لا أبطال ولا نجوم.. البشر كلهم ضعفاء وصرعى الزمن البطل

أَلاَ كَمْ تُسْمِــــــعُ الـــــزَّمَنَ الـــــعِـــــــــتَابَا     تُـخَـــــاطِــبُهُ وَلاَ يـَــــدْرِي الـخِـــــــطَـــابَا
أَتَــــــــطْمَــــعُ أَنْ يَــــــــرُدَّ عَـــلَيْكَ إِلْــــــفاً     وَيُبْــــــقِي مَا حَيَـــيْتَ لَكَ الـــشَّـــبَابَا
أَلَمْ تَــــرَ صَــــرْفَهُ يُــبْلِــــي جـَــــــــــــدِيـــداً     وَيَـتْــــــرُكُ آهِـــــــلَ الـــــــــــــــــــــــدُّنْيَا يَـــبَــــابَا*
فَصَرِّفْ فِي العُلَى الأَفْعَالَ حَزْماً     وَعَزْماً إِنْ نَـحَــوْتَ بـِهَا الصَّـــــــوَابَا
                                                              ابن حمديس الصقلي
الزمن هذه الصورة المتحركة للجمود الأزلي، والذي أشعر به كما يشعر به غيري من بني البشر في هذه الدنيا الفانية من دون أن ندرك كنهه من خلال مرورنا ومرور الأمم التي سبقتنا على مسرح الحياة مرور السحاب، كائن بدون حدود، يتغير، يتجدد، يُبْصَرُ في الكائنات الحية، يُشْعَرُ به دون أن يُدْرَكَ، يـُحْتَسَب، يوجد.
هناك في الأعلى لا تغيير ولا تتابع، لا جديد ولا قديم، لا أمس ولا غد، لا ملكك ولا ملكي، الكل يظهر كما هو عليه خالد أزلي، كل ساعة ضائعة هي ساعة ناقصة من عمرك في العبث والتفاهة كنت فيها تـُحَادُّ الله.
كل ابن آدم عاش أو يعيش يحس في قرارة نفسه بمدى تعقد هذه الحياة وتشعب دروبها لدرجة أنه لا يرى ولا يشعر بالمرور الخاطف للزمن، مثله كمثل القابض على الماء تخونه فروج الأصابع، هذا المخلوق الفريد الذي يحلق بنا جميعا بالرغم من سعينا الحثيت على إبطاءه، غير أنه هو الذي ينتصر في كل نزالاته معنا ليقودنا بالرغم عنا إلى نهايتنا وحتفنا مهما طال الأمد.
انظر كيف تمخر بنا الأيام عباب الزمن لدرجة أنه يخيل إلينا أنه عبء ثقيل على كواهلنا نجاهد للتخلص منه ولو بالخلاص من الحياة جريا وراء الأيام والسنين، وكلما ألفينا نظرة  إلى الماضي عجبنا كيف استطعنا أن نقطع كل تلك المسافات وكل تلك الصحاري والفيافي وما يحاكي المروج الخضراء من السراب، وكيف انصرمت الأيام وما انفك الحمل لم يخف عن كواهلنا، ولم يزل بيننا وبين الخلاص منه أمد لا يمتد النظر إلى نهايته ولا يعلمه إلا الله، فأين هي الذكريات بحلوها ومرها؟ أين هي الآلام والملذات؟ أين هي الأماني والآمال؟ أين هي القصور والأموال؟ أين هي الألقاب والسلط والأمجاد؟ كلها ينتزعها الزمن من كُرَّاءِهَا القدامى ويكتريها إلى مُكْتَرِينَ جُدُدٍ، وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكما جاء في 'مذكرات أمس اليوم' لبدر شاكر السياب:" ماذا أنمشي نحن في الزمن ... أم أنه الماشي ... ونحن فيه وقوف؟ أين أوله ... وأين آخره؟ هل مَرَّ أطوله؟ ... أم مَرَّ أقصره الممتد في الشَّجَنِ".
لا مُلْكَ لأحد في هذه الحياة الدنيا ولو لحبة رمل أو أقل من ذلك بكثير، والـمُلْكُ كله لله الـمَلِكِ الجبار ذو الجلال والإكرام  وحده لا شريك له، والعاقل هو الذي يُدَارِي الزمن مُدَارَاةَ رجل لا يسبح في الماء الجاري إذا وقع كما قال  الفيلسوف ثاوفرسطيس أحد تلامذة أرسطو طاليس، وكما قال حكيم آخر: من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه، وكما قيل أيضا: الفراغ للرجل غفلة وللنساء غلمة أي محرك للغريزة.
إن إدراك الإنسان قيمة الزمن -وليس كنه الزمن لأنه عصي على ذلك- يكمن في إيجاد الحل الشافي والجواب الكافي للفراغ والعبث الخطير الذي تستحم فيه البشرية اليوم، فما انتشرت انتشارا كبيرا الفواحش والمنكرات والموبقات، وما ازداد حدة العصيان وانتشار الجرائم بكل ألوانها وأشكالها إلا بازدياد نسبة الفراغ الذي يتولد عنه الضلال والضياع والتيهان، مما يفتح على مصاريعها في كل اتجاه أبوابا شيطانية تدعو إلى الرذيلة والانحراف، فكيف يمكن آنذاك لأي إنسان مهما بلغت استقامته -الذي هو بطبيعة  فطرته يتأرجح بين الفجور والتقوى- أن يتحكم بعقله أمام هذه التيارات العلمانية الحداثية  الطوفانية الجارفة ذات القيم المسيحويهودية من الانحرافات والبلاوي والفواحش والمنكرات والموبقات التي تصب على رؤوسنا من السماء وتتفجر ينابيع من تحت أقدامنا من الأرض من كل أصقاع الدنيا ومن كل حذب وصوب؟
إن الزمن نعمة عظمى ومنة  كبرى لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا المستيقظون الموفقون الأفذاذ وليس النيام المستسلمون عبيد الأموال والشهوات، والأمم المضيعة للزمن والراضية عن نفسها، المتباهية بواقعها المتردي المزري المصبوغ بشتى ألوان الكذب والأراجيف، والمريضة بأنانيتها وصلفها وسطحيتها التي يستحوذ عليها هاجس الرفاه المادي، هي في حقيقة الأمر أمم في حالة انحدار حقيقي نحو الهلاك والردى مهما طال الزمن لا محالة، ولعل العالم أينشتاين كان محقا عندما قال:"لم يحدث أن اعتبرت الرفاه والسعادة أهدافاً مطلقة، بل وإني أميل لمقارنة مثل هذه الأهداف الأخلاقية بطموحات الخنزير، فالحياة التي يعيشها المرء من أجل الآخرين وحدها التي تستحق العيش".
لقد صدق الأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي عندما قال في 'العبرات': "ما أكثر أيام الحياة وما أقلها، لم أعش من تلك الأعوام الطوال التي عشتها في هذا العالم إلا عاما واحدا مر بي كما يمر النَّجْمُ الدَّهْرِيُّ في مساء الدنيا ليلة واحدة ثم لا يراه الناس بعد ذلك"، وكما قال أيضا المنفلوطي في 'النظرات': "إن أردت أن تكون في الأمة الجاهلة كل شيء فادَّعِ لنفسك كل شيء، تَنَلْ بقولك في الزمن القصير ما لا ينال غيرك بفعله في  الزمن الطويل، فإن الكاذب لا يزال يكذب حتى يصدقه الناس، ثم لا يزال يكذب حتى يصدق نفسه"، وهو الشيء الذي ما انفككنا نتجرعه بجرعات طوفانية يومية قاتلة تفوق كل وصف في الصحف والإذاعات والفضائيات والأنترنت والهواتف المحمولة واللوحات، ومباشرة على الأثير أو على الهواء الطلق في خطب رنانة رسمية أو شبه رسمية أو تضامنية أو إنسانية أو ثقافية أو فنية أو رياضية من أفواه القادة والسياسيين والمنظمات والجمعيات والناس أجمعين، وكأن لسان حال البشرية برمتها أضحى يقول بكل تجرؤ وبدون استحياء: عاش الكذب..والمجد والخلود للكذابين والأفاكين، وليسقط الصدق والويل ثم الويل والثبور لحفنة الأوباش مما تبقى من الصادقين.
ولا يفوتني أن أتطرق إلى هذا الوضوع دون أن أقتبس من قصة 'عروس تُزَفُّ إلى قبرها' للأديب الكبير الرزين مصطفى صادق الرافعي بأسلوبه المعهود السلس المهذب الرفيع  ما يلي :"واهاً لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟ واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعا، وبهذا يعود لكل مخلوق سر يومه، كما أن لكل مخلوق سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا، وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يحصيه عقل الإنسان أربعا وعشرين ساعة؛ يا للغباوة! وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع الذي يضيء المكان المظلم في قلبه، والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يضيئه إلا وجه محبوب، وفي الحياة أشياء مكذوبة تُكَبِّرُ الدنيا وَتُصَغِّرُ النفس، وفي الحياة أشياء حقيقية تَعْظُمُ بالنفس وَتَصْغُرُ بالدنيا، وذهب الأرض كله فقر مدقع حين تكون المعاملة مع القلب أيتها الدنيا، هذا تحقيرك الإلهي إذا أَكْبَرَكِ الإنسان! ويا عجبا لأهل السوء المغترين بحياة لابد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة، وهل أعجب وأغمض من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكره في حقيقتها؟ فعندما تحين الدقائق المعدودة التي لا تُرَقِّمُهَا الساعة ولكن يُرَقِّمُهَا صدر المحتضر. . . عندما يكون ملك الملوك جميعا كالتراب لا يشترى شيئا البتة... ماذا يكون أيها المجرم بعد ما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وأمامك الشريعة والعدل؟ أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا ولا حظوظنا، ولا قيمة المال أو الجاه أو العافية أو هي معا - إذا سُلِبَ صاحبها الأمن والقرار! والآمن في الدنيا من لم تكن وراءه جريمة لا تزال تجري وراءه، والسعيد في الآخرة من لم تكن له جريمة تطارده وهو في السماوات، كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبها وفيها العداد، ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فَعَدَّهَا؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسان ربه وفيه القلب؛ ما يعمل من عمل إلا أشعره فَعَدَّهُ؟".
أيها الإنسان الضعيف المسكين وأبدأ من نفسي، أيامك من الزمن، وسيأتي كل غد محجباً مرهوباً مرغوبا أو غير مرغوب فيه بالرغم عنك ورغم أنفك، إذ يأتي لك وحدك، ويأتي وأنت وحدك، ولن يستطيع ما تحيط به نفسك من أقرباء وأصدقاء وممتلكات وأماني ومتمنيات أن يصد سيله الجارف المتدفق الذي يسحبك سحبا نحو نهايتك، وسيصحبك هذا الزمن الصارم المسرع الخطوات صديقا حميما لك في قبرك إلى أجل معلوم، ولن تنقطع صلتك به كما يبدو للأحياء الذين يشعرون به متثاقلا، فَاسْدِ لنفسك صَنِيعاً خَيِّرًا يُسَجَّلُ في كتاب حسناتك ما دمت حيا، يخفف ويهون عليك من وحشتك الطويلة ومن نزاهة وعدل وقسطاس قاضي القضاة يوم الميعاد، "يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" الآيتان 88 و89 من سورة الشعراء.
هوامش:
يبابا: خرابا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق