يمكنني أن أغفر للناس كل شيء باستثناء الظلم والجحود واللاإنسانية*

"بعد حصولهم على الممكن، يطالب الجاحدون بالمستحيل لإعطاء ذريعة لجحودهم"
الكاتب الفرنسي أدولف دوديتوت (1799-1869)
أثناء مطاردة الصيادين ذئبا، اصطدم أثناء فراره بفلاح كان للتو خارجا من مخزن للحبوب وهو يمسك بيده مطرقة وكيس، فتوسل الذئب للفلاح كي يخبئه عن الصيادين العازمين على قتله، فأشفق الفلاح عليه فخبأه في الكيس الذي معه، ولما وصل الصيادون وسألوا الفلاح إن هو رأى ذئبا، أجاب بالنفي.
وما إن توارى الصيادون حتى وثب الذئب من الكيس وعزم على أن يفترس الفلاح، قال له الفلاح: مهلا أيها الجاحد، لا بد أن تكون بلا ضمير، لقد أنقذتك من الصيادين وتريد الآن أن تفترسني، فرد عليه الذئب: مَعْرُوفُ الآخرين سرعان ما يُنْسَى، فقال الفلاح: كلا، إسأل من شئت ولسوف يقول لك بأن المعروف الذي يُسْدَى لا يُنْسَى.
فقال الذئب للفلاح: فلنمضي في الطريق ونسأل أول عابر سبيل السؤال التالي: هل يُنْسَى بسرعة المعروف الذي أُسْدِيَ إلينا أو لا يُنْسَى؟ فإذا كان الجواب لا يُنسى تركتك وشأنك، وإن كان الجواب يُنسى بسرعة افترستك، فوافق الفلاح على ذلك.
وبعد برهة من الزمن صادفا فرسا مسنة لا تكاد ترى طريقها لفقدها البصر، فسألها الفلاح: قولي لنا يا فرس ما رأيك، هل يُنسى المعروف الذي أُسْدِيَ إلينا قديما أو لا يُنسى، فأجابت الفرس: لقد عشت إثنتي عشرة سنة عند سيدي، وأعطيته إثنتي عشر مهرا، دون أن أكف يوما عن النقل والحراثة، وفي العام الماضي فقدت بصري وبالرغم من ذلك تابعت عملي وكنت أطحن الحبوب، وحدث يوما أن وقعت تحت العجلة من شدة العياء وأُصبت إصابة بليغة، فسحبني خدام السيد من ذيلي وقذفوا بي كقمامة بعيدا في الوادي، ولم أخرج منه إلا بمشقة الأنفس، وها أنذا كما ترونني الآن كفيفة عليلة ومصابة، فإلى أين أذهب، لست أدري؟
قال الذئب: أترى أيها المغفل، ألم أقل لك أن معروف الآخرين سرعان ما يُنسى، قال الفلاح: امهلني فرصة أخرى لأتيقن مما تقول.
وبينما هم على الطريق صادفا كلبا مسنا يجر نفسه على مؤخرته جرا مؤلما ويتقدم ببطئ، فقال له الفلاح: قل لي أيها الكلب، هل يُنسى بسرعة المعروف الذي يُسدى أو لا يُنسى؟ أجاب الكلب: لقد عشت عند سيدي خمسة عشر عاما، حرست فيها بيته بالليل والنهار، واستعملت قوتي ومخالبي وأسناني للذوذ عن منزله وعن عائلته وأملاكه، فلما  كبرت في السن وفقدت قوتي وأسناني طردني من المزرعة شر طردة من بعدما أوسعني ضربا مبرحا، وها أنذا كما تراني لا أكاد أقوى حتى على المشي من شدة مما عانيته، وعلى كل حال فأنا عازم للذهاب إلى موضع هو أبعد ما يكون عن هذا السيد الجاحد.
فقال الذئب: أترى أيها المغفل، ألم أقل لك أن معروف الآخرين سرعان ما يُنسى، فقال الفلاح: أرجوك أمهلني فرصة أخرى لأتيقن بشكل مؤكد مما تقول.
وبينما هما على الطريق صادفا ثعلبا، فقال له الفلاح: أيها الثعلب ما رأيك بهذه القضية، هل يُنْسى المعروف الذي يُسْدى إلينا أو لا يُنْسى، رد الثعلب: ماذا يهمك من ذلك، ولم هذا السؤال؟، رد الفلاح: الذئب الذي تراه كان هاربا من الصيادين الذين كانوا عازمين على قتله، فلما توسل إلي خبأته في هذا الكيس، وهو يريد الآن أن يفترسني، قال الثعلب: ذئب كبير في كيس صغير، قل هذا لغيري لأنه غير ممكن، ولو تأكد لي ذلك بالملموس لقلت لكما من المحق منكما، قال الفلاح: إنه يدخل بكامله في الكيس، ما عليك إلا أن تسـأله، قال الذئب: هذا صحيح، عند ذلك قال الثعلب: لن أصدق شيئا من ذلك ما لم أره بعيني، فأرني كيف فعلت لتدخل الكيس، فأدخل الذئب رأسه داخل الكيس، وقال: هكذا فعلت، قال الثعلب: أدخل بكاملك في الكيس، فلست أرى بعد كيف استطعت أن تفعل ذلك، ثم دخل الذئب بكامله في الكيس، حينئذ همس الثعلب للفلاح: اربط الكيس ربطة محكمة، ربط الفلاح بسرعة فائقة الكيس بحبل وأحكم ربطه، فقال الثعلب: هيا أيها الفلاح، لقد حان الوقت لتريني كيف يُدَقُّ القمح وقت الحصاد، سُرَّ الفلاح كثيرا لسماع ذلك وأخد مطرقته وأخذ يدق الذئب دقا داخل الكيس، فلما كف الذئب عن الحركة، التفت الفلاح نحو الثعلب وقال له: أتريد أن تعرف أنت الآخر كيف يُدَقُّ القمح وقت الحصاد، فهوى الفلاح بمطرقته على رأس الثعلب وأرداه قتيلا في الحال، فقال الفلاح مع نفسه: لقد تأكدت الآن بنفسي أن المعروف الذي يُسْدَى سرعان ما يُنْسَى.
هوامش:
1-القصة مقتبسة بتصرف ضفاف متوهجة عن 'الذئب والفلاح' للروائي والمصلح الاجتماعي والمفكر الأخلاقي الكبير الروسي ليو تولتسوي (1828-1910)،
2-*مقولة للكاتب والفيسلوف الفرنسي دنيس ديدرو (1713-1784).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق