المأساة الإلكترونية

في عالم مادي لا يؤمن إلا بالربح الآني وتكديس الثروة بشتى الطرق حتى المفيوزية منها، وفي زمن أضحت فيه المجتمعات والشعوب والأمم مدمنة على الاستهلاك حتى الهلاك، لم يعد تهريب مخلفات الأجهزة الإلكترونية والكهربائية شيئا عاديا بل أضحى يشكل خطرا حقيقيا على صحة الإنسان والحيوان، وعلى البيئة الطبيعية بشكل عام من خلال تلويث التربة والماء والهواء في الأركان الأربعة من الكرة الأرضية، إنها آفة أخطر بكثير من تهريب المخدرات.
من الناحية القانونية تم منع تصدير هذه المخلفات منذ ما يفوق 30 سنة، وبالرغم من ذلك هنالك مئات الآلاف من الحاويات المحملة بمخلفات وخردة الأجهزة الكهربائية والإلكترونية تقطع المحيطات في طريقها إلى الدول المتخلفة التي لا قيمة للبشر فيها، بكل من أفريقا وآسيا وأمريكا الجنوبية للتخلص من سمومها، إنها جرائم بحق الإنسانية بكل ما في الكلمة من معنى.
ففي كل سنة يتم التخلي عن ما بين 20 و 50 مليون طن من مخلفات الأجهزة الكهربائة والإلكترونية حول العالم، الشيء الذي يطرح عدة مشاكل عويصة أذكر منها على الأخص:
المشكلة الأولى تكمن في أن هذه الأجهزة تحتوي على مواد عالية السمية كالزئبق والرصاص والكادميوم والكروم ومتبطات اللهب مثل ثنائي الفينيل المبروم وغيرها من المواد الشديدة السمية والخطيرة على الصحة. 
المشكلة الثانية تكمن في أن إعادة تدوير هذه المخلفات يتم في بلدان الذيل والتخلف من خلال تفكيكها وتفتيتها وحرقها وتصديرها في فوضى عارمة وبطرق جد بدائية وخارج إطار أية قوانين منظمة، مما يشكل الكثير من المخاطر.
المشكلة الثالثة هو في كون الغالبية العظمة من هذه المخلفات ينتهي بها المطاف في مكاب القمامة والنفايات أو في المحارق أو يتم دفنها في مواقع معينة تتم تهيئتها لذلك، إلا أن طرق التخلص هذه لا تحول دون انبعاث أبخرة ورشح مواد سائلة، وتسربات للمواد الكيماوية والمعدنية السامة للفرشة المائية.
المشكلة الرابعة هو أن دول الشمال المصنعة التي تعتبر أول منتج لهذه الأجهزة تقوم بتصدير هذه المخلفات إلى الدول المتخلفة، وفي الغالب بطرق ملتوية وغير قانونية أشبه بالطرق المافيوزية، وهو ما تسهله القوانين المتراخية والمتساهلة أو التي لا يتم غالبا احترامها في هذه البلدان المتخلفة بالذات، إضافة إلى وجود سياسيين فاسدين،  ويد عاملة بكلفة جد منخفضة، وهو ما يشجع على التدفق الكبير لمخلفات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية نحو هذه البلدان بشكل يدعو إلى الكثير من القلق، ولكن كما يقول المثل المغربي "الفلوس كترجع وجه الشارفة عروس". 
والشريط الوثائقي التالي من إنتاج فضائية RTE  الفرنكوألمانية يلقي الضوء على هذه المشكلة الخطيرة ذات الأبعاد العالمية:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق