إلى من أرفع مظالمي؟؟؟

لقد عشت ما يكفي في هذه الغابة المتوحشة التي تسميها الوحوش الضارية بالوطن لأتعرف عن كثب عن معنى الخسة والدناءة والنذالة والنفاق والكذب والخيانة والغدر، وسرت بين  أحراشها المظلمة المرعبة وجداولها المنسابة بالدماء ردحا من الزمن بروح صافية تغمرها الأنوار الساطعة وتتخللها تباشير الأمل، وتبين لي أنني كنت مخطئا ولكن بعد فوات الأوان، إذ تداعت علي وحوش الغاب من كل حدب وصوب وَفَتَكَتْ بي وَمَزَّقَتْ جسدي إربا إربا، فَحَمَلْتُ  روحي الطاهرة الصافية بأكفي المرتعشة المبللة بالدموع وَتَتَّبَعْتُ طريق نور النجوم وحدي.
كيف يحق لك أيها الزمن الغادر الناكر للجميل أن تجعل من وحوش الغاب أسيادا، وتجعل من أرذل خلق الله الممتلئين أقذارا وسموما رؤوسا، هؤلاء الحثالات من ذوي المظاهر البراقة الخادعة الذين لا يرتاح لهم بال إلا باللصوصية والغش والخديعة والعمل ليل نهار على إطالة أعمارهم بكل الوسائل لقضائها في الملذات المنحطة السافلة.
لقد أفسدتم الحياة أيتها المسوخ التي لم ترق بعد إلى مرتبة الإنسانية، لأنكم بلغتم مستوى جد فظيع من الجنون دون أن تدرون أنكم حقا مصابون بنوع خطير لا سابق له من الخرف، لقد تأملت في وجوهكم جيدا ولم أر فيها غير القبح المريع، وسبرت أعماق عيونكم ولم أر فيها غير  المكر والخداع والغدر.
لذلك أحببت البادية وحياة الغاب منذ طفولتي، لأنني وجدت فيها الطهر والصفاء والنقاء والتلقائية والبساطة والصدق، الشيء الذي لم أجده في المدن المملوءة بكل أوساخ الدنيا وعبيد الشهوات الذين ترسب في أعماق قلوبهم جميع القاذورات، هذه المدن التي كلما تجولت بين أزقتها تضيق بي روحي وتكاد تفر هاربة منسلخة من جسدي نحو البوادي النائية، التي بكيت عليها اليوم دما لهول المسخ الذي أصابها هي الأخرى وأصاب أهلها الحاليين العصريين مقارنة بأناسها الأولين التقليديين الطيبين القنوعين.
أنا لست بحاجة إلى ذهبكم وفضتكم وأموالكم ولا حتى إلا عطفكم وإشفاقكم، أنا بحاجة أن أعيش بكرامة في وطني برأس مرفوع كالضمة المرفوعة فوق الفاعل، لأنني أعرف نفسي أنني أمين وأبذل للأمانة دمي وعزتي، فلما تهينونني أيتها الأقوام المعمية الكثيرة المراوغة والساعية إلى الاستفادة من خيرات الأكثرية لوحدها، وهذا لعمري لهو منتهى الغدر والانحطاط والسفالة.
هل دار في خلدكم يوما أن تزنوا كم يساوي ثقل كلمة احتقار أو حكَرة؟  صدقوني أنه ليس باستطاعة أي منكم أيها الظالمون أن يداوي ويضمد جراحها وما تحدثه من خراب ودمار في الأنفس والمجتمعات، ولو حيزت له كل أموال الدنيا وخزائنها، فالعزة والكرامة لا تباع ولا تشترى، والإنسان الذي كرمه الله همه لا يوجد بين رجليه وبين أنفه وذقنه.
لقد جعلتم من ظلمكم نصيبا حقا لي مما جنيتم علي، وما أنا بجان على أحد، لذلك صعب عليكم لدرجة العجز أن تنصفوني من هذا الظلم المسلط علي، وأنتم مدركون في قرارة أنفسكم وفي سرائركم  أنكم ظلمة، فلو كنتم منصفين لاقتسمتم حتى المظالم فيما بيننا أنتم ونحن بالقسط، ولكنكم أورثتمونا المظالم واستوليتم يا لصوص على الغنائم، ولسوف لن أركع أبدا تحت أقدامكم أو أتملق إلى وجوهكم الصفراء العابسة لاستجداءكم، بل سوف أحترق من داخلي بلهب عزتي وكرامتي حتى أضحي رمادا تدروه الرياح كدري السماد على السهول والجبال والمروج، لتهتز وتربو وتخضر من جديد كي يمرح فوقها أحفادكم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق