مسلمون والله أعلم

ليس الهدف من تشريع الصيام الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات من طلوع الشمس إلى غروبها، بل هو مسك ولجم النفس الجموح الأمارة بالسوء عن القيام بالمعاصي والآثام والمظالم ابتغاء مرضاة الله تعالى، فالصوم هو بمثابة مدرسة أخلاقية تعلم المسلم وتعوده على التحكم بزمام نفسه وكبح جماح شهواتها، إضافة إلى كون الصيام  يُشعر الصائم بالجوع والعطش والمعاناة خصوصا في أيام الحر حتى يشعر هو الآخر بمعاناة الفقراء والمساكين والمحرومين والمعذبين في الأرض، كي يرق قلبه لهم ويتعاطف معهم ويرأف بهم ويقدم لهم كل ما يحتاجونه من مساعدة، فالمسلم كما قال الرسول الأكرم (ص) أخ المسلم لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فَرَّجَ عن مسلم كُرْبَةً فَرَّجَ الله عنه كُرْبَةً من كُرُبَاتِ يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة، وكما قال أيضا عليه الصلاة والسلام:"ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به".
غير أن واقع المسلمين يُظهر بما لا يدع مجالا للشك خروجهم في غالب الأحيان عن هذه التعاليم السامية، عندما يتحول الصيام إلى مجرد موسم سنوي من المواسم  يتوقف فقط عن امتناع المرء عن الطعام والشراب نهارا ليتحول ليلا إلى لهو وتفاخر بالموائد وملئ للبطون حتى التخمة، وذلك بالرغم من بعض ما تبقى من قشور الطقوس التعبدية المرائية ليس إلا، في تناسق وانسجام تام مع إقامة للسهرات والليالي في المقاهي والهواء الطلق، واستغباء الناس بطوفان عرمرم من السهرات والمسرحيات والتمثيليات والسكيتشات وهلم جرا من المضحكات المبكيات عن طريق آلة التضبيع والتبغيل الجهنمية المسماة بالتلفزيون. 
وعلى مرمى حجر من جميع الدول الإسلامية يعاني الأمرين المستضعفون من المسلمين الفارين بجلودهم من ظلم وقسوة ووحشية وهمجية  إخوانهم المسلمين، الذين قاتلوهم واعتدوا عليهم وسرقوهم وأخرجوهم من ديارهم، بدون غذاء ولا ماء ولا غطاء، فأين هي الإنسانية والرحمة وأين راح إسلامكم يا مسلمين؟؟ أين هي حقوق الناس وأين ضاع حفظ أنفسهم وكرامتهم وأعراضهم؟؟ أين أنت يا جامعة الدول العربية؟؟ وأين أنت يا منظمة التعاون الإسلامي؟؟
لقد كان محقا الشيخ محمد عبده رحمه الله عندما حضر لمؤتمر باريس عام 1881، وقال قولته الشهيرة لما عاد إلى موطنه: «رأيت في أوروبا إسلاما بلا مسلمين وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام"، وكان السبب الذي جعل الشيخ ينطق بهذا الكلام، هو الاحترام الكبير بين الناس الذي لفت نظره، ومعاملتهم فيما بينهم بأمانة وصدق، وتسابقهم وتعاطفهم الكبير ومساعدتهم لكل الناس بغض النظر عن أعراقهم وأديانهم ولغاتهم وألوانهم إذا حلت بهم مصيبة أو كارثة.
أما عندنا نحن المسلمون فحدث ولا حرج عن الهدر الكبير للأنفس والأعراض، فعلى سبيل الذكر لا الحصر ما زال يعاني منذ شهرين على الحدود الجزائرية-المغربية بمنطقة خلاء صحراوية في ظروف مزرية وجد قاسية وغير إنسانية بكل ما في الكلمة من معنى ما يناهز 41 لاجئا سوريا أكثرهم من الأطفال، دون أن تتدخل أي من الدولتين المسلمتين يا حسرة لفك هذا الحصار الظالم الجائر الذي تمليه خلافات سياسية بين الدولتين، فما الضير في أن تتكفل الجزائر ب20 سوريا ويتكفل المغرب ب 21 سوريا أو العكس، ولكنها السياسة وحرب المواقع والتكتيكات هي التي تهدر حقوق هؤلاء المسلمين ونحن على بعد أيام قلائل من شهر الصيام، فبأي حال عدت يا رمضان؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق