في الصـمـيـم

أصبحنا نقضي أوقاتا طويلة  في تصفح شاشات الهواتف واللوحات ونركن بزوايا بيوتنا وبيوت مستضيفينا-  من دون استئذانهم - قريبا من الموصلات الكهربائية لضمان مصدر شحن تلك الهواتف و تلك اللوحات ، أو الحواسيب، لاهتين وراء أخبار متلقفين معلومات لا تتطلب جهدا ولا ذكاء، ولا فكرا لفهمها، أخبار قوامها الأساس صور مثيرة ، جلها مفبرك وأغلبها ملفق ويستند إلى الدعاية والإشاعة ونكث سمجة سخيفة .. وفتنة في الدين والعادات والسياسة..(سيدنا علي كرم الله وجهه ذكر نهر الأمازون وتحدث عن سحرة الكرة!!!؟؟؟) أي بهتان يضاهي هذا ؟؟ غدونا نستفيق متأخرين .. تفوتنا –غالبا - صلاة الفجر ... وإذا قمنا لها نقوم متكاسلين .. نغسل وجوهنا أو نعتقد أننا نفعل ذلك .. لا نتلقى تحيات أبنائنا مثلما كنا نفعل لما كنا صغارا.. و لا نكثرت لذلك . وربما نبحث له عن مبررات وتعليلات حين لا نكون لوحدنا معهم بالبيوت.  صرنا نلتمس مبررات لكل الأشياء الجميلة التي دأبنا على التخلي عنها ..
صرنا لا نجلس مجتمعين إلى مائدة الفطور.. وا فتقدنا  اصطباح حريرة وكوؤس القهوة أو الشاي .. والسمن البلدي وخبز الشعير والزيت أو الزيتون والأسفنج بالعسل او "المطفي " وشتى أنواع الفطائر .. ازواجنا وبناتنا  واخواتنا وكناتنا لم يعد لهن وقت لصنعها ، وكثيرات منهن لا يعرفن كيفية إعدادها.
افتقدنا التحلق حول الموائد  حتى  خلال أيام العطل ، بل حتى في الأعياد ، غابت الحلقات حول قصع الكسكس بعد صلوات الجمع .. واشتقنا كثيرا لصحون " التردة " في أصباح الآحاد .. و حل الباننيني والشوارما والبوكاديوس الهامبورغر بدل اطباق البرانية والخرشوف والسفرجل والملوخية و الترفاس وطواجين المقفول .. والتقلية بالمحفور أو اللوبيا .. والزعلوك والخبيزة .. وأصابع الكفتة والكباب.. ودخان " التشنشير" الذي لم تعد خممنا التي نسكن بها تتحمل سحائبه.. . وحل التشيبس بدل الطايب /الهاري .. والمزكور المشوي و المسلوق والبلوط .. حتى زريعة الڭـرعة ونوارة الشمس حلت محلها ڭلية ممسوخة مستوردة ، كيف غابت كل تلك الأشياء التي صار يتملكنا الحنين إليها، وحلت بدلها أشياء جاءت بها رياح التغريب والتشريق ؟؟ ..
اشتقنا لخبز أمهاتنا المعجون بالقمح أو الشعير"مكمن ومثوم" بالخميرة البلدية والمطهو بالفرانات التقليدية (أينك يا أيام فران الفيلالي بعرصة الغزايل الذي صار أثرا بعد عين وفران با فارس بتزكارين وفران السي بوجمعة (رحم الله الجميع) بدرب "النقوى" :( السقاية ) حاليا بالملاح ، (النقوى عند اليهود هي مكان كان يغتسل به اليهود عشية كل جمعة باتباع طقوس خاصة بهم يقوم بها حاخام استعدادا لاستقبال السبت.)  وأينك يا أيام الجلوس إلى الأخ الصديق الحسين رحمه الله ، وكؤوس شايه وحلويات "شميحة" وكعكها وأطباق السخينة ) ،اشتقنا إلى منظر الذاهبين والذاهبات والرائحين والرائحات إلى و من تلك الفرانات وعلى اكتافهم (هن) أو رؤوسهم (هن) ألواح الخبز ..صرنا نأكل خبزا لا نعرف مصدره أحبوب هي ام هي مواد مصنعة ؟؟ بياضه الناصع يثير في النفس خوفا و تقززا، خبز نأكل منه ولا نحس لا بلذة ولا بشبع ..
كنا نحس خلال شهور رمضان أيام زمان بين دروب مدينتنا العتيقة بدفء ساحر يزيد من تعلقنا بالشهر الفضيل  نفير الفطور والسحور وإعلان دخول رمضان وإطلالة هلال العيد فصار هذا الدأب في خبر كان بعد ان انبرى ضده السكان الجدد لرياضات مراكش ونزلاء تلك الرياضات الذين أعلنوا حربا ضد النفير أو ما كان يعرف عند المركشيين ب (الزواكة) بدعوى أن معلني تلك الحرب يصابون برعاش الرعب حين دوي النفير الذي اتهموه ظلما بانه يذكرهم بأيام الحرب التي أشعلتها بلدانهم.
فسكتت الزواكة إلى الأبد لصالح خاطر محتلي الرياضات وسكتت حناجر المؤذنين ومؤنسي المرضى  بدعوى إزعاجهم ولم نعد  نسمع ابتهال الغياط من فوق المآذن ولا نفير النفار الذي كان يعلن عن دخول وقت السحور. فزالت الأعلام والمصابيح من فوق منارات المساجد للجهل بوظيفتها ، وحذف التثويب من آذان الفجر ، وانقطع التهليل فعندهم هذا شيء منكر ، وإن  ثبت وشهد له باهميته  المتضلعون في الدين...  
صرنا نفتقد  عادات من صميم تراثنا لأن هناك إلى جانب من ذكروا من نصبوا انفسهم مفتين يحلون ويحرمون ..أمام صمت مريب.
صرنا نحس بعد تهجيرنا نحن- سكان المدينة العتيقة- بعيدا خلف الأسوار ، داخل بيوت إن صحت تسميتها بذلك - فمعظمها لا تتجاوز مساحتها 60/1  من بقع خدام الدولة، وكأننا بحدائق حيوانات كل واحد منا قابع بقفصه ، نبيت داخل غرف حيطانها لا تحجب حركة ولا صوتا ، فأبناؤنا صار بإمكانهم إحصاء معاشراتنا الحميمية لأمهاتهم . تبدد الحياء وصار تبادل النكث القريبة من تحت الحزام معهم أمرا دارجا ،بل تنزل أحيانا إلى ادنى من ذلك .. ولم التحرج فالتليفزيون  والراديو ازاحا الستائر ولم يعد شيء "حشومة" فأفلام الدعارة والعهر وبرامج التحرش والتحريض على الفوضى الجنسية والترويج للعادات المجتمعية السيئة، وبث وصلات  تؤثتها ألفاظ تشتت المجامع، كل ذلك يقتحم علينا بيوتنا من دون استئذان ويضعنا في مواقف حرجة أمام أبنائنا وكبارنا ،وكل ذلك نؤدي عنه ضرائب شرعنت بتزكية ممن نصبوا أنفسهم نوابا  عنا غصبا  بزريقاتهم  .. فلتحيى تلك القنوات بموت الفضيلة والحياء .. صرنا نبتاع ما يوصل طوفان الرذائل لبيوتنا عبر مسلسلات لاتنتهي حلقاتها من بلد ينكر علينا  حقنا في وحدة ترابنا ..
صار أصحاب الدكاكين على اطلاع تام ودقيق بمحيض امهاتنا غير البالغات سن اليأس وازواجنا وبناتنا .. وإذا ما تأخر تزودهن بالمناشف لا يجد" مول الحانوت " حرجا في بعثها مع صغارنا إليهن ... تبدل فينا كل ما هو جميل وصار في عداد " الهتوف والعقود الراشية " لا تخلو تجمعاتنا إن سرقنا لها وقتا من الأوقات المهدورة من النميمة التي صارت محور مواضيعنا كل منا منشغل بالنقر على آلة بين يديه.. وهو في نفس الوقت لا شغل له ،نقاشاتنا السياسية بهتت وصارت تهتم بالشخوص أكثر من الأعمال  إن كانت هناك اعمال ،وتكلف مستوزرون ومتسيسون بتقمص دور رواد الفكاهة بجامع الفنا... وكان فشلهم ذريعا .. فأنى لهم أن يفلحوا في ذلك...
تغيرت سلوكاتنا وصارت زياراتنا للأقارب والأهل في سراديب العدم ، فالوات والفايس والتويتر والسكايب والإيمو... والرسائل القصيرة حلت محل تلك الزيارات .. فافتقدنا حرارة اللقاء فيما بيننا وصار أبناء العمات والأعمام وأبناء الخالات والأخوال لا يعرفون بعضهم البعض ، انحلت الوشائج وتفككت الأواصر ، كل واحد منهمك بما يُمطَر به من رسائل ولا يهتم بأنين الجدة أو الجد ولا بازمة الأب أو الأم ولا بلجاجهما ولا بنكسات الأخ او الأخت ، صار لنا أقارب تجمعنا بهم روابط عالم افتراضي ،نحاورهم طيلة فترات طويلة ونحن على أسرتنا أو على مطايانا ويالمقاهي ووسط المعاهد والمدراس وحتى في حرم الكعبة ، وخلال الندوات وأثناء الأعراس والمآثم وبمواكب الجنائز وبالمساجد وبمقرات العمل . وبزوايا ساحات الدروب والأحياء .. بل حتى ببيوت قضاء الحاجة (شرف الله قدركم ) نتهافت للضغط على "إعحاب أو مشاركة " حبا في ترهات منشورة أو  صور أو فيديوهات ونستجيب لأوامر : (انشر وستسمع خبرا سارا.. انشر وإلا فإن الشيطان قد منعك.. )
صرنا غرباء في بيوتنا آصرة المادة تجمعنا أكثر من آصرة القرابة صرنا نتخذ أولادنا كدميات مدللة.. (نقود الجيب، واجبات التمدرس مصاريف الوقود أو شهرية الحافلة، ... بطائق تعبئات الهواتف غدت أهم اسباب ملاقاتنا ببيوتنا.. تطورنا ... أليس كذلك ؟؟ بلى تطورنا فنزعنا إلى التوحد واستكنا لنرجيستنا لا يهمنا حال من هم بالدار فكيف بحال الجار ؟؟
أقفرت دور الشباب التي كنا نشكو من ضيقها وضآله طاقة استيعابها ، صارت تنوح بفناءاتها البوم وملأنا مداخل الدروب وأبواب المساكن وأدراج العمارات نتحرش و نتحشش ونسكر ونرصد الداخلين والخارجين ولا نضيع فرصة لطش هاتف أو محفظة جيب او حقيبة يدوية نسوية ، تحولت جمعياتنا من أدوار التربية والتكوين إلى انتحال صفات سعيا وراء المنح المخصصة ، فيما تخصصت أخرى في إثقال رفوف الشكاوى والدعاوى بالمحاكم وفي إثارة قضايا العري و الدفاع على امتهان أكل  الحرات من أثدائهن، وإثارة الفتن ،والاستقواء بمنظمات خارجية وانبرت أخرى منصبة نفسها لإصدار الفتاوى وتحليل هذا وتحريم ذاك ، وقلب الموازين (عفوا قصدت التوازن .  من  تكلم على الموازين؟؟ )  في ساعات من أيام الانتخابات و التحكم في رقاب الأئمة والمؤذنين، فكل ما يخالف مصادر جهلهم بدعة.
نزعت منا تقثنا في أحزاب كبرنا فيها وتشبعنا بنواميسها وألوكاتها ورجالاتها ، بعدما تم تلغيمها بزرع وصوليين وأفاقين ، فتدنت شعبيتها وتساوت مع أحزاب خدج لا هوية لها ولا همة (نهاك الله ياأونين نقح ألفاظك ) ولا همم ، جاه المال والسلطة قوامها أحزاب "مدربلة" تستقطب  رعاعا  نكرات هواة قلب "الفيستة" من اليسار إلى اليمين  أوالعكس  ، فمات السجال الفكري وصراع الأفكار  بمحافل السياسة وبالكليات  التي تحول حرمها إلى حلبات تذكرنا بأبطال اساطيرالرومان ،وحل كلام السوقة محل  الأفكار النيرة ، وماتت الحماسة من أجل خدمة الشعب  وتوعيته وفتر الاجتهاد من أجل سؤدد الوطن ..هههه ... تطورنا أليس كذلك؟؟
مدارسنا صارت لتمضية السنين وتحصيل شواهد محدودة الصلاحية  في سنة إلى سنتين ، شواهد تتحكم في ميزاتها   التجارة نؤدي عن أبنائنا أموالا طائلة لتحصيل نقط سرعان ما تغدو فقاعات تندثر عند أول اختبار حقيقي .. نفرح لها ونقيم الحفلات ونتفاخر بها على أفراد العائلة والجيران ، انتفخت جيوب أميين جشاع ساقتهم اطماعهم للاستثمار في أغلى شيء عند الأمم وعليه يرتكز نموها وتطورها ، وبه يعلو صيتها فتذيلنا مراتب تصنيف التعليم اجتاحتنا لعنة تفريطنا في أيام عز البوكماخيات و اعترانا خزي عاهة استهداف عقول ناشئتنا بعفن الإخماج.
كيف كنا ؟؟ وكيف صرنا ؟؟ لقد سئمنا أن يظل مصيرنا يلفه العبث ،يتحكم فيه حواة يتسمنون بدمنا و لا يزيدهم ذلك إلا جبروتا .. دهاقنة نهبوا أمالنا وأحلامنا ، شفطوها .. ، صيروا جميلنا قبيحا ، مسخوا النضال السياسي ، قزموا الدأب الحقوقي ، جعلونا ببهتانهم نعتبره إفكا  وضلالا ، بل نمقته ونتحامل عليه .. تفننوا في تخويفنا كالصغار بقنديشة والغيلان ، زايدوا في المواطنة .ابتلينا بمتفيقهين  غفر الله لهم ،دوخونا بالخيزو والمهراز .. سلط على مستقبل أجيالنا  من انتهت مدة صلاحية فكره ،  فخطط لأجيال العوالم الرقمية بتكريس  صفقات الألواح  السوداء الخشبية بمدارس  العموم وقبلها  كان قد ملأ المؤسسة التي أعيد منها بالسبورات الذكية ...
سئمنا من اللغط ..سئمنا من التخلي ومن التثبيط ومن التزويق والتنميق .. و"تزيين المباتة في الحمام " سئمنا من التنصل من عاداتنا .. من تقاليدنا من أعرافنا الأسرية .. سئمنا من إفراغ كل شيء جميل أصيل من قيمته .. مللنا الخوض في " الهندريزة الكبيرة والميت فأر" . صرنا أسارى للخوف على مستقبل أبنائنا وبناتنا بعد أن غدت شهاداتهم  و تكويناتهم لا تنآى بهم عن جوع ولا عن عطالة شهادات وتكوينات لا تؤهلهم  لوظيفة يحسون فيها بجدارتهم و ذواتهم ، أو عمل يكفل حقوقهم لدى الخواص،  ويقيهم شرور الاستعباد .
يسوءنا تبجح من عبر بهم قطار حياتهم بطرفي قطبي  التطرف من قطب اللائكية إلى  قطب التأسلم  إلى ان رسا بهم فيما دجنوا من أجله،  يسوءنا تبجحهم واعتبارهم لنا كفزاعات يمكن بضغطة زر بوسطى خماسية كفهم  إحياء الفبراير -أصبحت أكره هذا الشهر الذي شهدت إحدى أيامه ميلادي -
ومع كل ذا وذاك فلا زال بدواخلنا رجاء
أي نعم.. أعيدوا .. رددوا جميعا بإشباع  المدود  "لايزال بدواخلنا  رجاء يحيي فينا روح البقاء .." ا

المصدر: الجريدة الإلكترونية المراكشية
تعود بي ذاكرتي إلى الوراء، وتحديدا إلى سنة 2011، حيث احتدمت النقاشات وبلغ السجال أوجه حول وضع الأمازيغية وحروف تيفناغ في المجتمع بين مدافعين عن الوحدة الوطنية والهوية العربية الإسلامية للمغرب واللغة العربية الجامعة، وبين حركة أمازيغية وداعميها ممن طالبوا بدسترة الأمازيغية باسم حقوق الإنسان والحق في الاختلاف. ولقد عبرنا حينها، إلى جانب شرفاء الوطن، عن معارضتنا الشديدة لهذه الدسترة لتهديدها للوحدة الوطنية، وعبرنا عن موقفنا الواضح الذي لا لبس فيه بالتصويت بِلاَ  كبيرة وبالأحمر الفاقع في الاستفتاء على مقتضيات الدستور المعدل، في أول مشاركة لنا في انتخابات لا نرى أي جدوى منها في ظل تعثر المسار الديمقراطي وتحكم المال والفساد في نتائج معروفة سلفا.
وها هي الجزائر الشقيقة تعيش اليوم نفس المخاض العسير ونفس السجالات بين مدافعين عن الوحدة الوطنية واللغة العربية الجامعة، وجماعات قبائلية متحالفة مع قوى الاستعمار الفرنسي وتعتز بكونها أحد أدواته في المنطقة، تسعى إلى فرض لهجتها على كل الجزائريين، نحمد الله أن يخرج علينا من بينهم بربري شريف في شخص الصديق الدكتور عثمان سعدي ليؤكد في مقال له على تهديد ترسيم الأمازيغية للوحدة الوطنية، وهو ما عبر عنه أيضا الدكتور أحمد بن نعمان في مقالاته ودراساته الكثيرة في الموضوع، وهكذا تترسخ قناعاتنا في خطورة هذه الدسترة التي لم ولن تساهم إلا في تأجيج الفتن وإدخال البلد في صراعات هوياتية، هو في غنى عنها، تعيق بشكل كبير تطوره ونهضته.
لقد آن الأوان للقيام بحصاد علمي موضوعي للسنوات الخمس التي أعقبت دسترة الأمازيغية، ونطرح على أنفسنا كل الأسئلة بجرأة وشفافية ليعلم الشعب إلى أي مجزرة يُقَاد، فماذا قدمت أمازيغية الإسبرانطو للمغرب وللمغاربة؟ ما هي إسهاماتها وإنتاجاتها اليوم؟ وهل تقبل المغاربة حروف تيفناغ التي فرضت عليهم فرضا بقرار أميري دون استفتائهم ودون موافقتهم؟ هل استطاع التلميذ المغربي الذي يعتبر الوحيد في العالم الذي يقرأ بثلاث أبجديات مختلفة، أن يميز ويعبر عن ذاته وأحاسيسه ويبدع ويتعلم بشكل سليم وهو يتخبط في فوضى لغوية عارمة وخليط من اللغات والكلمات؟ هل تأكد المشرع وصاحب القرار السياسي أنهما أثقلا كاهل التلميذ بلغة أمازيغية مخبرية وبحروف توقف الإبداع بها منذ قرون وهجرها العرب ولا فائدة معرفية وعلمية تُرجى منها؟ هل تأكد الشعب أنه تم توريطه في مشروع جهنمي، باسم الحقوق والاختلاف، سيقضي على الأخضر واليابس ويؤدي إلى فتنة كبرى سيحترق بها الجميع؟ وهل سيقبل عاقل أن تصرف ملايير الدراهم على معهد يصنع لغة، في بلد فقير معدم كالمغرب ما زال بحاجة إلى طرق ومستشفيات ومدارس؟ وهل فهم المغاربة أخيرا أننا أمام سرقة لموروثهم الحضاري وهويتهم العربية الإسلامية الجامعة وتعويضها بهويات قزمية بديلة، واختراع الأمجاد وخلق تقويم جديد لم يؤمن به حتى يشنق نفسه، ولا احتفل به الخائن ماسينيسا ولا غيره ممن جعلوا من ممالكهم ضيعة خاصة للرومان، ولا المرابطون ولا الموحدون؟ هل فهمنا وفهمنا أننا نقاد إلى تخريب وتدمير هوياتي وأن العرقية والعنصرية والكراهية باتت تزكم الأنوف، ولا يبدو أن أحدا من أصحاب القرار قد شمها أو أخبره أحد برائحتها الكريهة؟ هل أصبح المغرب أكثر عدلا وأكثر سلما وأمانا؟ هل ازداد الوئام والود بين أبنائه منذ دستورنا الجديد؟ لا أعتقد. لا أعتقد. هل فهم المغاربة أخيرا أن الهدف الحقيقي من دسترة الأمازيغية هو خلق ضرة للعربية والانتصار للفرنكفونية وللغة ليوطي؟.
هل هذا هو المغرب الذي أحببناه وترعرعنا فيه ونشأنا على محبة الآخر والاعتراف بخصوصيته وبلهجته وثقافته تحت سقف العروبة والإسلام واللغة العربية الواحدة الجامعة؟ هل هاذا هو المغرب الذي جلس فيه التلميذ الجبلي مع الريفي والزياني والشلحي والدكالي والفاسي ووو في قسم واحد وحملوا معا علما واحدا أحمر بنجمته الخضراء وغنوا معا نشيدا وطنيا واحدا يعبرون من خلاله عن رمزية وحدتهم ومساهمتهم معا في حضارة عربية واحدة تمتد من المحيط إلى الخليج وتتنفس عبق تاريخ حافل بالأمجاد؟ لم أعد أفهم يا صديقي.. لم أعد أفهم، أصبحت أعيش في بلد تنخره العصبية والحقد والعرقية ولا يبدو أن أحدا يعمل على القضاء عليها، أصبحت غريبا في وطن لم أعد أعرفه ولا أفهم لغته، ولم يعد هو نفسه يعرف مع من يتزوج ومن يطلق ومن يعادي ومن يحب، وطن أصبح عالة على نفسه وعلى الآخرين، تائها ضائع الهوية.
أسئلة كثيرة نطرحها اليوم على الفاعل السياسي والثقافي الذي انجر كالقطيع في دعم أمازيغية المختبر اعتقادا منه أنه يساهم في السلم الاجتماعي والأمن اللغوي وينشر ثقافة الاختلاف وحقوق الإنسان، ونحن لا ننتظر منهم الجواب، ندعوهم فقط إلى التجول في الفضاء الافتراضي الأزرق ليعرفوا مدى ما ارتكبته أياديهم من جرائم وحماقات في حق الوحدة الوطنية، فصفحات الحركة الأمازيغية بالمئات منذ دستورنا الأخرق، وكلها طعن في عروبة المغرب وشتائم في حق العربية وحقد وعنصرية على العرب ودعوات لقتلهم وطردهم وتعنيفهم، واستفزازات محمومة ومطالب لا نهاية لها، وتبقى الدولة والأحزاب في خبر كان، صم بكم لا يردون وكأنهم غير معنيين بهذا البركان الهائل وهذا الدمار المنتظَر، فهذا ما جنيتم علينا وما جنينا على أحد... رحم الله أبا العلاء المعري.
مناسبة هذا المقال استفزازات الحركة الأمازيغية ومسؤوليتها في نشر العنف في الجامعات المغربية وتبعاتها اليوم من خلال تصريحات غير مسؤولة لزعماء التحالف العرقي الفرنكفوني ستأتي على الأخضر واليابس، ففي ذروة هذا الاحتقان لقي الناشط الأمازيغي المدعو عمر إيزم القادم من خارج الحرم الجامعي حتفه، وهو في مهمة جهادية ضد الطلبة الصحراويين المدافعين عن حقوقهم وكرامتهم وعروبتهم، ولم يجد بعض البرلمانيين بدا من أن يدعوا زملاءهم إلى دقيقة صمت ترحما على شخص جعل من العنف وسيلته في التعبير ونشر الفتن، متناسين التضامن مع ضحايا الفيضانات والفقر والتهميش والحوامل اللواتي يضعن حملهن في الطريق العام في حي الليمون بالرباط.
ومن دعوات الدغرني وعصيد للمزيد من الضغط على المجتمع والانتقام من مقتل إيزم إلى التصريحات اللامسؤولة لسيطايل وحسن أوريد، فنحن أمام ممثلين لتيار فرنكفوني عرقي قرر قلب الطاولة على الجميع وإدخال المغرب في أتون حرب عرقية، فالأولى تصرح بعظمة لسان سيدها الفرنسي أن لا علاقة للمغرب بالعروبة في جهل بالحضارة وبالمجتمع، أما الثاني فأعلن تفضيله لليوطي على موسى بن نصير واحتفاءه بالفرنكفونية وقيمها ليجعل منا عبيدا ومن المغرب محمية فرنسية إلى الأبد وفاقدة للسيادة.
عندما يتحالف أحفاد ليوطي مع أحفاد الكاهنة ويصمت أحفاد موسى بن نصير وعقبة بن نافع ويتم إخراس لسانهم وتهميشهم في الإعلام، فاعلم أن وحدة الوطن في خطر، وأن العروبة الحضارية الجامعة واللغة العربية التي شملتنا بعطفها وحنانها على مدى قرون باتت اليوم وأكثر من أي وقت مضى بحاجة إلينا لندافع عنها بكل ما نملك، لسنا اليوم في صراع حدود وجغرافيا مع التيار العرقي الفرنكفوني وإنما في صراع وجود دفاعا عن ذاتنا وهويتنا ولغتنا، وما دمنا لا نعي بخطورة هذا المشروع الذي تحبك خيوطه بدقة متناهية في باريس وفي تل الربيع، فسنمر من انكسار إلى آخر ومن هزيمة إلى أخرى حتى نصبح هشيما تذروه الرياح.
خيط واحد يجمع اليوم عصيد وبودهان وبلمختار وسيطايل والدغرني وعيوش وأوريد وكل من تصيبه العربية بالحمى بهدف ضرب هذا المشترك الجمعي وهذه اللغة الموحدة وهذه الحضارة العربية الرائعة التي ترعرعنا داخلها واعتبرنا أنفسنا وسنظل جزءا لا يتجزأ من أمة عربية عظيمة ومن وطن عربي كبير.
يقولون إن المغرب ليس عربيا وترد عليهم كل القبائل العربية من جبالة شمالا إلى الصحراء جنوبا، ومن ملوية شرقا إلى دكالة وعبدة والشاوية غربا، هنا أرض العروبة وعرب نجد وقحطان ليسوا أكثر عروبة منا، هنا الشهامة والكبرياء والشجاعة، فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدنا.
يقولون إن المغرب ليس عربيا وتصفعهم نتائج الإحصاء الأخير التي أكدت أن نسبة الناطقين بكل اللهجات البربرية لا تتعدى 20٪ وأن العربية هي اللغة الأم ل 80٪ من المغاربة، فهل هناك استفتاء أكبر من هذا على عروبة المغرب؟ وهل على الأقلية أن تفرض إرادتها على الأغلية؟ فأين الديمقراطية إذن؟ ألا تعني إذعان الأقلية لحكم الأغلبية؟
يقولون إن المغرب ليس عربيا، فتخرج لهم اللغة العربية كحورية من أعماق البحار لتعلمهم أسس الحضارة وجمال الحروف ورونق الخطوط وفن الإبداع في العلوم والمعارف.
عربي أنا وعربي سأبقى مع كل إخواني، واقفا كشجرة الصفصاف لا أنحني لدعاة الفتن والتبعية، ولا عزاء لسميرة سيطايل وصديقها أوريد وكل العرقيين.
المصدر: الجريدة الإلكترونية المغربية أخبارنا
في النقاش الذي كان يدور بين جيمس سواكرت القس الأمريكي وأحمد ديدات الشيخ الهندي كان يحاول كل منهما أن يثبت للآخر أن دينه خطأ، فأما سواكرت فقال لقد سألت الشيخ قبل دخول القاعة عن عدد النساء اللواتي بحوزته، وأما ديدات فقد استخرج نصا من العهد القديم وقال أتحدى سواكرت أن يقرأ هذا النص ولسوف أعطيه مائة دولار إن قرأ النص، فقام سواكرت بقراءة النص وقال إن مال هذا الشيخ من دول البترول ونحن أولى بالمال لإعطائه للجمعيات المسيحية، وفي النهاية طلب سواكرت من ديدات أن يسمح له بمناظرة علنية في بلده كما دعاه إلى أمريكا، إلا أن ديدات قال له إن هذا يحتاج لتأشيرة دخول وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كان الاثنان يحركان قضايا قديمة بكلمات جديدة والدخول إلى غابة مليئة بالغيلان.
وفي يوم تناقش أمامي طبيبان حول مريض هل كانت مشكلته في الزائدة أو الكولون فاختلفا واشتدا في الخلاف، وفي اليوم التالي جاء كل واحد منهم ومعه أكداس من الكتب والمراجع ليثبت وجهة نظره، فلم يحصدا من النقاش سوى الكراهية وقاطعا بعضهما بعضا وحاولت أن أقرب بينهما فعييت.
وجوهر المسألة أن الخلافات لا تحلها الكتب ولا تنفع فيها كل الأدلة العقلية والنقلية، وما يفعله كل فريق في العادة هو البرهنة على حجته ولو افتقدت كل حجة، فالمسألة نفسية قبل أن تكون أكاديمية، وهو الذي خالف فيه (يونج Jung) أستاذه فرويد في علم النفس فقال إن أصل الدوافع عند الإنسان ليست الغريزة الجنسية بل التنافس، ويبقى حب الحقيقة أمر صعب المنال ويحتاج لجهاد نفسي طويل وهو قريب من المستحيل وهو ما يفسر خلاف البشر الأزلي.
واعتبر المؤرخ توينبي أن المؤرخين أميل لتوضيح آراء الجماعات التي يكدحون في محيطها منهم إلى تصحيح تلك الآراء، وكل منا متحيز وقد يكون أقلنا تحيزا من ينتبه إلى نفسه أنه متحيز، وأنا أتعجب من الجدل العقيم الذي يدور في المحطات الفضائية حينما يحتجون أن أمريكا وبريطانيا تكيلان بمكيالين، ولو كان الأمر للعرب لكالوا بثلاثة، وعندما كان الخليفة هارون الرشيد في بغداد يلعب بالمسبحة وأقدار الأمم وهو يقول للغمامة أمطري حيث شئت فسيأتي خراجك، فإن هذه الجملة نعتبرها تراثا إسلاميا يستحق التدريس في المناهج، ولا يخطر في بالنا أشلاء الجماهير التي تقدم هذا الخراج للسلطان.
وفي يوم تناقش أزهريان، واحد سلفي وآخر صوفي، وامتد النقاش بينهما وفي النهاية بقي كل منهما كما كان، واعترف الصوفي لاحقا أنه اقتنع بحجة خصمه ولكنه كابر، ولم ينقص الكافرين الحجة البينة ولكن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا.
وروى لي رجل من حزب التحرير الإسلامي أن المعتقل ضمه مع آخر شيوعي فتناقشا لمدة عشرة أيام ولم يستريحا إلا لتناول الطعام والنوم، وفي النهاية بحت الحناجر فلم يستطيعا النطق ومتابعة النقاش.
وفي يوم اجتمعت بشاب من جماعة الإخوان المسلمين، وكانت مجلة الدعوة تتحدث عن الثورة الإيرانية بشيء من الريبة فحاولت أن أناقش الرجل، ولكن ساعتين من النقاش أقنعتني أن لا أناقش حزبيا في حياتي وهي نصيحتي للجميع.
وفي يوم ناقشت معجبا بكتابات سيد قطب وذكرت له أن هناك استطرادا أدبيا في كتاباته، وأن 6000 صفحة من الظلال يمكن ضغطها في 200 صفحة، فكان جوابه أن كلماته مثل قوانين الفيزياء ونجوم السماء لا يمكن الاستغناء عن كلمة منها، قلت له ولكنه يصف الليل بست صفات، قال وما المانع ويمكن وصفه بست عشرة صفة؟
وفي يوم اجتمع صوفي مع شيوعي فكان الأول يتحدث عن آداب الحضرة والثاني عن فائض القيمة ولم تكن اللغة حاجزا بينهما فالاثنان يتكلمان بلسان عربي مبين ولكن موجة الحديث مختلفة فكان حديثهما حديث الطرشان.
ويروى عن اثنين من الطرشان أنهما اجتمعا فسأل الأول الثاني: إلى أين أنت ذاهب؟ قال الثاني: إلى السينما، قال الأول: ولكن ظننتك ذاهبا إلى السينما، قال الثاني: لا والله أنا ذاهب إلى السينما، وبعد ساعة اجتمعا في صالة السينما فأشار كل منهما إلى أذنه.
وفي حرب الخليج الثانية احتشد مؤتمران لمناقشة الأزمة ضما نخبة فقهاء الأمة، كان الأول في جدة والثاني في بغداد، فلم تحل النصوص أو الفقهاء المشكلة بل حلتها أمريكا بدون نصوص وفقهاء.
وفي معركة صفين رفع الأمويون المصحف على رؤوس الرماح طلبا للتحكيم، وآخر ما كان يفكر فيه الفريق الأموي القرآن، ولم يكن المقصود من القرآن الحقيقة بل التقاط الأنفاس لمتابعة خطف السلطة، والتاريخ يروي لنا بسخرية أن الذي فاز لم يكن أعدل القوم وأنزههم، وما زال تاريخنا مسلسل محموم دموي من قنص السلطة على الطريقة الأموية، وكل من فكر في حل المشكلة استعار السيف الأموي، فلم تزدد الأمور إلا خبالا والأوضاع إلا نكسا، ولم يتمكن أحد من إعادة الحياة الراشدية واعتماد آلية نقل السلطة السلمي إلا عندما أشرقت الشمس من مغربها عبر الأطلنتي، فبدأنا نسمع لأول مرة أن بوش يمضي ويأتي كلينتون بدون معركة صفين ومعركة الجمل.
وفي ألمانيا استقبلني منذ لحظات وصولي الأولى جماعة شهود يهوه وهم فريق من المسيحيين وكلمة يهوه هي الله عندهم، وبذلوا أقصى جهد ممكن في التبشير وهدايتي إلى مذهبهم وظنوا أنني صيد ثمين ولكن تبين أن حجم السمكة أكبر من شباكهم، ومن أحسن من ناقش مسائل الصراع المذهبي عالم الاجتماع العراقي علي الوردي الذي كان يضحك على الشيعة والسنة ثم على نفسه في النهاية.
وفي يوم فكرت بالصراع الشيعي السني حول خلافة علي رضي الله عنه، فقلت مع نفسي سائلا: لو أن عليا ولي الأمر فما هو السيناريو المحتمل بعده؟ أن يأتي ابنه ثم ابن ابنه وهذا سوف يدخلنا النظام الملكي.
وما زال الشيعة والسنة يتخاصمون حول ولاية علي مع أن القرآن يقول: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"، كمن يتناقش حول طرق الزهراوي في معالجة أمهات الدم ولم يطلع على كل تطور جراحة الأوعية الدموية، وهو نموذج يجعل المطلع يأسف والعدو يشمت وهو يشير إلى توقفنا في مربع الزمن، والسؤال الكبير أي فائدة لنا لو أثبتنا أن عمرا كان متآمرا أو أن حديث الغدير كان صحيحا، فلم يبق اليوم على ظهر الأرض أموي أو خارجي وإن بقي شيعي يبحث عبثا عن مخاصمة أموي، كما يفعل اليهود بقتال روما وتيطس ولم يبق هارديان وتراجان.
إن معالجة أمراض قديمة بأدوات فشلت تجربتها يعني التخلص من كل المسلمات القديمة وفتح كليات طب جديدة تناسب حل المشاكل بأدوات جديدة وترك التاريخ موعظة للمتقين ودليلا على رحلة تطور الإنسان، وأن آباءنا لم يكونوا خير البرية.
اليوم تضم أوروبا المتحدة الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس ولكن لا أحد يرجع إلى كلفن وبطريرك الشرق ولا يحكم يوحنا الثالث أكثر من كيلومتر مربع لحسن الحظ، أما نحن فما زلنا مثل الصرب مجمدين في مربع الزمن، وإذا كان الصرب مجمدين عند معركة 'أمسل فيلد' عام 1389 فنحن مجمدون أبعد منهم وعيوننا تحدق على معركة صفين قبل 1400 سنة.
يصف ابن كثير معركة صفين بأن القوم "اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت وبالنبال حتى فنيت وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه وتعاضوا بالأسنان"، وكان أشد القتال ليلة الهرير ما يذكر بهرير القطط حيث استمر طول الليل حتى شروق الشمس وقتل من الفريقين" فيما ذكره غيره واحد سبعون ألفا، خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق" وهو رقم يذكر بمعركة كربلاء خمسة بين العراق وإيران فقد قتل ستون ألف شاب بقدر النسبة السابقة، ويذكر ابن كثير أنه كان من القتلى "25 بدريا مع بلال" وهو أكثر ممن قتل من الصحابة في معركة بدر، وامتدت فترة القتال سبعة وسبعون يوما خاض فيها القوم تسعين زحفا، وقال الزهري إنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسا.
جمعت الأجمة يوما حصانا ووزة، فضحكت الوزة من الحصان وقالت له أنا خير منك خلقني الله أحمل صفات الطيور والسمك، نظر الحصان إليها باستخفاف وقال أيتها المخلوقة أمثلي تعيرين فلا مشيتك مشي ولا تزيد سباحتك عن عبث، ولكن انظري إلى عضلاتي ورشاقتي التي مجدها الأبطال، أنا الحصان الرائع من قهر به الهكسوس الحضارة الفرعونية وهزم به المغول إمبراطوريات الأرض ودمر بي الإسبان ممالك أمريكا الوسطى، وكانت أثناء هذا الحديث قبرة تسمع الحديث بينهما فقالت لهما: أنا في من الخصال ما أتفوق به عليكما جميعا فصعق الاثنان من مائة صفة ترويها القبرة عن نفسها، وأثناء هذا سمع الضبع حديث الثلاثة فقال أنا من اختلفت قوائمه وفاحت رائحته وأسناني تطحن الحجر ويخافني الطير والبشر.
وهكذا فمن أراد التفاخر اكتشف الكثير، ومن أراد كشف الأخطاء عثر على أكثر، ولكن العين عادة لا ترى بل الدماغ، وأعظم شيء يتحلى به المرء نقذ ذاته، والشيطان قديما قال عن نفسه أنا خير منه ولكن آدم قال رب إني ظلمت نفسي فهذا هو سر تفوق الإنسان.
إذا فوجئت بنزول المصائب، فلا تيأس من زوالها )أُصيب الدكتور مصطفى السباعي في أواخر أيام حياته بشلل نصفي وظل صابرا محتسبا لمدة ثماني سنوات حتى وفاته رحمه الله سنة 1964)، وإذا فوجئت بتغير الزمان فلا تلجأ إلى الشكوى منه، وإذا فوجئت بتغير الإخوان فلا تكثر من انتقاصهم، وإذا فوجئت بالمرض المؤلم فلا ترفع صوتك بالأنين منه، وإذا فوجئت بارتفاع الأعمار فلا تستمر في استصغار شأنهم، وإذا فوجئت بتحكم الأشرار فلا تقتص من زوال الحكم، وإذا امتدت بك العلة فلا تيأس من رحمة الله، وإذا رأيت في دنياك ما لا يعجبك فاعلم أن هذه سنة الحياة.
لا تتدخل فيما لا يعنيك فتسمع ما لا يرضيك، ولا تتكلم وأنت مُغضب فتسمع ما يزيد غضبك، ولا تمدح مغرورا فتسمع منه ما فيه من احتقارك، ولا تشك إلى من لا يغار عليك فتسمع منه ما يزيد في آلامك، ولا تُبْدِ سخطك على جاهل فتسمع منه ما يزيدك غيظا، ولا تنصح من يستهين بك فتسمع منه ما يشعر بامتهانك، ولا تعظ مفتونا برأيه فتسمع منه ما يزري برأيك، ولا تتحدث إلى مُتَخَاصِمَيْن يما يُسْخِطُهُمَا فتسمع منهما ما يجعلك ثالثهما، ولا تذكر زوجتك وهي مغضبة بما قدمت لها من خير فتسمع منها إنكار ذلك كله، ولا تدل بأبويك على ولدك العاق الجاهل فتسمع منه ما تتمنى معه أن لا تكون ولدته. 
 
هل نربي المسلمين أو الجبناء؟ أتخيل هذه المقالة القصيرة حوارا مع الآباء والمربين الدينيين، وافيت قبل أيام صديقي الحميم المؤمن المخلص الذي يعيش للإسلام وهو يكتب مقالا في تربية الشباب المسلم، وقرأت المقال قبل أن يأخذ شكله النهائي، ولكن معالمه وأهدافه الرئيسية كانت معروضة بوضوح، في تركيزه على التربية في كنف الإسلام يدعو صديقي الوالدين إلى التنشئة على مكارم الأخلاق، حسن التعامل مع الناس، والتواضع وعدم الرغبة في البروز والرأفة والعفو والاستسلام للقدر والصبر، وينبه المربين إلى ضرورة إبعاد الشباب عن الشارع وأفلام العنف والجرائم ورعاة البقر، والمطبوعات الضارة وممارسة أنواع الرياضة التي تدفع إلى العنف والمجاراة، إن أكثر كلماته ورودا وبروزا في المقال هي كلمة الطاعة، على الشباب أن يطيعوا الوالدين في البيت، والإمام في الكتاتيب، والمدرس والأستاذ في المدرسة، والشرطي في الشارع، وغدا المدير المسؤول والرئيس في العمل!
ولكي يجسد أهدافه المثالية يصور لنا الكاتب ولدا يتجنب كل الأخطاء، فليس مشاغبا في الشارع، ولا يشاهد أفلام العنف في السينما، بل يواظب على حضور دورات مفيدة، لا يلعب كرة القدم لأنها رياضة عنف، ولا يغازل البنات لأن والده سوف يختار له زوجة عندما يكبر، لا يرفع صوته أبدا، ولا يسمع له حس، ويشكر الجميع ويعتذر باستمرار، ولم يكمل الكاتب قصته في هذا الاتجاه، لكننا نستطيع إتمامها على هذا المنوال: يسكت إذا خدعوه في البيع، لا يرد إذا ضربوه في الشارع لأن ذلك لا يليق، أو بعبارة أخرى : إنه مثال لمن لا يكن شرا لأي مخلوق.
أدركت ذلك القول المأثور "إن الطريق إلى النار ممهد بالنوايا الحسنة" وأنا أقرأ المقال، ليس فقط هذا، بل لقد أدركت جزءا من أسباب تخلفنا وانحطاطنا في القرون الأخيرة: إنها تربية خاطئة للنشء.
في الحقيقة، نحن نربي شبابنا تربية خاطئة منذ قرون، نتيجة لعدم فهمنا للفكر الإسلامي الأصيل، في وقت كان أعداء الإسلام من المستعمرين يستولون على الدول الإسلامية دولة تلو دولة، اعتمادا على علومهم وغطرستهم وعدم مبالاتهم بنا، كنا نربي أجيالنا بأن يُكِنُّوا الخير للجميع، وليستسلموا لطوارق القدر، وليتحلوا بالطاعة، وليطيعوا ولي الأمر طاعة عمياء، لأن كل حكم يأتي من عند الله!!
لا أعرف بالضبط مصدر فلسفة الطاعة البئيسة هذه، ولكني أعرف يقينا أن الإسلام ليس مصدرها، لأنها تؤدي وظيفتين  تكمل إحداهما الأخرى بصورة غير مباشرة: من جانب تُمِيت الأحياء، ومن جانب آخر لإبرازها هذه المثل الخاطئة باسم الإسلام تحشد حول الإسلام أجيالا ماتت قبل أن تبدأ حياتها، إنها تُحِيل كائنات بشرية سوية إلى أناس لا يثقون في أنفسهم، الذين يطاردهم شبح الذنب والإدانة، لتصبح هذه الفلسفة موئلا لأقزام البشر الذين يهربون من الواقع بحثا عن الملجأ في الاستسلام السلبي ومواساة النفس.
بهذا التفسير فقط يمكن توضيح الحقيقة بأن رواد ورموز الفكر الإسلامي، أو كما هم يسمون أنفسهم، يلاقون الهزائم في أي مواجهة، في عهد الصحوة المعاصرة، هؤلاء المقيدون بفلسفة المناهي والتساؤلات، على الرغم من كونهم يتصفون بالتقوى والأخلاق السامية، يظهرون أنهم أقل شأنا وغير أكفاء في مواجهة أناس أقل نزاهة وثقافة منهم، ولكنهم حازمون وأصلاب، وأعداء يعرفون جيدا ما الأهداف التي يسعون إليها، لذلك لا يلتفتون إلى الرسائل التي ستبلغهم إياها.
أليس من الطبيعي أن يقود الشعوب الإسلامية رجال تربوا في الإسلام واستلهموا الطريق من الفكر الإسلامي؟ ولكنهم لا ينجحون في ذلك لسبب واحد: إنهم قد رُبُّوا ليكونوا أتباعا لا قادة.
أليس من كنه المنطق أن يكون المسلمون المخلصون ركائز الثورة على المستعمر الأجنبي والأفكار الأجنبية الدخيلة والطغيان السياسي والاقتصادي؟ ولكنهم غير قادرين على ذلك، لنفس هذا السبب الأساسي، لأنهم تعلموا ألا يرفعوا صوتهم مجلجلا، وأن يقولوا سمعا وطاعة!
إننا لم نرب المسلمين، بل ربينا جبناء مستسلمين، وديعين خدما، فطوبى لكل نظام بأشباه الرجال من أمثالنا؟
ألسنا نحن مشاركين في استعباد واضطهاد شعوبنا، في هذا العالم المليء بالفتن والرذائل والملهيات والرق والظلم، إذا طالبنا الشباب بالابتعاد عن كل ذلك، ليكون هادئا مهذبا مطيعا؟
هناك عدة جوانب لحالتنا النفسية هذه، ومنها الحديث المتكرر الدائم عن تاريخنا، إنهم يحدثون الشباب عما كان عليه الإسلام في التاريخ، وليس عما يجب أن يكون عليه، يعرف شبابنا الكثير عن قصر الحمراء والفتوحات الماضية وبغداد مدينة ألف ليلة وليلة ومكتبات سمرقند وقرطبة الزاخرة، إن عقلية الشباب توجهت كليا نحو التاريخ المجيد وبدأ يعيش من ذلك التاريخ، إن التاريخ مهم بلا شك، ولكن ترميم سقف المسجد بجوار بيتك أنفع للإسلام من معرفتك بأسماء جميع المساجد الشهيرة التي أقامها أسلافنا.
ينتاب الإنسان شعور أحيانا بضرورة إحراق كل هذا التاريخ المجيد الذي أصبح ملاذا لحسراتنا ونحيبنا ولحياتنا المبنية على الذكريات! وقد يكون من الأفضل أن نهدم كل تلك الآثار البديعة، إن كان ذلك شرطا لأن ندرك أننا لا نستطيع العيش من التاريخ، وأننا يجب أن نعمل للإسلام شيئا بأيدينا!
إنه لمن صريح التناقض أن تقدم لنا تربية الذل والانصياع والطاعة هذه باسم تربية القرآن، القرآن الذي يذكر مبدأ الجهاد ومقاومة الظلم في أكثر من خمسين موضعا، وأنا أجزم هنا بأن القرآن الكريم قد حرم هذا النوع من الطاعة، فبدل من طاعة العظماء والسلاطين الزائفين، أقر القرآن نوعا واحدا من الطاعة فقط، الطاعة لله وحده! ولكن القرآن بنى على هذه الطاعة المطلقة لله حرية الإنسان وتحرره من أي طاعة أخرى أو خوف من أحد.
إذن، ما الذي ينبغي أن ننصح به الآباء والمربين؟ يجب أن ننبههم ، قبل كل شيء، ألا يقتلوا هذه الطاقة في الشباب، عليهم أن يصوغوا هذه الطاقة وأن يوجهوها، لأن الشباب المسلوب الإرادة لا ينفع الإسلام ولا سبيل لإعادة إحياء الإسلام بأناس "أموات"، ولكي يربوا المسلمين عليهم أن يربوا رجالا كاملين، وليحدثوهم عن العزة أكثر من الطاعة، وعن الشجاعة أكثر من التواضع، وعن العدالة أكثر من الشفقة، ليخرجوا لنا جيل العزة والمهابة الذي سوف يقف على قدميه بثبات ليمضي في طريقه من غير أن يسأل عن الإذن من أحد
ولنعلم جيدا : إن تقدم الإسلام - مثل أي تقدم آخر - سيتحقق على أيدي الشجعان الثائرين، لا على أيدي الوديعين المطيعين.
 
هناك نساء كالمدن..ونساء كالصحراء..
وهناك رجال كالبحار..ورجال كالبحيرات المغلقة..
والمرأة المدينة هي المرأة التي لا تكف عن العطاء، سواء كانت البيوت مسدلة الستائر، أو مفتوحة النوافذ..وسواء كان هناك صخب أطفال يلعبون، أو هدوء رجل يقرأ..أما المرأة الصحراء فتمشي في فيافيها فلا تقع عيناك على غير كثبان الرمال، وكلما اشتد بك الظمأ أسرعت نحو هذا السراب الذي تتوهم أنه واحة..ويبتعد الوهم كلما اقتربت منه.
والرجل البحر، هو الرجل ذو السطح الهادئ، الذي لا يكدره شيء، وإن أُلقيت فيه آلاف الأكدار، بل هو الصفاء الذي يصفو به الكدر ذاته..والرجل البحر هو الذي ينطوي داخله على لؤلؤ ينام في محارات الألم، ويخفق فيه الموج - مدا وجزرا - مع حركة النجوم والقمر..
أما الرجل البحيرة، فهو الرجل الراكد المنبسط الآسن، المتوقف وجوده على العمليات الفيزيقية، فهو يأكل ويشرب، وينام ويصحو، ولكنه لا يحلم..وأحيانا يتزوج رجل كالبحر من امرأة كالصحراء..أو تتزوج امرأة كالمدينة من رجل كالبحيرة.. وتختلف النتائج في كل مرة باختلاف الأشخاص..وحين يتزوج رجل كالبحر من امرأة كالصحراء، يضيع ماء البحر في الصحراء ويجف، أو يظل البحر بحرا والصحراء صحراء..يظل هناك فاصل بين البحر والصحراء.
أما المرأة المدينة حين تتزوج من رجل كالبحيرة، فإن النتائج تكون توقف الحركة، وغرق الطرقات، ورشاش الماء الذي تقذفه عجلات السيارات المسرعة.
والجنة على الأرض هي اقتران رجل كالبحر بامرأة كالمدينة، فليس هناك أصفى من مدينة يرقد البحر عند مشارفها، وتهب عليها الرياح البحرية من بوابات الأرض المتصلة بالسماء..
والجحيم على الأرض هو اقتران امرأة كالصحراء برجل كالبحيرة المغلقة..ولقد قيل في حكمة الشعوب: "إن اختيار الرفيق يأتي قبل اختيار الطريق"، ويصدق هذا المثل على العلاقات بين البشر أكثر مما يصدق على أي شيء آخر..
ومن المدهش أن هناك عنصرا خارجيا إذا وُجِدَ أو غاب أَثَّرَ وجوده أو غيبته على الموقف تماما، أن الرجل البحر أو المرأة المدينة يتحولان إلى بحيرة وصحراء إذا فَقَدَا الحب، كما أن الرجل البحيرة والمرأة الصحراء يتحولان إلى العكس إذا عرفا الحب..  
مشكلة عويصة أشبه ما تكون بالســر.
ليس من المستحسن أن يكون للكاتب كثير من المعجبين..وكل رجل ذي عمل مع الجمهور يجب أن يطهر الهواء المحيط به بمطهر الحقيقة..فالفكر والكلمة ليسا مجرد وسيلة للتبذخ المنطقي أو التسلية..هناك قراء حقيقيون ولكنهم قلائل، أولئك يعتقدون بحرارة أن الإنسان سيد هذه الحياة ..وأن حقه في حرية الفكر والقول حق مقدس، أولئك يقرءون بذكاء، ويفكرون بحرية، ويقولون لما يقرءون هذا حق..أما ذاك فلا..إن الرجل الجيد، الرجل الحي، هو الذي يبحث دائما عن شيء، أما أنتم يا من تعيشون مرتاحي البال، مطيعين، جامدين، تتكاسلون عن التفكير، وتخافون الحركة، فكل غايتكم من القراءة الظفر ببضع كلمات تتلمظون بها في المجالس ..إن الحياة، هي القصيدة البطولية للإنسان الذي يبحث عن قلبه حتى لو لم يجده..الإنسان الذي يريد أن يعرف كل شيء حتى لو لم يصل إلى ذلك..والذي يرجو أن يكون قويا، حتى لو لم يستطع التغلب على ضعفه..إني أقدس الاستياء الذي يشعر به الإنسان تجاه نفسه، والذي يدفعه إلى الأفضل دوما..وأقدس رغبة الإنسان في أن يكنس من الأرض كل ما فيها من حسد وشره ومرض وجريمة ورغبة في أن يلغي الحروب، ويجهز على كل عداوة بين الناس..لست أحتفظ من ساعة مولدي بأي تذكار، لكن جدتي قالت لي إنني صرخت عندما أعطيت الروح الإنساني، وأريد أن أعتقد أن صرختي تلك كانت صرخة كراهية واحتجاج..ليس لنا سوى اتجاه واحد نتحرك فيه، وهذا الاتجاه هو الأمام..وهو أيضا أن نعرف مباشرة وبأنفسنا قيمة العمل الخالق لكل ما هو جميل وكبير وثمين في هذا العالم.
 
إن الروح وحدها تستطيع أن تعلم، ولا يقدر على التعليم أي رجل دنس، ولا أي رجل مادي، ولا كاذب، ولا الرقيق..إن الذي يعطي، هو وحده الذي يملك، والذي تتحدث الروح بوساطته، هو وحده القادر على أن يعلمنا..فالشجاعة والورع والمحبة والحكمة تعلمنا.
ويستطيع كل إنسان أن يفتح بابه لهذه الملائكة، ولسوف تقود إليه الألسنة..أما الذي يريد أن يتكلم وحسب فإنه يهذي وخير له أن يسكت..إن الثبات السخيف على رأي واحد هو غول العقول الصغيرة، أما الروح العظيمة فإنها تستنكف هذا الثبات، انطلق بما تفكر فيه الآن في ألفاظ قوية وانطلق غدا بما تفكر به غدا في ألفاظ قوية كذلك، حتى وإن ناقض كل ما قلته اليوم، وثق أنه سوف يُساء فهمك، وهل من شر الأمور أن يُساء فهمك؟ لقد أُسيء فهم فيتاغوراس وكذلك سقراط والمسيح  ولوثر وكوبرنيكس وغاليليو ونيوتن وكل روح طاهرة عاقلة.
لكي تكون عظيما لا بد أن يُساء فهمك، ويهب الله لكل عقل الخيار بين الحقيقة والراحة..اختر منهما ما شئت، ولكن لن تظفر بكلتيهما، إن من يختار الراحة لا يشاهد الحقيقة ومن يختار الحقيقة يظل جوَّابا سابحا يعيدا عن كل مرفأ.
ومن أراد أن يكون رجلا، ينبغي أن ينشق عن السائد المألوف، ومن يحب أن يجمع ثمرة النخيل الخالد، ينبغي ألا يعوقه ما يسميه الناس خيرا، بل يجب عليه أن يكتشف إن كان ذلك خيرا حقا!! لا شيء في النهاية مقدس سوى نزاهة عقلك، حرر نفسك لنفسك يؤيدك العالم.
إني أنصحكم قبل كل شيء أن تسيروا وحدكم، وأن تسيروا إلى الله بغير وسيط وبغير حجاب..اشكروا الله على هؤلاء الرجال الأخيار..ولكن ليقل كل منكم أنا كذلك إنسان، إن التقليد لا يمكن أن يرتفع فوق النموذج، والمقلد يحكم على نفسه بضعف لا رجاء فيه، وإنه ليحرم نفسه جمالها كي يقترب من جمال إنسان آخر. 
 

نادر ما تظهر الحياة الاجتماعية في حالتها الصرفة فالممارسات وأنماط التنظيم تحددها أجهزة معقدة، والمؤسسات على اختلاف أنواعها: الأسرة، المدرسة، الوطن، تُعْجِز عقولنا وترسخ فيها الرموز والمحرمات الجماعية رغم أنفنا.
إن الأنظمة السياسية لا تقدم للملاحظة إلا ما هو مشرف : الدولة في أزهى واجهاتها، خطاب مؤثر من الطيبوبة والكرم، شرطة نظيفة وجيش فوق كل الشبهات، والفاعلون يلعبون دورا معصوما والممارسات السياسية ماهرة صافية، رسميا "كل شيء عادي" فيما يخص الانتخابات، والديمقراطية في حالة جيدة، والحريات العامة مضمونة، وتبقى النصوص، إنها تقول شيئا واحدا "كل شيء يسير طبقا للقانون".
إن السلطة ثرثارة، إلا أنه ينقصها سعة الخيال، فهي تنشر ترسانة متينة من الشعارات الجاهزة : الديمقراطية، المساواة العدل للجميع وخطاب أولئك الذين هم خارج السلطة يكاد يكون أقل تفاهة، "ألسنة من خشب في مواجهة كلمة من حديد"، وفيما عدا هذه الحقائق الرسمية، " ليس هناك أي شيء يمكن رؤيته، انصرفوا!!"، فالدولة تغطي الحقيقة بطبقة من الإسمنت حتى لا يظهر أي صراع أو تناقض أو تسخير أو اختلاس، والحقيقة الرسمية لا غبار عليها، وفيما عدا هذا ليس هناك أي شيء يمكن دراسته.
يجب أن لا نبحث عن علم السياسة حيث لا يوجد، فالتسميات خادعة، ذلك أن علم السياسة لا يدرس في " معهد العلوم السياسية" بشارع سان غيوم بباريس، ولا في أكاديمية العلوم بموسكو، ولا في إحدى هذه الجامعات الأمريكية الخصوصية حيث يمكن شراء دبلوم علم السياسة دون أن تضع قدميك فيها، وعلى الرغم من ميوعة محتواه (لا موضوع ولا مناهج خاصة) فإن علم السياسة يجلب تعويضا اجتماعيا مشرفا، فمن هب ودب يدعي أنه يشتغل بعلم السياسة: الصحفيون، الدبلوماسيون وأساتذة القانون.
وفي سوق العمل لم يعد علم السياسة مربحا، غير أنه يشكل إحدى الكماليات المفيدة بالنسبة لشاب منحدر من عائلة مرموقة، متمكن من دبلوم في الهندسة بالخارج ومعتمد على معارف أبيه، فبالنسبة للساسة، يمنح علم السياسة، شأنه في ذلك شأن القانون، حدا أدنى من الشرف مقرونا بالأسلوب الجيد والعادات الحسنة، وهذا ما يطلق عليه الفرنسيون  "الشيم المتمدنة" أي أنه يحضر الحياة السياسية وتلكم وظيفته الاجتماعية، وخارج الاجتماعي، يتسلق الباحث الهاوي "دروب العلم العسيرة" بعناء، عماذا يبحث؟ هو نفسه قلما يدري! إنه يريد أن يفهم لا أقل ولا أكثر، يريد أن يفهم الواقع الثاوي وراء الأجهزة المصفحة لأنظمة السلطة، فالدولة وإيديولوجيوها المحترفون : الأقلام المتملقة، والمقربون والأتقياء المزورون والأبواق المأجورة والرؤساء المديرون العامون، يلفقون التاريخ الرسمي بدون أحداث، فكيف يمكن إذن أن نؤول وقائع سياسية لا وجود لها رسميا.
 
إنه لأمر يصعب على التصديق أن نرى الشعب متى تم إخضاعه يسقط فجأة في هاوية من النسيان العميق لحريته إلى حد سلبه القدرة على الاستيقاظ لا ستردادها وجعله يسرع للخدمة صراحة وطواعية حتى ليهيأ لمن يراه أنه لم يخسر حريته وإنما كسب عبوديته، صحيح أن  الناس 
لا يُقْبِلون على الخدمة في أول الأمر إلا جبرا وخضوعا للقوة ولكن من يأتون بعدهم يخدمون دون أن يساورهم أسف ويأتون طواعية ما أتاه السابقون اضطرارا، ذلك أن من ولدوا وهم مغلولو الأعناق ثم أُطْعِموا وتَرَبوا في ظل الاسترقاق دون نظر إلى أفق أبعد يقنعون بالعيش مثلما وُلِدوا، ثم إنه لما كان التفكير في حال مختلفة أو في حق آخر لا يطرأ على بالهم، فهم يأخذون وضعهم حال مولدهم مأخذ الأمر الطبيعي.
ومن وُلِدوا في غياهب هذا الليل الطويل إذا كانوا لم يسمعوا البتة أحدا يتحدث عن الضوء، هل نعجب لو أنهم ألفوا الظلمات التي ولدوا فيها دون أن يستشعروا الرغبة في النور؟ أجل أن من طبيعة الإنسان أن يكون حرا وأن يريد كونه كذلك ولكن من طبيعته أيضا أن يتطبع بما نشأ عليه، لنقل إن ما درج الإنسان عليه وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي، فلا شيء ينتسب إلى فطرته سوى ما تدعوه إليه طبيعته الخالصة التي لم يمسسها التغير، ومنه كانت العادة أول أسباب العبودية المختارة.
إن السبب الأول الذي يجعل الناس ينصاعون طواعية للاستعباد هو كونهم يُولدون رقيقا وينشأون كذلك ، إلى هذا السبب يُضَافُ سبب آخر هو أن الناس يسهل تحولهم تحت وطأة الطغيان إلى جبناء مخنثين، ومن المحقق أن الحرية تزول بزوال الشهامة، فالقوم التابعون لا همة لهم في القتال ولا جلد، إنهم يذهبون إلى الخطر كأنهم يشدون إليه شدا، أشبه بنيام يؤدون واجبا فُرِضَ عليهم، لا يشعرون بلهب الحرية يحترق في قلوبهم، هذا اللهب الذي يجعل المرء يزدري المخاطر  ويود لو اكتسب بروعة موتة الشرف والمجد بين أقرانه، إن الأحرار يتنافسون كل من أجل الجماعة ومن أجل نفسه وينتظرون جميعا نصيبهم المشترك من ألم الانكسار أو فرحة الانتصار، أما المستعبدون فهم عدا هذه الشجاعة في القتال يفقدون أيضا الهمة في كل موقف وتسقط قلوبهم وتخور وتقصر عن عظيم الأعمال، وهذا أمر يعلمه الطغاة جيدا، فهم ما أن يروا الناس في هذا المنعطف إلا عاونوهم على المضي فيه حتى يزدادوا استــنـعــاجــا.
 
إننا عرب يجمعنا مصير واحد، وهي فكرة عاطفية لها علاقة بحب المواساة، وليس بحب الواقع، وقد أثبت ظهور النفط، إلى أي مدى، تستطيع مصائرنا أن تختلف، رغم مصيرنا الخـرافي المشتـرك، حتى أن مواطنا عربيا مفلسا وجائعا وحافي القدمين، يستطيع أن يعيش على بعد مرمى حجر من مواطن عربي آخر يبذر ثروات لا تُحصى في القمار والدعارة وشراء الخدم، من دون أن يردعه بموجب قانون عادل واحد، أو حتى أن يقذفه بحجر، وإذا كان هذا اسمه المصير المشترك، فذلك مرده أننا مشتركون عمدا في تزوير مثل هذه الأسماء، إن ثقافتنا العربية المعاصرة لا تملك الحصان وليس لها لغة مشتركة، وليس لديها تاريخ مشترك، ولا تخاطب كل العرب، ولا تستطيع أن تغير واقعهم، لأنها ثقافة مترجمة في غياب العرب أنفسهم.
إن الثقافة من دون حرية الفكر لا تستطيع أن تكون ثقافة إنسانية حقا، وليس بوسعها أن تلتزم بالدفاع عن عالم الناس، لكنها من جهة أخرى لا تعرف كيف تسد هذا العيب الظاهر، وليس لديها خيار آخر سوى أن تدبر لنفسها قناعا إنسانيا مزورا، وتندس وراءه في محاولة طفولية لافتعال عاصفة داخل فنجان، إنها تقول كلاما كبيرا جدا، على لسان مثقف في حجم فأر، مثقف لا يملك حق الكلام، في مجتمع لا يملك حق النشر، تحت سلطة لا تحبذ تبادل الأفكار، مثقف وحيد، لا يضمن الناس حقه في إبداء الرأي، مهمته أن يضمن حقوق الناس وأن يدافع عنهم بقلم رصاص، في وجه أنظمة بوليسية عاتية، تقاتل بالرصاص، وأن يقول لهم جـــهارا، ما لا يُطيق أحد أن يسمعه ســـــرا.

العرب مصابون بداء ازدواج الشخصية أكثر من غيرهم، ولعل السبب في ذلك ناشئ عن كونهم وقعوا أثناء تطورهم الحضاري تحت تأثير عاملين متناقضين: هما البداوة والإسلام، إن قيم البداوة تحرض على الكبرياء وحب الرئاسة وتفتخر بالنسب، أما الإسلام فهو دين الخضوع والتقوى والعدالة وما شابه، ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأن العربي بدوي في عقله الباطن، مسلم في عقله الظاهر، فهو يمجد القوة والفخار والتعالي في أفعاله بينما هو في أقواله يعظ الناس بتقوى الله وبالمساواة بين الناس، إن المفكرين العرب قد حلقوا في سماء الوعظ كثيرا، فلم يقربوا أسلوب وعظهم من الواقع الذي يعيش الناس فيه، ولهذا أصبحت هناك فجوة بين واقعية الحياة ومثالية الفكر عندهم.
إن الطبيعة البدوية هي طبيعة الحرب، فالبدوي لا يفهم من دنياه غير التفاخر بالقوة والشجاعة والغلبة، وهذه تؤدي عادة إلى حب التعالي والكبرياء والرئاسة، وقد اشتهر البدوي أنه مشاغب حسود ميال إلى النزاع، فإذا لم يجد من ينازعه من الغرباء مال إلى النزاع مع ابن عمه أو أخيه، والبدوي لا يستطيع أن يكون مسلما حقيقيا إلا حين يكون المجتمع الإسلامي في حرب مع أعداءه، ولا يخفى أن هذه الطبيعة البدوية تناقض روح الإسلام.   
إن العجز عن قراءة الحروف يُدعى في علم اللغة باسم الأمية وهي ظاهرة لا علاقة لها بالجهل، فالقراءة قدرة ميكانيكية مكتسبة وليست نشاطا عقليا من أي نوع، والعجز عن القراءة مجرد افتقار إلى قدرة ميكانيكية وليس افتقار إلى نشاط عقلي من أي نوع أيضا.
إن القراءة كلام مدرب والفرق بين الشخص القادر على فهم الرموز مباشرة وبين الشخص الذي يحتاج إلى السماع مجرد فرق في الوسيلة وحدها، الجهل لا يفقد أظافره بمجرد أن يتعلم المرء كيف يلوي لسانه باللغة الفصحى، الجهل حالة عقلية خاصة لا يمكن استبدالها إلا بحالة عقلية أخرى.
إن أعراض الجهل واحدة بالنسبة للفرد وبالنسبة لمجتمعه كلاهما عالم بذاته، كلاهما على صواب دائما، كلاهما أناني وجاهز الخطط وعارف بكل شيء، كلاهما يعتقد أنه يسير في طريق الخير والسعادة، والمشكلة بالضبط هي أن كل مخلوق يعتقد جازما أنه يعرف، وهذه طبيعة النكتة المريعة.
إن المجتمع الجاهل ليس فقط مجموعة أفراد جاهلين بل مجموعة أفكار غير فعالة ومجموعة حقائق نسبية قد لا تخلو من الزيف، ومجموعة غير محدودة من الأخطاء التي لا تبدو بمثابة أخطاء إلا لمن يراقبها من الخارج، فمثل هذا المجتمع هو صورة مكبرة لرجل جاهل واحد يقود مركبه في وسط المحيط، فالجهل لا يملك سوى علاج واحد اسمه المعرفة، ولكن العارفين في أغلب الأحيان هم السادة الجهلاء،.
إن تغيير وجه المجتمع يتطلب مبدأ خلقيا عاما اسمه " الإحساس بأبعاد المسؤولية"، وإننا لم نتطور خلقيا إلى الحد الذي نمتلك هذا المبدأ تماما، كما أننا لم نتطور ماديا إلى الحد الذي نمتلك عنده فرصة المقارنة، فميزة النمو الحضاري أنه يبدأ على الدوام وسط معركة محددة بين ما يحدث في الواقع وبين ما يجب أن يحدث، معركة يدخلها الفرد طائعا ليقرر بنفسه عما إذا كان من الأجدر به أن يغير أسلوب حياته، أن يكف عن قتل الوقت بالعبث، أن يواجه العالم عاريا وباردا ومسلحا، وهنا تبدأ منطقة الأخلاق...الشجاعة لمواجهة الواقع، الأمانة في إدراكه، الصدق في تقدير إمكانيات الفرد، والصبر على احتمال الصراع القادم عبر كل لحظة قادمة.
إن الجهل مخدر دائم الأثر، إنه لا ينتهي مثل باقي المخدرات عند حد تدمير صاحبه، بل يمد أدرعه الشنيعة لكي يدمر كل شيء من حوله في جميع الاتجاهات، فهو ليس الأمية وحدها، فكثير من الأميين تنقدهم الصدفة، ولكن الجهل مرض من نوع آخر...مرض يجعل الإنسان...أي إنسان...مخلوقا أنانيا خاليا خلوا تاما من أي إحساس بواجب التضحية والنظام اتجاه الآخرين، فذلك هو الجهل الذي لا شفاء منه، وصاحبه لا يمكن إنقاذه قط، إنه مثل أحد السكارى، لا يمكن إقناعه بشيء وليس ثمة فرصة لمنعه من ارتكاب ما يشاء إلا أن تكتفه بأحد الحبال أو تقتله أو تجعله يصحو، فإذا تركته وشأنه، فأنت تتركه للصدفة وحدها، ولكنك لا يمكنك أن تعتمد عليه أبدا، ونعرف الجاهل بخمس علامات تجارية مسجلة:
العلامة الأولى أنه يعرف الصواب عن كل شئ، والأشياء الصغيرة التي لا يعرف عنها الصواب يعلقها في عنق الغيب،
العلامة الثانية أنه يقف دائما عند محور الأرض والدنيا تدور حوله، كل شيء يتحرك بالنسبة له أو يقف بالنسبة له وحده، لأنه هو المركز الحقيقي، هو العالم كما ينبغي للعالم أن يكون، إن الجاهل لا يستطيع أن يتنازل عن كرسيه العاجي في مركز الكون دون أن يفقد جهله، إذ ذاك يرى الحقيقة ويرى نسبية الأشياء، وإذا قدر للأعمى أن يرى فإنه لابد أن يفقد عماه،
العلامة الثالثة أن الجاهل لا يبيع بضاعته بالمنطق بل بالشعر وحده، إنه لا يقنعك بفكرته بل يغريك بها، وإذا رفضت إغراءه يلجأ إلى تهديدك وإذا رفضت تهديده انقطعت علاقته بك عند هذا الحد،
العلامة الرابعة أن الجاهل مثل ساعة مليئة بالأوساخ تشير عقاربها عادة إلى منتصف الليل فيما يتناول الناس إفطارهم في الصباح،
العلامة الخامسة أن الجاهل رجل مريض وليس رجلا يتظاهر بالمرض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق