يسألونك عن الظلم

رحم الله الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن مقولته الخالدة الموجهة بشكل مباشر بصيغة الـمُخَاطَبِ لكل ظالم جبار أثيم، وهي نصيحة نصوح صالحة لكل زمان ومكان ولكل إنسان كيفما كان دينه وعرقه ولونه وحسبه ونسبه:
لا تَظلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَــــــدِراً     فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلَى النَّدَمِ
تَنَامُ عَيْـــنُـــكَ وَالـمَظْلُــــــومُ مُـنْـــتَبِهٌ      يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللهِ لَمْ تَنَمِ
أما محمد بن عيسى بن طلحة فيقول:
فَلاَ تَعْــجَــــلْ عَلَى أَحَــــــدٍ بِظُــــلْـــــمٍ     فَإِنَّ الظُّـــلْــــمَ مَـــــرْتَــــعُــــــــهُ وَخِيــــــــــــــمُ
وَلاَ تُفْــــحِــشْ وَإِنْ مُلِّــئْتَ غَــــيْظًا     عَلَى أَحَــــــدٍ فَإِنَّ الْفُـــــحْـــــــشَ لَوْمُ
وَلا تَقْطَعْ أَخــاً لَكَ عِنْدَ ذَنْـبٍ     فَإِنَّ الـــــــــذَّنْبَ يَغْــفِـــرُهُ الْــــــــكَــــــــــرِيمُ
وَلَكِــنْ دَارِ عَـــــوْرَتَـــــهُ بِـــــــرَقْـــــــــــــــــــعٍ      كَمَا قَدْ يُرْقَـــــــــعُ الْـخَــــلِقُ الْقَـــدِيمُ
وَلاَ تَـجْزَعْ لِرَيْبِ الدَّهْـــرِ وَاصْبِرْ     فَإِنَّ الصَّـــبْـــــــرَ فِي الْـــعُـــقْبَى سَلِيــــمُ
فَمَا جَــــزَعٌ بِـمُـــغْنٍ عَنْكَ شَـــيْئًا     وَلاَ مَا فَــــاتَ يُــــرْجِـــعُـــهُ الْـهُمُــــــــومُ
ويقول أبو العتاهية في الظلم:
أَمَا وَاللهِ إِنَّ الظُّـــــلـْــــــــــــــــــــــــمَ لَــــــوْمُ     وَمَا زَالَ الـمُسِيءُ هُوَ الظَّـــلُــــومُ
إِلَى دَيَّانِ يَــــــوْمِ الـــــدِّينِ نَـمْــــضِي    وَعِنْدَ اللهِ تـَجْـــــتَمِعُ الـخُـــــــــصُـــومُ
سَتَعْلَمُ فِي الحِسَــابِ إِذَا الْتَقَيْنَا    غَــــــــــداً عِندَ الإِلَهَ مَنِ الـمَلُــــــــــــومُ
تَلـُــومُ عَلَى السَّفَــــــــاهِ وَأَنْتَ فِيهِ     أَجَــــلُّ سَفـَــــــــــــــاهَةً مِـمَّنْ تَلُـــــــــومُ
وَتَلتَمِسُ الصَّـــــلاَحَ بِغَيْرِ حِلْمٍ      وَإِنَّ الصَّالـِحِينَ لَـهُمْ حُلـُــــــــــــومُ
تَنَـــــــامُ وَلَم تَنَــــــــمْ عَنْكَ الـمَنَايَا      تَــــــــــنـَــَبَّــــهْ لِلْـــمَـــنِـــيَّةِ يَا نَـــــــــــــــــــــؤُومُ
تَـمُوتُ غَداً وَأَنْتَ قَــرِيرُ عَيْنٍ      مِنَ الغَفَلاَتِ في لـُجَجٍ تَعُـــومُ
لَهَوْتَ عَنِ الفَنَاءِ وَأَنْتَ تَفْنَى     وَما حَيٌّ عَلَى الـــــدُّنْيَا يَــــــــدُومُ
تَــــــرُومُ الـخُلْدَ فِي دَارِ الـمَنَايَا     وَكَــــمْ قَدْ رَامَ غَــيْـــرُكَ مَا تَــــــرُومُ
سَلِ الأَيَّامَ عَنْ أُمَمٍ تَقَضَّتْ    سَتُـــخْـــبِرُكَ الـمَعَـــــالِـمُ وَالـــرُّسُومُ
وجاء في الأمثال السائرة: "الظلم مرتعه وخيم"، أي أن عاقبته مذمومة، وجُعِلَ للظلم مرتعاً لتصرف الظالم فيه، ثم جُعِلَ المرتع وخيماً لسوء عاقبته إما في الدنيا وإما في العُقْبَى، وفي الحديث النبوي الشريف ما يجري مجرى الأمثال السائرة أن الرسول (ص) قال: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وفي اختلاط القوم وتساويهم في الفساد ظاهراً وباطناً تقول العرب: ظلة الغنم عبيثة واحدة، وذلك إذا لقي الغنم غنماً أخرى فاختلط بعضها ببعض.
وفي أمثال العرب عن الظلم والبغي والمكر الكثير، ومن ذلك قولهم: "أظلم من حية" لأن الحية تجيء إلى جُحْرِ غيرها فتدخله وتغلبه عليه، وكذلك قولهم: "أظلم من أفعى"، ويُقال: "إنك لتظلمني ظلم الأفعى"، وفي ذلك قال الشاعر:
وَأَنْتَ كَالأَفْعَى الَّتِي لاَ تَحْتَفِرْ     ثُمَّ تَـجِيءُ سَادِرَةً فَتَنْـــجَــــحِرْ
وقد كثرت أمثال العرب وأشعار الشعراء أيضا بظلم الذئب، ومن ذلك قولهم: "أظلم من الذئب"، و "من استرعى الذئب ظلم"، و "مستودع الذئب أظلم"، و "كافأه مكافأة الذئب".
قال الميداني: وأما ما جاء في أشعارهم فحكى ابن الأعرابي أن أعرابياً ربى بالبادية ذئباً فلما شب افترس شاة له، فقال الأعرابي:
فَرَسْتَ شُوَّيْهَتِي وَفَجَعْتَ طِفْــــــــلاً     وَنِسْـــــــــوَاناً وَأَنْتَ لَـهُـــــــــمْ رَبِــــيــــبُ
نَشَأْتَ مَعَ السِّخَالِ وَأَنْتَ طِفْلٌ     فَمَـــــــا أَدْرَاكَ أَنَّ أَبـَــــــــــــــــــــاكَ ذِيــــبُ
إِذَا كَانَتِ الطِّــــبَاعُ طِــــــــبَاعَ سُــــوءٍ     فَلَيْسَ بِـمُصْلِــــــحٍ طِبـَــــاعاً أَدِيــبُ
وقال آخر:
وَأَنْتَ كَجَرْوِ الذِّئْبِ لَيْسَ بِآلِفٍ     أَبَى الذِّئْبُ إِلاَّ أَنْ يَخُونَ وَيَظْلُمَا
أما قولهم: "أظلم من الليل" فهذا يراد به الظلمة، وإن قال بعضهم: هذا شاذ أن يبنى أفعل التفضيل من الإظلام، وليس كما ظن، فإن ظلم يظلم ظلمة لغة في أظلم إظلاماً، وإذا صح هذا فالبنى وقع على سمته وقاعدته.
وإنما نُسب إلى الظلم لأنه يستر السارق وغيره من أهل الريبة، وقولهم: "كالأرقم إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم"، يعني إن قتلته كان له من ينقم له منك وإن تركته قتلك.
وقولهم في الانتصار من الظلم: "هذه بتلك والبادئ أظلم"، ومنه: "من لم يذد عن حوضه يُهَدَّمْ"، وهذا المثل مأخوذ من قول الشاعر زهير بن أبي سلمى:
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِـلاحِهِ     يُهَدَّمْ وَمَنْ لاَ يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
وقولهم في الظلم ترجع عاقبته على صاحبه: "من حفر مغواة وقع فيها"، والمغواة هي البئر تحفر للذئاب ويجعل فيها جدي لِيَصِيدَهُ فيُصْطَادُ، ومنه قولهم: "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها"، وفي أمثال العامة: "مَنْ ظَلَمَ لاَ بُدَّ يُظْلَمُ"، وفي ذلك قال صالح بن عبد الله بن مغفل:
وَمَا مِنْ يَدٍ إِلاَّ يَدُ اللهِ فَوْقَهَا     وَلاَ ظَالِمٍ إِلاَّ سَيُبْلَى بِظَالِـمِ
إن دعاء المظلوم يستجيب له الله، فلا تظلم عباد الله حتى لا تعرض نفسك لدعاء المظلومين، فينتقم منك الجبار القوي القهار العظيم، ويرحم الله الإمام  علي كرم الله وجهه لما قال:
أَدِّ الأَمـَــــــــــــــانَةَ وَالـخِيــَّـــــانَةَ فَاجْــــتَــــنِبْ     وَاعْدِلْ وَلاَ تَظْلِمْ يَطِبُ الـمَكْسَبُ
وَاحْذَرْ مِنَ الـمَظْلُومِ سَهْماً صَائِباً      وَاعْلَــــــــمْ بِأَنَّ دُعَـــــاءَهُ لاَ يـُحْجَـــــــبُ
ويحذر ابن الوردي من دعوات المظلومين في الأسحار فيقول:
إِيَّاكَ مِنْ عَسْــــــفِ الأَنَامِ وَظُلْمِهِــمْ     وَاحْذَرْ مِنَ الدَّعَوَاتِ فِي الأَسْحَارِ
وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِـــزَلـَّــــــــــــــــــــةٍ وَخَــــطِــــيئَـــــةٍ      فَانـْــــــدَمْ وَباَدِرْهَــــــا بِالاسْتِـــــــــــغْــــفَـــــــارِ
وَاسْأَلْ إِلَـهَكَ عِــــــصْمَةً وَحِــــمَــــايَةً      فَالسَّــــيِّئَاتُ قـَــــوَاصِفُ الأَعْـــمَــــــــــــارِ
وفي السنة النبوية أن النبي (ص) قال: "اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ".
وإذا كان الظلم بكل أشكاله قبيح فإن الشرك بالله أعظمه وأكثره خطراً وأبلغه ضرراً، فلا تشرك بالله تهلك، ويحبط عملك، وفي الذكر الحكيم فيما حكاه الله عن لقمان الحكيم: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} الآىية 13 من سورة لقمان، ولقد خاطب الله نبيه الكريم:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الآية 65 من سورة الزمر.
وإذا كان الظلم كله سيئ فإن من أسوء الظلم ظلم القرابة، فهو يدل على الخساسة والنذالة والدناءة وفي ذلك قال الشاعر طرفة بن العبد:
وَظُلْـــمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَــــــــدُّ مَـــضَــــاضَــةً     عَلَى الـمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَــــامِ الـمُهَنَّدِ
سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِــــلاً     وَيَأْتِيـــــــــــكَ بِالأَخْـــــــــبَــارِ مَنْ لَمْ تُـــــــــــزَوِّدِ
وَيَأْتِيـــــكَ بِالأَخْبـَــــارِ مَنْ لَمْ تَــــــــبِــــعْ لَهُ     بَتَـــاتاً وَلَمْ تَضْـــــرِبْ لَهُ وَقْـــتَ مَــوْعِــــــــدِ
وقالت امرأة من بني عبد قيس تعض ابنها العاق (مسخوط الوالدين) الملقب بالنحيف:
حَــــــــــــــذَارِ بُـنَـيَّ البَـــغْـــــــــــــــــــــيَ لاَ تَــــقْــــرَبَـــنَّــــهُ     حَــــــــــــــــذَارِ فَإِنَّ البَغْيَ وَخِــــــــــــــمٌ مَــــرَاتِـــعُهُ
وَعِــــرْضُكَ لاَ تُـــــــــــبَـــذِّلْ بِعِــــــرْضِكَ إِنَّنِي      وَجَدْتُ مُضِيعَ العِرْضِ تُلْحَى طَبَائِعُهُ
وَكَمْ قَـــدْ رَأَيْنَا الدَّهْـــــــــرَ غَادِراً بَاغِـــــــــــيّاً      بِـمَنْزِلَــــــةٍ ضَــــاقَــــتْ عَلَيْهِ مَطـَـــــــــــــــــــــالِــــعُــــهُ
وإذا كان الظلم يعني وضع الشيء في غير موضعه، فان عواقبه ذميمة وخيمة، وجاء في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا)، وجاء في حديث آخر أن النبي (ص) قال: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وجا في شعر الحكمة للإمام الشافعي رحمه الله:
إِذَا مَا ظَالِمٌ يَسْتَحْسِنُ الظُّلْمَ مَذْهَباً     وَلَـجَّ عُـــتُـــوّاً فِي قَــــبِـــــــــيحِ اكْـــــتِسَــــــــــــــابِهِ
فـــَــكِــلْــــهُ إِلَى صَـــــــرْفِ اللَّــــــيـَـــالِي فَإِنَّهَا     سَتُبْدِي لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسـَـــــــابِهِ
فَكَمْ قَدْ رَأَيْـــــــنَا ظَـــــــــــــالِـماً مُـــتَـــمَـــــرِّداً      يَرَى النَّجْمَ تِيهاً تَـحْتَ ظِــــــلِّ رِكَابِهِ
فَعَـــمَّا قَـــــلـــــيلٍ وَهْوَ فِي غَـــــفَــــــــــــــــلاتِهِ      أَنَاخَتْ صُـــــرُوفُ الـحَادِثاتِ بِبابِهِ
فَأَصْبَحَ لاَ مَــالٌ وَلاَ جـَــاهٌ يُرتـَجَـــى      وَلاَ حَسَــــــــــــنَاتٌ تَلْتَقِي فِي كِـــتـَـــــــــابِهِ
وَجُوزِيَ بِالأَمْرِ الَّذِي كَانَ فَـــــاعِلاً      وَصَـــبَّ عَلَيْهِ اللهُ سَــــــــوْطَ عَــــــــــذَابِهِ
وجاء في كتاب الأمثال لابن سلام، في فصل جامع أمثال الظلم وأنواعه، باب المثل في الظلم وما يخاف من غبه، قال أبو عبيدة: من أمثالهم في كراهة الظلم قولهم: الظلم مرتعه وخيم، وقال الأصمعي: أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه،  وجاء في بعض الحديث: "أنَّ الظلم هو الظلمات يوم القيامة " وفي حديث آخر " أنَّ عيسى بن مريم عليه السلام قال للحواريين: " لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلمون، ولا تمنعوا أهلها فتظلموهم"، ومن الأمثال في الظلم أيضاً: "من أشبه أباه ما ظلم"، ومن الظلم أيضا  ادعاء الباطل والحكم قبل أن تعرف حجة الخصم، وجاء في كتاب أدب الدنيا والدين للعالم العلامة الماوردي: "إِنَّ العَدْلَ مِيزَانُ اللهِ الَّذِي وَضَعَهُ لِلْخَلْقِ وَنَصَّبَهُ لِلْحَقِّ، فَلاَ تـُخَالِفْهُ فِي مِيزَانِهِ، وَلاَ تُعَارِضْهُ فِي سُلْطَانِهِ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق