــــــــــــبِــــــــلاَدَ وَرَبَّــــــنَــــــــا      وَأَيَّــــــــــامَــــــــــــــــــنَا مَــــــــــــــــــعْـــــــــدُودَةً وَاللَّـــــــــــــــيَــــالِـــــيَا
******
سَئِـمْـتُ تَكَالِـيـفَ الحَـيَـاةِ وَمَــنْ يَـعِــــشْ    ثَـمَـانِـيـنَ حَـــــــــوْلاً لاَ أَبَــــا لَــــكَ يَــسْـــــــــــأَمِ
وأَعْـلَـمُ مَــا فِــي الْـيَـوْمِ وَالأَمْــسِ قَبْـلَـــــــــهُ    وَلكِنَّـنِـي عَــنْ عِـلْــــمِ مَــا فِــي غَــدٍ عَـــــــــــمِ
رَأَيْتُ المنَايَا خَبْطَ عَشْـوَاءَ مَـنْ تُصِـبْ    تُمِـتْـهُ وَمَــنْ تُـخْـــــطِـىء يُـعَـمَّــــــــرْ فَـيَـهْـــــــــرَمِ
وَمَــنْ لَــمْ يُصَـانِـعْ فِــي أُمُــورٍ كَثِـــــــــــــــيـــــرَةٍ    يُـضَــرَّسْ بِـأَنْـيَــابٍ وَيُــوْطَــأ بِـمَـنْـسِـــــــــــــــــــمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ الـمعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ    يَـفِـــــــــرْهُ وَمَـــنْ لا يَـتَّــقِ الـشَّـتْـمَ يُـشْـتَـــــــــــمِ
وَمَــنْ يَــكُ ذَا فَـضْـلٍ فَيَبْـخَـلْ بِفَـضْـلِـــــهِ    عَـلَــى قَـوْمِــهِ يُسْـتَـغْــــــــنَ عَـنْــهُ وَيُــذْمَــــــــمِ
وَمَـــنْ هَـــابَ أَسْـبَـــــابَ الـمَنَـايَـا يَنَـلْـنَــــــهُ     وَإِنْ يَـــرْقَ أَسْــبَــابَ الـسَّـمَــاءِ بِـسُـلَّــــــمِ
وَمَـنْ يَجْعَـلِ الـمَعْـرُوفَ فِـي غَيْـرِ أَهْلِــــهِ    يَــكُــنْ حَــمْــــــــدُهُ ذَمـّـــاً عَـلَــيْــهِ وَيَــنْــــــــــــدَمِ
وَمَـنْ لَـمْ يَــذُدْ عَــنْ حَـوْضِـهِ بِسِـلاحِـــهِ    يُـهَـدَّمْ وَمَـــنْ لاَ يَـظْـــــلِـمِ الـنَّــاسَ يُـظْـلَــــــمِ
وَمَـنْ يَغْـتَـرِبْ يَحْـسِـبْ عَــدُوّاً صَدِيـقَـــهُ    وَمَـــنْ لَـــمْ يُـكَـــــرِّمْ نَـفْـسَــــــــــــهُ لَـــمْ يُــكَــــــرَّمِ
وَمَهْمَـا تَـكُـنْ عِـنْـدَ امْــرِئٍ مِــنْ خَلِيـقَـةٍ    وَإِنْ خَالَـهَـا تَخْـفَـى عَـلَـى الـنَّـاسِ تُعْـلَـمِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق