الفرنكفونية أداة تغريب وتخريب لجسد الأمة المغربية

"الانهزام النفسي الذي ألحقته الفرنكفونية عند النخبة، جعل الكثير من الكتاب والباحثين يتحاشون الكتابة بالعربية، رغم قدرتهم على تقديم النص في لغة عربية" الباحث التونسي عزالدين عناية
منذ استدراج المغرب وجره إلى فخ توقيع وثيقة الحماية الفرنسية بطرق متحايلة وماكرة شتى منها إغراقه حتى الأذنين بالديون التي لم يعد قادرا على استيفائها، تحولت فيما بعد هذه الحماية -أي حماية المخزن من القبائل الثائرة بما كان يسمى آنذاك ببلاد السيبة وهي المناطق التي كانت تماما خارجة عن سلطته - إلى استخراب وليس استعمار، كانت عقول دهاقنة الصليبيين الفرنسيس مركزة نحو تحقيق هدف جد خطير  لا زال المغاربة يكتوون بنيرانه القوية إلى اليوم، وهو ترسيخ الخصومة والتنافر بين العرب والبربر لتشكيل ما يسمى ب'العقيدة البربرية' المؤسسة على أن البربري متفوق على العربي وأن ما يسمى ب'الشعب البربري' وما يسمى ب'الحضارة البربرية' فيهما صفة التجانس التي تسمح لهما بشرف الادعاء أنهم يشكلون 'أمة'، وهي ميزة لا يحق للعرب ادعاؤها، وأن البربر والعرب كانا على خصومة لا سبيل إلى التوفيق بينهما بشأنها.
وهكذا أصدر الفرنسيس الظهير البربري في  16 ماي 1930، الذي نص على جعل سير العدالة في بعض مناطق القبائل الأمازيغية تحت سلطة محاكم عرفية تستند إلى قوانين وأعراف أمازيغية محلية، فيما تبقى المناطق المخزنية السلطانية تحت سلطة قضاء حكومة المخزن والسلطان المغربي الخاضع للشريعة الإسلامية، ويعتبر هذا الإجراء في  حد ذاته اعترافا صريحا من طرف الفرنسيس على أن البربر ليسوا في الأصل مسلمين، وأن لديهم أعرافا سابقة على دخول الإسلام للمغرب، وهي أعراف خاصة بالزواج والطلاق والميراث والمعاملات التجارية، فكان لا بد لدعاة الحرية والمساواة والأخوة من المكرة الفرنسيس من إحيائها، ومن ثم إيقاف التعامل بنصوص الشريعة الإسلامية، على أن يتعامل البربر فيما بينهم بالأعراف البربرية القديمة، ولولا يقظة المغاربة الأحرار من عرب وأمازيغ في ذلك الوقت لما قلبوا الطاولة بما فوقها وما تحتها وأشعلوها ثورة هائلة على كل من أراد أن يفرق بينهم، لكان الفرنسيس قد دقوا آنذاك الإسفين الأخير في جسد الدولة المغربية ذات الأربعة عشر قرنا.
فقد عمل على محاربة كل ما يمت للإسلام بصلة أول وأبرز المقيمين العامين بالمغرب الثعلب الماكر الجنرال ليوطي عندما أرسل دوريته الشهرية بتاريخ 16/6/1921 إلى ضباط المخابرات ورؤساء المناطق العسكرية والمدنية المغربية، ومما جاء فيها: "ليس علينا أن نعلِّم العربية لمجموعات من الناس استغنوا عنها دائماً (في إشارة إلى البربر)، إن العربية عنصر أسلمة لكونها لغة القرآن، أما مصلحتنا فتفرض علينا أن نجعل البربر يتطورون خارج إطار الإسلام، ومن الوجهة اللسانية علينا أن ننزع إلى المرور مباشرة من البربرية إلى الفرنسية، ولهذا نحتاج إلى عارفين بالبربرية، ويتوجب على ضباط مخابراتنا أن ينكبُّوا بعزم على دراسة اللهجات البربرية، كما يلزم خلق مدارس فرنكو بربرية حيث نعلم الفرنسية للبربر الشباب".
وقد عبر عن هذه السياسة نفسها المستشرق ديمونبين بقوله: "إنه من الخطر بالفعل أن نسمح بتكون كتلة متراصة من السكان الأصليين تكون اللغة والمؤسسات فيها موحدة، إذ علينا أن نتبنى لحسابنا المقولة المتبعة سابقاً من طرف المخزن (الدولة المغربية) :" فَرِّقْ تَسُدْ "، إن وجود العنصر البربري لهو قوة نافعة مضادة للعنصر العربي يمكننا استغلاله أمام المخزن".
 ويقول بول مارتي في كتابه'مغرب الغد' ص 338: "إن كل تعليم للعربية، وكل تدخل من الفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل قوة؛ وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح عن طريق مدرستنا وحدها، ونبعد متعمدين، كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام".
لقد سعى الفرنسيس إلى ترجمة 'العقيدة البربرية' عبر السياسة البربرية، فاستغلوا المرأة لهذا الغرض لاستلابها واجتثاثها من الهوية الإسلامية، وفي هذا الصدد يقول الدكتور مصطفى الحيا: "إن التركيز على المرأة الأمازيغية كان يُستهدف منه إثارة فتنة كبيرة لكون التشكيلة العرقية بالمغرب تشكيلة مزدوجة، فهناك الأمازيغ وهناك العرب، وقد سُوِّغت هذه السياسة التفريقية في نظرية استشراقية مفادها أن الأصول الحقيقية للأمازيغ تعود إلى أصول أوروبية، ومن ثم فلا علاقة موجودة بين العرب والأمازيغ، وبالمقابل يجب أن تكون العلاقة بين الأمازيغ والفرنسيين علاقة حميمة ووطيدة".
وتضيف الأستاذة فوزية حجبي عن المسوغات التي تعتمدها الفرنكوفونية للتدخل في شؤون المغرب قائلة: "إن استغلال المرأة للتحكم في الشؤون الداخلية بالمغرب هو استعمار جديد وبطرق ذكية وحضارية، حيث تعطي مسوغاً من قبيل محاربة العنف الموجه ضد المرأة، عدم ممارسة المرأة لحقوق المواطنة، محاربة التطرف، الانخراط في العولمة، بل يزعمون أن المتاعب التي تعاني منها المرأة المغربية سببها مدونة الأحوال الشخصية، وهكذا يتم استعمال مفاهيم يراد منها إذابة الذات المغربية في كل ما هو تغريبي، وتتخذ المرأة أداة فاعلة لتحقيق هذه الرسومات والتخطيطات".
ففي سنة 1999م أصدرت كتابة الدولة المغربية للرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة مشروع 'الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية' في عهد حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي السابقة يضم حوالي 300 صفحة، ورغم كون المشروع موجهاً للمرأة المغربية فقد تم إعداده باللغة الفرنسية، ليترجم إلى اللغة العربية ترجمة رديئة مليئة بالأخطاء، واعتمد المشروع على دراسات غربية، وقد هدف هذا المشروع إلى تطبيق بضع مطالب مختلفة استجابة لتوصيات مؤتمري بكين والقاهرة، منها تغيير مدونة الأحوال الشخصية في جوانب متعددة كإسقاط شرط الولي للمرأة في الزواج، ومنع تعدد الزوجات، ووضع الطلاق بيد القاضي، ورفع سن الزواج إلى 18 سنة، وإلغاء مفهوم الأسرة، واقتسام الثروة بين الزوجين بعد الطلاق ... إلخ.
تقول الأستاذة فوزية حجبي:"من المؤكد أن الفرانكوفونية لا زال لها تأثير في المجال الأسري بالمغرب، ففي مجال مدونة الأحوال الشخصية التي تعد المجال الأكبر للصراع بين التيار الإسلامي والتيار العلماني، هناك رغبة وسلطة غير مرئية للنخبة الفرنكوفونية بالمغرب للنيل من الثوابت الإسلامية لتثبيت المنظور الجديد للعلاقات الأسرية المبنية على المصلحة المادية وإخضاع مدونة الأحوال الشخصية لأكبر قدر ممكن للنفَس الروحي التغريبي من جهة ثانية، وذلك من خلال بث شعارات مثل 'حرية المرأة' التي تقتضي انفصال المرأة عن الرجل بمنتهى السهولة ومن منطلق المساواة، عدم اعتماد الولي، المطالبة بحق المساواة في الإرث، الإنجاب خارج مؤسسة الزواج ... إلخ؛ فهناك توحد بين المنظور الفرنكوفوني والعلماني والتغريبي لاقتلاع البقية الباقية التي تحتويها مدونة الأحوال الشخصية، وقد تبين من خلال معارضتنا ومناهضتنا 'لخطة إدماج المرأة في التنمية'- الرامية إلى تثبيت توصيات غربية في مجال الأسرة- أن المشكل ليس في مدونة الأحوال الشخصية التي تستمد قوانينها من نصوص ثابتة ونصوص شرعية مقدسة، وما يُحتاج إليه هو تغيير العقليات والذهنيات البعيدة عن الثقافة الإسلامية".
يقول الدكتور مصطفى الحيا: "إن الدعوى الرامية إلى تحرير المرأة ما هي إلا دعوى استعمارية ليس هدفها النهوض بالمرأة أو الدفاع عن حقوقها، فالغرب عامة والفرنكوفونية خاصة يعزفون على وتر واحد لتسويغ تدخلهم في الشؤون الخاصة، وأستدل على هذا بأستاذة أمريكية لها أكثر من 80 كتاباً وقضت 22 سنة في مصر (تناضل) من أجل تدمير مدونة الأحوال الشخصية المصرية، فأكدت في أحد عروضها التي حضرتها: "أن الصخرة التي تحطمت عليها كل جهودنا هي مدونة الأحوال الشخصية، وجئت الآن لأنقل تجربتي للمغرب"، ومن جملة ما توصلت إليه هو: "لكي تصل المرأة إلى حقوقها في مصر يجب أن تُصبح هي المفتيةلأنهم يعتبرون أن الرجال لا يمكن أن يفتوا لصالح المرأة، فقلت لها: "لو تحقق مطلبكم هذا وأصبحت المرأة هي مفتية الديار، وأفتت بإبقاء المدونة على ما هي عليه فماذا سيكون ردكم؟" فقالت: "إذا أفتت المرأة بذلك فستكون كارثة"، إن هدف الغرب ليس أن تكون المرأة هي المسؤولة بل هدفهم هو تغيير الشريعة الإسلامية".
وتقول الأستاذة فوزية حجبي: "لقد شعر 'الاستعمار' الفرنسي منذ أول يوم وطئت فيه رجله أرض المغرب بقوة الأسرة، لذلك سعى إلى تخريبها من الداخل اعتماداً على المرأة، لأنها هي الأداة الفعالة في هذا المجال، وهي التي تصنع الرجل والمنظومة القيمية والسلوكية، ومن ثم تبني المجتمع الذي تكون فيه الغلبة للقيم الإسلامية، وللوصول للأهداف الفرانكوفونية لا بد من صنع الإنسان المهزوم الذي لا هوية له، لأن هذه الأخيرة (أي الهوية) هي التي تصنع الممانعة وترفض الاستلاب".
وتضيف الأستاذة فوزية حجبي عن المسوغات التي تعتمدها الفرنكوفونية للتدخل في شؤون المغرب قائلة: "إن استغلال المرأة للتحكم في الشؤون الداخلية بالمغرب هو استعمار جديد وبطرق ذكية وحضارية، حيث تعطي مسوغاً من قبيل محاربة العنف الموجه ضد المرأة، عدم ممارسة المرأة لحقوق المواطنة، محاربة التطرف، الانخراط في العولمة، بل يزعمون أن المتاعب التي تعاني منها المرأة المغربية سببها مدونة الأحوال الشخصية.. وهكذا يتم استعمال مفاهيم يراد منها إذابة الذات المغربية في كل ما هو تغريبي، وتتخذ المرأة أداة فاعلة لتحقيق هذه الرسومات والتخطيطات".
ومهما قيل من مدح وإطراء بحق الفرنكفونية من طرف منظريها ومنتسبيها ومحبيها فإنها بكل تأكيد استهدفت وما انفكت تستهدف تنحية اللغة العربية ومن ثم استبعاد الثقافة الأصلية للشعوب المستعمرَة، لا بل استبعاد الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية لهذه الشعوب، ولا سيما أن أغلب الشعوب الإفريقية تدين بالإسلام وتنتسب إلى الحضارة الإسلامية، وذلك بهدف إحلال الفرنسية محلها وتحقيق الإلحاق الثقافي والحضاري بل حتى الاقتصادي والسياسي.
فالحضارة الغربية تسعى للقضاء على غيرها من الحضارات، وعليه يمكن نعتها بكونها (لا حضارة) 'Decivilisation  وهي لا تقبل غيرها من الحضارات ولذا فهي تعمل جاهدة لتخريبها، فالغرب عالم وحيد يدعو إلى الإنسان الوحيد والأمة الوحيدة والحضارة الوحيدة، وكل ما يتعلق بالكثرة أو الإنسانية بمعنى الجمع والكثرة يعتبر محظوراً ومرفوضاً.
المراجع:
-مجلة البيان عدد 167 رجب - 1422هـ أكتوبر - 2001م
-مجلة البيان عدد 178 جمادى الآخرة - 1423هـ سبتمبر - 2002م
-مجلة البيان عدد 203 رجب - 1425هـ أغسطس / سبتمبر - 2004م
-جريدة المستقبل اللبنانية عدد 4199 الثلاثاء 13 كانون الأول 2011 - العدد 4199

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق