أنت موطني وملاذي الأخير أيتها العزلة

تـَجَـــرَّدْ مَا اسْتَطَعْتَ وَعِـــشْ وَحِـــــيــــــدَا      إِذَا مَا رُمْـــتَ أَنْ تَــــــحْــــيَى سَــــعِـــيـــدَا
أَرَى الإِنْسَــــــــــانَ فِي دُنْــــيَـــــاهُ يَـــــشْـــــــقَى      إِذَا هُوَ لَـمْ يَــــــعِــــــــــــشْ فِـــــيهَا فَـــرِيــــــدَا
فَإِنْ سُـــــدْتَ الْــــــــوَرَى وَافَـــــــاكَ هَـــــــــــــمٌّ      لِأَنَّـــــكَ قَـــــــطُّ لاَ تَــــــــــــرْضَى الـــعَــبِـيـــدَا
وَإِنْ تـَـــــكُ بَـــيْـــنَــهُمْ عَـــــــبْــــــداً ذَلِــــــــيـــــــلاً      تَـــــجِـــدْ مَـــــــوْلاَكَ جَـــــــبَّــــــــــاراً عَـــــنِــيـــــــدَا
فَإِرْضَــــــاءُ الْـخَــــلاَئِـــــــقِ لَيْسَ سَهْـــــــــــلاً      وَلَوْ أَفْــــنَــــيْتَ دُونَـــــــهُــــــمُ الْــــــــــوُجُــــــــودَا
لِأَنَّ الْـخَـــلْــــــــــقَ مُـخْــــتَـــلِـــفُونَ طَــــــــــبْعاً      وَطَـــبْـــــــــعـاً أَنْ تَـــــــرَى فِيهِــمْ جُــــــحُــــودَا
مُـحَــــــالٌ أَنْ تَرَى فِي الدَّهْرِ خِـــــــــــــــلاًّ      وَفِـــــــــــيّـــاً عَـــنْ وِدَادِكَ لَنْ يَـــــحِـــــــــــــيـــــدَا
فَكَمْ مِنْ صَاحِبٍ لِي بَعْدَ عَهْد الْـــ      ــــمَوَدَّةِ وَالإِخَا نَــــــــــكَــــــــثَ الْعُـــهُــــــــــودَا
وَصَـــــفْـــــــــــوُ الْعَــــيْــــشِ تَــــــلْـــقَـــــاهُ إِذَا مَا      تَــــرَكْــــتَ الأَهْـــــلَ وَالْـخِـــــــلَّ الـْـــــــــوَدُودَا
وَجُــبْتَ الْكَــــــــــــــائِـــنَـــاتِ وَأَنْتَ حُـــــــــرٌّ      إِلَى حِـــــــيــــنٍ بِهِ تَـــــلْــــــــــقَى اللُّــــــــحُــــــودَا
وَلَيْــــــسَ بِضَــــــــائِــــــــــرٍ إِنْ قِــــــيــــلَ هَـــــــذَا      غَــــــــــدَا مُـــتَـــــوَحِّـــــــــــــــشاً عَــــنَّا شَــــــــــرُودَا
                                         الشاعر العراقي إبراهيم منيب الباجه جي البغدادي

أنت موطني وملاذي الأخير أيتها العزلة، لقد طال انتظاري في بلاد الظالمين الفسدة المفسدين، فها أنذا أعود إليك يا موطني الغالي وعيناي تدرفان الدموع، فارفعي شاهدك وهدديني حتى أنت أيتها العزلة، واسأليني عن حال من هرب منك إلى مكان قصي طلبا للكرامة، اسأليني عن من أفلت منك وهو يصيح لقد طال انفرادي فنسيت الصمت، اسأليني هل تعلمت الصمت أم أخرستني الإهانة، اسأليني كيف كنت أشعر أنني وحيد بين الجموع المهانة المهدورة الكرامة، وكيف كانت تسودني وحشة لم أعرفها وأنا في أحضان عزلتي، إن الفرق بين الوحدة والوحشة لبعيد.
هذه هي الحكمة التي تعلمتها الآن، وأدركت أخيرا أنني سوف أبقى غريبا مستوحشا بين الناس، حتى ولو بذلوا لي حبهم المغشوش، فهم أولا وقبل كل شيء لن يتنازلوا مقابل حبهم هذا بأقل من مداراتهم إن لم يتطور الأمر إلى استعبادهم لي.
إنني هنا آوي إلى مسكني الحقيقي فيمكنني أن أقول ما أريد لا ما يريدون، ففي العزلة لا يخجل الإنسان من خطرات سريرته المتصلبة، كل شيء هنا ينقاد إلى بياني متحببا طائعا لأن الأشياء كلها تقصدني لتسمو بي، ولأسمو فوق رموزها كمطايا تذهب بي مطلوقة العنان نحو ما أظنه حقائق، ها هنا لي أن أوجه خطابي إلى كل الأشياء لأن كل كلمة إخلاص  تُقال لها تتلقاها حمدا لها وثناء عليها.
كم في صوتك من نبرات السعادة في عطفه وحنانه أيتها العزلة، وليس بيني وبينك من شكوى ولا عتاب، فكلانا نمر صريحين دون نفاق ولا مداهنة من الأبواب المشرعة، لأن كل شيء فيك مضى، والساعات تمر فيك عجلى خفيفة،  وما تتثاقل الساعات في النور تتثاقلها في الظلام.
إنني أشعر ها هنا بأن لكل شيء روحه ومعناه، فكل كائن يريد أن يعبر عن سريرته، أما هنالك حيث تسود ضجة وصياح الناس، فكل قول عبث وهراء مآله النسيان والفناء، هذا ما تعلمته منهم، وإذا ما أراد أحدهم أن يفهم كل شيء وجب عليه أن يستولي ويستحوذ على كل شيء، أما أنا فما امتدت يداي يوما قط لأخذ شيء منهم، لقد تولاني الاشمئزاز من رائحة أنفاسهم، فوا أسفاه على زمن طويل قضيته معهم وبينهم حيث يضجون ويتنفسون.
إنني أستنشق الآن في عزلتي بملء رئتي هذا الهواء النقي في هذا السكون المنصت لي، أما هنالك فالكل يتكلم ويصرخ ويصيح ولا أحد يُنصت، وهنالك يتكلم الجميع في وقت واحد، ولا من أحد منهم يفهم ما يُقال، فكل شيء يقع في المياه الجارية ولا يتسرب شيء إلى أعماق منابعها، هذه هي المصيبة لا أذن وألسنة طويلة العنان.
هنالك الجميع يتكلم ولم يبق من مستور لم يُهتك، فيا للطبيعة البشرية، ما أنت إلا عبارة عن ضجة في المسالك المظلمة، هكذا عشت بين الناس، جلست بينهم متنكرا أكاد أجحد ذاتي لأحتملهم، مُقْنِعاً نفسي بقولي أنني مجنون لا أدرك حقيقتهم، ومن عاشر الناس طويلا فإنه ينسى ما يعرفه عنهم بسرعة، لأن ما ينطح بصره من المشاهد والمظاهر الخارجية يصده ويمنعه عن سبر سرائرهم وأغوارهم وأعماقهم، لقد جهلوا حقيقتي فدفعني جنوني إلى مدراتهم بأكثر من مداراة نفسي، لأنني تعودت على أن أقسو عليها.
جلست بين الناس تلذغني حشراتهم السامة وتنال مني شرورهم كما تنال قطرات الماء المتوالية الانسكاب على الحجر، فكنت أقول لنفسي إن الحقارة تحمل براءتها في ذاتها، إن ما تعلمته هنالك هو أن أستر نفسي وأخفي ثروتي التي هي عقلي، لأنني رأيت كل ذي غنى بين الناس فقيرا بعقله، وتعلمت أن أكون مقتضبا في كلامي، وتعلمت أحيانا استبدال الكلمات وبذلك سميت حفاري القبور منقبين وعلماء.
هيا تعالي أيتها العزلة لنسافر بعيدا عن مستنقعات العفن والخمج بحثا عن قمم عالية حيث الهواء حر طليق لا تشتم فيه روائح المجتمع النتنة الفاسدة.
ضفاف متوهجة بتصرف واسع عن 'العودة' للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق