كم الساعة أيها الأخ؟...الساعة لله

أضحت الوزارة المكلفة بإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية منشغلة في السنين الأخيرة بإعطاء الأوامر للمواطيين عفوا المواطنين بزيادة أو نقص ساعة من التوقيت الرسمي الجاري به العمل، حتى نبقى مرتبطين ارتباطا جنينيا وثيقا بقطار التبعية الأوروبي أو الفرنساوي إن صح التعبير، أو من أجل الاقتصاد في الطاقة كما يرى غيري من الخبراء الذين هم أدرى مني وأرفع شأنا  كما يتصورون.
وكما يقول المثل المغربي 'من لحيتو لقم ليه' فإن إسم هذه الوزارة على كل حال هو اعتراف علني لا غبار عليه على أن إدارتنا معطوبة منذ الأزل وإلى الآن، وأظن أنه ما زال أمامها متسع من السنوات لمحاولة إصلاح نفسها، وبالرغم  من كل مؤاخذاتي فإنه لا يسعني إلا التنويه بهذه الوزارة لكونها نجحت نجاحا باهرا ومنقطع النظير في مهمة 'انقص ساعة زد ساعة'، نظرا أولا لسرعة التنفيذ الذي تتم به هذه المهمة الخطيرة والدقيقة، ونظرا أيضا لعدم اعتراض أحد من خلق الله على ذلك. 
حدثني أحد معارفي أنه بسبب 'انقص ساعة زد ساعة' أصبخ غبيا، ووصل به غباؤه أن أضحى في أحايين كثيرة يصلي قبل رفع الآذان، أو يخرج قبل الوقت أو يأتي متأخرا إلى العمل،  بل وصل به الهوس الوقتي إلى كثرة الشكوك في ساعته اليدوية واختلاط الأوقات لديه بصورة دراماتيكية مضحكة ما بين ساعة هاتفه وساعة منزله وساعة البقال وساعة الإدارة.
وتفاديا لأن أُصَابَ أنا أيضا  بهذاء الداء الذي أصبح يهدد ذكاء  المغاربة قاطبة من طنجة إلى الكَويرة طلقت الطلاق الثلاث ساعة يدي، وتحررت من استعبادها لي، وأصبحت صفر اليدين وحتى المعصمين والقدمين والرأس والأذنين، وكلما سألني سائل كم الساعة أجيبه 'الساعة لله' وأشير إلى يدي الفارغتين من الخواتم والحلي والساعات وكل ما له علاقة بالزينة والترفع والأبهة الفارغة، وكأني أقول له ضمنيا إنني لا أفوتك بشيء، فها أنذا مثلك  أمشي على قدمي، وأقضي حوائجي باعتمادي على نفسي، ولا أحمل على جسدي من زينة الدنيا شيئا يسيل له لعاب الناس كما ترى، عسى أن يتركني وحالي المرة القادمة.
وفي الواقع أنا لست محتاجا إلى ساعة، فالوقت في مجتمعنا وبالأحرى مجتمعاتنا العربية متوفر بكثرة لدرجة أن هذا الوقت نفسه أصبح ضجرا من كثرة الوقت لديه، لذا تجده منشورا في المقاهي والشوارع والحدائق وفي كل حي ودرب وزقاق، مترنحا في الإدارات، مسرعا ومنرفزا لاعنا شاتما باصقا على الطرقات لضيق وقته،  لكنك يا للمفارقة سرعان ما تجده سكران في إحدى  الحانات،  أو مقهقها رفقة مجموعة من المائلات المميلات.
الوقت نفسه قال لي مرة لقد ضجرت منكم ولا خير أنتظره منكم، لأنكم أمة مرائية ومنافقة ولا محل لها من الإعراب، أرى في معصم كل منكم ساعة من الطراز الرفيع وساعة على هاتفه المحمول الذي هو أيضا من الطراز الرفيع، غير أني أكاد أجن لما أراكم تقتلونني وتذبحونني وتمثلون بجثتي، ثم ما ألبث أن أُبْعَثَ حيا من تحت الرماد لُأقَبِّرَكُمْ وأُفْنِيكُمْ في آخر المطاف عن بكرة أبيكم، إنني غريب في بلدكم ولا مكان لي بين ظهرانكم، استمروا في الكذب على أنفسكم وعلى بعضكم البعض، وكلما حلا لكم انقصوا أو أضيفوا ساعة، أو حتى ساعتين أوثلاث أو أربع وما طاب لكم، فذلكم لن يغير ما في أنفسكم شيئا.
فنظرت إلى الوقت وقرص الشمس قريب من المغيب فبدا لي ماردا جبار ممتدا ما بين السماء والأرض، حينها  أدركت أنه قطعنا جميعا قطعا قطعا دون أن ندري وما زال، ورغم ذلك ما انفك البعض منا يحاول أن يخفي الشمس بالغربال ويؤدي الدور المنوط به على خشبة مسرح الحياة  بأن يسألك كل مرة في الشارع العام 'كم الساعة أيها الأخ؟'- الساعة لله.    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق