تمسك بكلب إن ظفرت به فإن الوفاء في ذا الزمان قليل

اعلم أن الكلبَ لِمن يَقْتَنِيهِ أشفقُ من الوالِدِ على ولدِهِ، والأخِ الشقيقِ على أخيهِ، وذلك لأنّه يَحرُسُ صاحبهُ ويَحمي حَرِيـمَهُ شاهداً وغائباً ونائماً ويقظاناً، لا يقصِّرُ عن ذلك وإن جَفَوْهُ، ولا يـَخْذُلـُهُمْ وإن خَذَلُوهُ، وخيرُ خِصْلَةٍ في الكلبِ أنّه لا يُنافقُ أبداً في محبَّتهِ مثلَ بعضِ البشرِ، ولَعلَّ كَلْبٍ أمينٍ خيرٌ ألف مرة من إنسانٍ خَؤُونٍ.
وذكر بعض الرواة في وفاء الكلب أنه كان للربيع بن بدر كلبٌ قد ربَّاه فلّما مات الربيع ودُفن، صار الكلب يتخبط على قبره حتى مات ودُفن، وكان للعامر بن عنترة كلابُ صيدٍ وماشيةٍ وكان يحسنُ صُحبتها، فلما مات عامر لَزِمَتِ الكلابُ قبرهُ حتى ماتت بجواره، بينما تفرّق عنه الأهل والأقارب والأصدقاء قبل أن يبرد جسمه.

الحكم على الناس من مظاهرهم هو منتهى الغباء البشري

غالبا ما يتنكر الشر تحت ستار الخير، وغالبا ما يتم إخفاء التعاسة الخانقة للكثير من علية القوم خلف مظاهر مضللة من الأبهة والفخامة والتصنع، وما الفضائل التي يتبجح بها الكثير من الخلق أمام الملإ إلا عبارة عن مظاهر زائفة فارغة المضمون والمحتوى، عِطر يحاولون به أن يغطوا على نتانة رذائلهم دون جدوى، وجوه تـُخفي ما تصدح به قلوب سوداء، والتي لا يمكن احتمالها.
إن معظم الخلق يحكمون على الآخرين من خلال مظاهرهم، والله وحده عليم بسرائرهم،  ووحدهم الرجال المستنيرون الذين وهبهم الله قوة الحدس والفراسة من يميزون بعض الشيء بين جواهر الناس ومظاهرهم، والقصة الحقيقية التالية التي وقعت سنة 1884 وحكاها رجل الأعمال الأمريكي وصاحب مجلة فوربس مالكوم ستيفنسون فوربس (1919-1990) هي في حقيقة الأمر عبرة  ودرس لمن يريد أن يعتبر في أن الحكم على الناس من خلال مظاهرهم هو مُنتهى الغباء البشري:

احترام وتطبيق القانون بين ثرثرة الخطاب الرسمي والواقع المرير

كل علماء المسلمين يـُجْمِعُونَ على أن الحاكم الكافر العادل أفضل من الحاكم المسلم الظالم، والعدل يبدأ من جهاز القضاء ويمتد ليشمل الإدارة على جميع مستوياتها، وليشمل أيضا العدل الاجتماعي والمساواة بين الناس، لافرق بين غني وفقير وحاكم ومحكوم، إذ من سمات الدولة العادلة تمسكها بمبدأ سيادة حكم القانون الذي يسري على الجميع بالتساوي، وبمكيال واحد من قمة هرم السلطة حتى  راعي الغنم، لذلك فإن مقياس تطور الدول والأمم والشعوب ومستوى رقيها وتقدمها يُقاس بمبدأ سيادة القانون فوق الجميع، وليس بما تمتلكه من موارد طبيعية وأموال وأرصدة بنكية، وما تستورده من تكنولوجيا متقدمة من وراء البحار.

الذكرى 1286 لمعركة بلاط الشهداء

"معركة بلاط الشهداء بتاريخ 10 أكتوبر 732 م التي حالت دون زوال النصرانية من أوروبا بسبب خطإ تكتيكي قاتل ارتكبه الجيش الإسلامي، بانشغاله  بالغنائم التي أثقلت ظهره، وشغلته حتى انهزم وتقهقر، ثم ما لبث أن فر تحت جنح الظلام" 
ضفاف متوهجة
تولى عبد الرحمان بن عبدالله الغافقي إمرة الأندلس زمن الحاكم الأموي هشـــام بن عبدالملك سنة 112هـ فطاف الأقاليم ينظر في المظالم ويقتص للضعفاء ويعزل الـولاة الذين حادوا عن جادة الطريق ويستبدل بهم ولاة معروفين بالزهد والعـدل ويتأهـب للحرب، ودعا المسلمين من اليمن والشام ومصر وإفريقية لمناصرته فجاؤوا وازدحمت بهم قرطبة، وجمع الغافقي المحاربين في مدينة بنبلونة وخرج باحتفال مهيب ليعبر جبال البرانس شمال أسبانيا، واتجه شرقاً جنوب فرنسا فأخضع مدينة أرل، ثم اتجه إلى دوقية أقطانيا فانتصـر عـلى الدوق 'أودو' انتصـاراً حاسماً، وتقهقر الدوق واستنجـد ب'شــارل مارتل' حاجـب قصـر الـميروفنجيين حكام الفرنجة وصاحب الأمر والنهي في دولـة الفرنجة وكان يُكَنَّى بالمطرقة، فلبى النداء وكان قبلها لا يحفل بتحركات المسلميـن جنوب فرنسا بسبب الخلاف الذي بينه وبين دوق أقطـانيا الذي كان سببه طـمع شارل بالدوقية، وبذلك توحـدت قوى النصرانية في فرنسا.

رسالة إلى أستاذي الصفر المحترم

سيدي الصفر المحترم تحية طيبة وبعد،
بعد زمن طويل خالطت فيه أصنافا شتى من البشر بصالحهم وطالحهم، اقتنعت أخيرا بأن كثرة الشرح تفسد الانشراح، وأن كثرة الفهامة تعود على صاحبها بالندامة، وأن أعدى شيء للمرء هو أن تحقره وتحط من قدره وتترفع عليه بمحاولة إفهامه على أنك أعلى منه مرتبة وشأنا، أو أوفر منه غنى، أو أقوى منه جاها أو سلطانا، أو أفضل منه عرقا، وأيقنت أن هذه الأمور المقززة التي تعشعش في الحمض النووي البشري منذ الأزل هي أصل العداوات والأحقاد والتطاحن بين البشر،  وهو ما يمكن ملاحظته في كل أصقاع العالم اليوم في الشوارع والحافلات والإدارات، وفي كل منحى من مناحي الحياة في عالمنا السفلي، ويتجلى ذلك بكل بوضوح في وجوه الناس المكفهرة العابسة المتجهمة، وفي ضحكاتها الصفراء الزائفة المتصنعة.

كل إنسان إبن بيئته وموشوم بعلامة جماعته

توفي عالمان أحدهما فرنسي والآخر هندي إثر حادثة سير، وتم دفنهما بإحدى المقابر في قبرين متجاورين، وكان لكل منهما قريب لا يتخلف عن زيارته أسبوعيا، فالفرنسي كان يحضر متأنقا وهو يحمل باقة من الورد، فيقوم بوضعها على قبر قريبه، أما الهندي فكان يحضر رث الثياب لا يولي أي اهتمام لمظهره الخارجي، ويحمل معه صحنا من الأرز يقوم بوضعه هو الآخر على قبر قريبه.
مرت أيام وشهور وهما على هذه الحال، حتى حدث يوما أن انتبه الفرنسي إلى الهندي الذي يقف بالقرب من قبر قريبه، فأراد أن يسخر منه على الطريقة الفرنسية الاستعلائية التهكمية وقال له: متى سيقوم قريبك ليأكل صحن الأرز هذا؟ فنظر إليه الهندي بكل هدوء وفهم قصده فرد عليه بالمثل: عندما يقوم قريبك لِيَشُمَّ باقة الورد.

عالم يفيض بسكانه واستهلاكه وأزباله

حسب الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول  GSMA : Global System for Mobile Association  التي تعبر عن مصالح شركات الاتصالات المتنقلة في جميع أنحاء العالم، وتنتشر في أكثر من 220 دولة، وتمثل ما يقرب من 800 مشغل لشبكات الهاتف النقال في العالم، و200 شركة مختصة في تكنولوجيات الهواتف المحمولة، سيبلغ عدد المشتركين حول العالم في شبكة الهاتف المحمول 5.60 مليار إنسان بحلول سنة 2020، في حين أن عدد الأشخاص الذين يحصلون على الكهرباء والماء الصالح للشرب لا يتجاوزون على التوالي 5.30 مليار و 3.50 مليار.

عَصْرُ الفُلُوسِ الَّذِي أَقْسَمَ أَنْ يُتْعِسَ كُلَّ النُّفُوسِ

"المهاتما غاندي 'الروح العظيمة'، أب الأمة الهندية ورمز مجدها وعزتها، الرجل بما في الكلمة من معنى، المتجرد من متاع الدنيا وزخرفها الكاذب، مبدع فكرة العصيان المدني اللاعنفي في مواجهة استبداد ووحشية أوروبا بكرامة الإنسان البسيط
ضفاف متوهجة
هل نحن الآن في عصر الفلوس؟ في الماضي كانت قيمة الإنسان بما في رأسه، فهل أصبحت قيمة الإنسان اليوم بما في جيبه؟ وهل لو بُعِثَ اليوم العالم ألبرت أينشتاين والكاتب برنارد شو والمؤلف المسرحي شكسبير ودخلوا مطعما في لندن في نفس الوقت الذي يدخل إليه أحد أصحاب الملايير..فهل سيرحب مدير المطعم بالعالم والكاتب والمؤلف أم سيتركهم واقفين ينتظرون دورهم ويهرول نحو صاحب الفلوس الملياردير العظيم ليعد مائدته؟

الملحن العبقري في كل الأزمنة The Genius Composer Of All Times

كانت حياة سيد الموسيقيين بيتهوفن الأصم الذي ألف أعظم موسيقى كلها صورة من ثورة الفرد على الذل والعبودية والتقاليد الأرستقراطية البالية، وثورة عارمة تجيش في نفسه على كل شيء في المجتمع، وكان رجلا حرا لدرجة الجنون، يكره أن يُؤمر ويُغرى ويُكلف ويُستعبد ويُسَخر كما هو حال معظم البشر في زمانه.
بحث بيتهوفن عن المرأة المثالية دون جدوى حتى يئس وبقي على تلك الحالة حتى آخر أيام حياته، لذلك كره  النساء المبتذلات لما في طبيعته من عفة وأنفة تصونه من الاتصالات العابرة، حتى اعتُبر ملاكا طاهرا لم يكن للعشق قوة دافعة في حياته، لذلك جاءت موسيقاه سامية بمنأى عن الانفعالات الجنسية، ولا ريب في أن بيتهوفن كان يكره الزواج في قرارة نفسه، لأنه أحس بفطرته أن أي امرأة سوف تأسره وتشغل باله وتُبعده عن فنه، لذلك عاش بفنه ولفنه لا غير.

أن يعيش المرء خمسة آلاف عام

"بَــــيْتٌ بِلاَ كُـــتُبٍ جَــــــسَــدٌ بِلاَ رُوحٍ" الكاتب الروماني ماركوس توليوس سيسرو
"القِراءَةُ تُعَظِّمُ الرُّوحَ، والصَّدِيقُ الـمُسْتَنِيرُ يُوَاسِيها" الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير
"يَا وَيْــلَ القُــرَّاءِ مِنْ أَوْلَـئِـكَ الكُتَّابِ الَّذِينَ لاَ يَقْـرَأُونَ" عالم الاجتماع العراقي علي الوردي
"سَاعةٌ مِنَ القِرَاءَةِ هي العِلاجُ الفَعَّالُ ضِدَّ اشْـمِئْزَازِ الـحَياةِ" الفيسلوف الفرنسي مونتيسكيو
"اِجْعَلْ مَا فِي كُتُبِكَ رَأْسَ مَالٍ، وَمَا فِي صَدْرِكَ للِنَّفَقَةِ" إمام اللغة والأدب الخليل بن أحمد الفراهيدي
"أَنَا الَّذِي تـَخَيَّلْتُ دَوْماً الـجَنَّةَ عَلَى شَكْلِ مَكْتَبَةٍ" الكاتب والشاعر والناقد الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس

عندما تفسد الإدارة تنداعى الحضارة

يمكن تعريف الموظف حسب النظام الأساسي للوظيفة العمومية على أنه كل شخص يُعَيّن في وظيفة قارة ويُرَسَّمُ في إحدى رُتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة، أما من الناحية الكاريكاتورية فيمكن تشبيه الموظفين بمجموعة من الكتب المرصوصة في خزانة، أقلها فائدة وقيمة توضع دائما في الرفوف العليا، والموظف بطبيعة تدرجه في الأسلاك الإدارية وتفرد جيناته الوراثية التي ورثها عن أسلافه النائمين يعمل ولا يفكر، غير أن الموظف الذي يؤنبه ضميره ويستيقظ ويصحو، ثم يبدأ يفكر  فإنه يصوم عن العمل الغير مجدي، لأنه يدرك أن عمله سوف يكون مجانبا للصواب، ومنافيا للمنطق، وغير نافع للناس، وغير صادق، وغير مخلص، وغير أمين بتاتا؛ ولا يعمل من الموظفين المسحورين بتعاويد الإدارة وطلاسمها-وهم الأكثرية-في الأعمال الغير مجدية الكثيرة والمتنوعة إلا الذين يغفون طوال السنة أو تنتابهم سِنَة أو نوم بين الفينة والأخرى.

عندما يعلو السفلة في زمن الخنا ويهوي في يمه أَهل المعالي والشرف


أبو الفرج الكاتب:
هِيَ الــــــــــــدُّنْيَا تَقُـــولُ بِـمِلْءِ فِــــيهَا      حَذَارِ حَذَارِ مِنْ بَطْشِي وَفَتْكِي
وَلاَ يَغْــــــــــــرُرْكُمُ حُسْـــنُ ابْتِـــــسَـــــامِي      فَقَـــوْلِي مُضْحِـــكٌ وَالفِعْــلُ مُبْكِي
ابن المعتز:
عَجَـــباً للِــــــــزَّمَانِ فِي حَـــــــالَتَيْهِ      وَبَـــــــــــلاَءٌ دُفِــــعْـــــــتُ مِــنْهُ إِلَـــيْهِ
رُبَّ يَـــــــوْمٍ بَكَـــيْـتُ فِيهِ فَلَـمَّا      صِرْتُ فِي غَيْرِهِ بَكَيْتُ عَلَيْهِ

الرجل الذي يحيا يوما على اثنين

هنالك كتاب كبار لم ينالوا من الشهرة ما ناله من هم أقل منهم شأوا، لسبب بسيط هو كونهم يفضلون الجوهر على المظهر، بينما الآخرون هم على النقيض منهم بالتمام، والكاتب المسرحي والروائي الفرنسي 'مَارْسِيلْ أَيْمِي' (1902-1967) هو من الفئة الأولى من الكتاب المبدعين في تشكيل الخيال الجماعي للبشرية، بأسلوبه الذي قد يبدو بسيطا في ظاهره لأول وهلة، لكنه مع ذلك يبقى جد معقد في حقيقة أمره، لأن سريان مياهه تنساب في الأعماق حيث لا يستطيع نور الشمس أن يجد إلى ذلك سبيلا، إنه يشبه إلى حد كبير أسلوب الكاتب الروسي العبقري 'أنطون تشيخوف' الذي يغلب عليه النقد الشديد إن لم أقل الأكثر تشاؤما لنظرته للإنسان ومكره وظلمه، لكنه مع ذلك يظل متسامحا لضعفه، وخلف فصاحة 'مَارْسِيلْ أَيْمِي' المثيرة للإعجاب يلتحف حسه العالي بوشاح فريد من النكتة والسخرية متفردا برسم  روائع وأحلام من صلب الحياة اليومية للحياة والأحياء.

كيف حولت الرأسمالية الربوية جميع البشر إلى قطيع من العبيد

"الرأسمالية ستجعل كل الأشياء سلعاً: الدين الفن والأدب، وستسلبها قداستها"  كارل ماركس
البروفسور فالنتين كاتاسونوف Valentin Katasonov (1950-     ) خبير اقتصادي روسي متمرس، وعلى اطلاع واسع على دواليب ودهاليز الاقتصاد العالمي ومؤسساته، حاصل على درجة الدكتورة في الاقتصاد، وهو أستاذ في قسم موسكو في معهد الدولة للتمويل الدولي، وعضو مراسل في أكاديمية العلوم الاقتصادية والتجارية، شغل منصب مستشار لدى الأمم المتحدة في الفترة (1991-1993)، ثم شغل منصب عضو في المجلس الاستشاري لرئيس البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير في الفترة (1993-1996)، وأخيرا شغل منصب رئيس قسم العلاقات الدولية في وزارة الخارجية الروسية في الفترة (2001-2011)، من مؤلفاته القيمة:

كيف كنا وكيف أضحينا

كانت أوروبا في القرون الوسطى باعتراف معظم المؤرخين الغربيين عبارة عن أحراش وغابات كثيفة، وكان سكانها جد متخلفين حضاريا وثقافيا وزراعيا، وكانت تفوح من مدنها روائح عطنة وقاتلة من كثرة المستنقعات وسريان المياه العادمة في الأزقة الضيقة والشوارع، وتراكم مخلفات الحيوانات أمام المنازل المبنية من الطين المعجون بالقش، وكانت عواصم أنوارها مثل باريس ولندن ظلاما وأوساخا وقاذورات.
 في هذا الزمن بالذات كانت بلاد المسلمين بالأندلس تزخر بشتى المعارف والعلوم نتيجة الاعتناء الكبير الذي خص به حكام البلد العلم والمعرفة وتثقيف الأمة والسعي كي تحتل مكانة  رائدة تحت الشمس في العالم، فقاموا ببناء دور للكتب، وأنشأوا المدارس والمكتبات في كل ناحية، وسهروا على ترجمة الكتب المختلفة خاصة منها الإغريقية، ودرسوا العلوم الهندسية والرياضية والفلكية والطبيعية والكيميائية والفيزيائية والطبية والصيدلية والزراعية والهيدروليكية، بالإضافة إلى العناية أيضا بعلوم القرآن والحديث والفقه، والقضاء واللغة بآدابها وعلومها، والمعاجم والتراجم، والتاريخ والسيرة والجغرافيا، والمنطق والملل والنحل، والفلسفة والموسيقى.

المجزرة الفظيعة: الذكرى 36 لمذبحة صبرا وشاتيلا


بعد صمود بطولي للمقاومة الفلسطينية طيلة تسعة وسبعين يوما أمام أعتى جيش بالشرق الأوسط استسلمت المقاومة في الأخير للأمر الواقع ورحلت عن بيروت في الأول من سبتمبر سنة 1982، وكان رحيلها اضطراريا مرا كالحنظل حتى تُجنب وتتفادى المزيد من القصف والدمار والمعاناة للمدنيين العزل من جهة، ومن جهة أخرى شعورها باليأس التام  من بعض المساعدة التي قد تأتي من العربان المكبلين الذين كانوا يرزحون تحت حذاء اليانكي الأمريكي كما هو عليه الحال إلى حد اليوم في هذا العصر الخبيث.

عندما يصبح الذل والإهانة معيشة يومية

يقول سي المهدي المنجرة رحمة الله عليه في مؤلفه 'الإهانة في عهد الميغا إمبريالية': تنبع الإهانة من إرادة واعية في التعدي على كرامة الآخرين، وليس فقط من الهيمنة، إنها أحد الأمور الأكثر انتشارا اليوم عالميا بفضل مستخدميها ومن يحافظون عليها، وهو الأمر الذي يُثير الأقل فالأقل من السخط من جانب الحكومات والشعوب الـمُهانة نفسها أو من طرف الرأي العالمي الدولي.
منذ أكثر من خمسين سنة، وكنا وقتها في إحدى ثانويات الدار البيضاء، أعطانا أستاذ اللغة الفرنسية موضوعا للإنشاء يقول: "احكوا كيف أحسستم لأول مرة بالسخط أمام مشهد للظلم"، ولا زلت أحتفظ إلى اليوم بورقة درس الإنشاء، كان أحد ماسحي الأحذية يعرض خدماته على أحد الزبائن على سطيحة إحدى المقاهي، غير أن الزبون رفضها لمرتين قبل أن يقوم بركله، تقدم ماسح الأحذية نحو شرطي كان شاهدا على الحدث، فشكى له ما تعرض له، فطلب منه الشرطي الذهاب إلى حال سبيله لأنه هو المخطئ، باعتبار أنه كان يتحرش بالزبون.

الحرب المفتوحة من الملاحدة على الله

"إن الله يحبس البربرية البهيمية داخلنا" ألكسندر سولز هنتزن
لم يعد الإلحاد شذوذا بشريا كما كان في القرون السالفة عندما كان  لا يمثل سوى استثناء في المشهد العقدي، أما اليوم فقد أصبح للملاحدة وجودهم الحقيقي في الخارطة العقدية البشرية، وأصبح لهم منظروهم ومنصاتهم ومؤلفاتهم وكتبهم وإذاعاتهم وفضائياتهم ومواقعهم على الأنترنت من فايسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، التي من خلالها يمررون وينشرون إديولوجياتهم وأفكارهم ومخططاتهم بمكر وذكاء.

من المستحيل بناء وطن عزيز مزدهر بدون كرامة المواطن

حين تعيش في ظل أنظمة مبنية على الذل وتقبل به من طرف دول أقوى منها، وعوض محاربته مباشرة تفرضه على شعوبها، ونحن نعيش ذلا مكررا، بطريقة غير مباشرة من طرف الدول الكبرى، ونعيشه كسياسة في بلدنا، وهذه في الواقع إهانة وحُكَرة، وتحليلي كله مبني على هذه الإهانة التي نعيشها في دول العالم الثالث، والطريقة الوحيدة لمحاربة الإهانة هو الدفاع عن الكرامة.

التعليمُ المُحَاصَرُ بينَ لغةِ الفرنسيسِ ومَهزلةِ الَّلهجةِ العَاميةِ

"إِنَّ الـمُثَقَّفِينَ العَرَبَ الَّذِينَ لَـمْ يُتْقِنُوا لُغَتَهُمْ لَيْسُوا نَاقِصِي الثَّقَافَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي رُجُولَتِهِمْ نَقْصٌ كَبِيرٌ وَمُهِينٌ أَيْضاً"
                                                                                            طه حسين (1889-1973)
الدعاةُ من السفهاء أذناب وخدام وعملاء الاستعمار الفرنساوي إلى التدريس بالعاميةِ واللهجاتِ المستهجنةِ المخترقةِ والتفرنيسِ الـمُذِلِّ، هم أشد أعداء اللغة العربية الفصحى والقرآن الكريم والأخلاق خاصة منها الحياء، لتأثرهم بقيم المجتمعات الغربية، واقتفائهم عاداتها، وتقليدهم إياها في أساليب حياتها، ولجهلهم بأبسط قواعد اللغة العربية لدرجة تثير الشفقة والضحك حتى الاستلقاء على القفا، لهذا تراهم يسارعون للاستنجاد بلغة أسيادهم الفرنسيس مُطَعَّمَةً باللهجات المحلية والعامية والأساليب الركيكة، وهؤلاء هم من ألد خصوم  مبدإ التعريب، ويترافعون للدفاع عن خطاياهم وزلاتهم التي لا تغتفر تجاه الوطن ودينه وقيمه وحضارته وتاريخه بانفعال وحماس شديدين، منادين بأن الدعوة إلى التعريب دعوة إلى التخلف العلمي والجمود الفكري، معللين ذلك بقصور اللغة العربية الفصحى وصعوبة تعلمها وتعقيد قواعدها وعجز أدواتها عن التعبير، وبكونها لغة جامدة غير متطورة، وقفت مادتها وقوالب التعبير فيها عند حد لا يمكنها من مواكبة العلوم الحديثة أو الوفاء بوسائلها اللغوية.

يوم خاطب العالم بليز باسكال صديقه الملحد بمنطق حساب الاحتمالات

بليز باسكالBlaise Pascal  (1623-1662) عالم الفيزياء والرياضيات والفيلسوف والمخترع وعالم اللاهوت الفرنسي العبقري، مبتكر المثلث الرياضي المعروف ب"مثلث باسكال"، ومخترع الآلة الحاسبة، ومهذب حساب التفاضل والتكامل المعني بدراسة النهائيات والاشتقاق والتكامل والمتسلسلات اللانهائية، ومكتشف قانون تعادل الموائع المشهور عند الهيدروليكيين باسم "قانون باسكال"في تخصص ميكانيكا الموائع، والذي يثبت على أن الموائع الموجودة في الأوعية المغلقة تنقل الضغوط الواقعة عليها من جهة معينة بشكل متساو في كافة الجهات، وصاحب التجارب التي  أثبتت على أن للهواء وزنا، وأن ضغط الهواء يمكن أن ينتج فراغا، إذ كلما ارتفعنا نحو الأعلى كلما قل الضغط حتى ينعدم، وعرفانا له بتجاربه ومساهماته الفعالة في هذا الاكتشاف الأخير تم إطلاق إسم 'باسكال' Pascal على وحدة قياس الضغط.

الحرب المفتوحة على اللغة العربية الفصحى بالمغرب

"ليس بعقلية الغريبة والبريوات والبغرير سينهض التعليم المتداعي بالمغرب" ضفاف متوهجة
لم يواجه المسلمون على مدى أربعة عشر قرنا دعوات أشد خطراً على دينهم من تلك التي تستهدف في العصر الحديث  اللغة العربية، لما للغة العربية من أهمية ومكانة في الدين الإسلامي، فاللغة العربية هي لغة القرآن والحديث والفقه، ولغة كافة العلوم الشرعية واللسانية، وهي ضرورية لفهم أحكام الإسلام وتطبيقها، وقد اتخذت هذه الدعوات أشكالاً مختلفة، كان أخطرها الدعوة إلى إقصاء اللغة العربية الفصحى واستبدالها باللهجات العامية الهجينة التي تفتقد لأدنى مقومات أية لغة.

الانهيار الأخير

" لا توجد دولة يمكن أن تعيش إلى الأبد، وجميع الدول التي اختفت كانت معظمها بسبب الفساد الداخلي"
المؤرخ والكاتب الأمريكي 'روسل كيرك' (1918-1994)
حدثنا 'بينجامين دزرائيلي'  (1804-1881) أحد كبار الساسة البريطانيين عن حزب المحافظين، والذي تولى رئاسة الوزراء البريطانية من 1874 حتى 1880 فقال: "إن المجتمع يعتقد أن الحضارة هي الراحة"، أما في عصرنا هذا فيعتقد معظم الناس بأن الحضارة هي السرعة، والسرعة هي الإلاه المعبود للشباب العصري المهووس بقجاقل التكنولوجيا، والذي أصبح يضحي من أجلها عن طيب خاطر بالهدوء والراحة والسكينة والسلام الداخلي والعطف على الآخرين  من غير رحمة ولا شفقة.

أَشَدُّ البَلاَءِ مُعَادَاةُ العُقَلاَءِ وَمَسْأَلةُ البُخَلاَءِ وَتَأَمُّرُ اللُّؤَمَاءِ عَلَى الكُرَمَاءِ

* قال العالم الكاتب بزرجمهر الفارسي الوزير والصدر الأعظم لكسرى أني شروان: نصحني النصحاء، ووعظني الوعاظ، فلم يعظني أحد مثل شيمتي ولا نصحني مثل فكري؛ واستضأت بنور الشمس، وضوء النهار، فلم أستضيء بشيء أضوأ من نور قلبي؛ وكنت عبد الأحرار والعبيد فلم يملكني أحد ولا قهرني مثل هواي؛ وعاداني الأعداء فلم أرَ أعدى إلي من نفسي؛

أسلحة الدمار الشامل للفرد والأسرة والمجتمع: المخدرات والمهلوسات والخمور والدعارة

مع بزوغ فجر الألفية الثالثة أطلقت العولمة الحبل على الغارب بدون قيود ولا ضوابط لانبجاس الشهوات، واستحواذ الغرائز الجنسية على الأفراد، وشيوع أوكار المخادنات السرية، والملاهي الليلية، وحانات الخمور، ومقاهي الشيشا والأقراص المهلوسة، والأندية العارية، وصالونات الدعارة المتخفية في ثوب صالونات تصفيف الشعر والتجميل، وصالونات التدليك، والقاعات الرياضية المختلطة، والأفلام المكشوفة، ونوادي تبادل الزوجات، وظاهرة الشذوذ الجنسي، ونكاح المحارم، والسحاق، والشذوذ الجنسي، والبيدوفيليا، ومواخير الدعارة، ويدخل في ذلك قطعا أماكن الدعارة الظاهرة السالف ذكرها، والمستترة كتجارة البغاء المتدثرة بدثار السياحة والزندقة عفوا الفندقة ودور الضسارة عفوا الضيافة، وانتشار المخدرات والمهلوسات بشكل وبائي جد خطير في جميع الدول حول العالم بدون استثناء، مع الفارق بطبيعة الحال.

حكاية رحلات غوليفر لجوناثان سويفت

"المفهوم العام لكلمة سياسة  أنها ليست سوى تجمع للفساد" الكاتب الأيرلندي جوناثان سويفت
رأى الكاتب الأيرلندي الساخر جوناثان سويفت Jonathan Swift النور بالعاصمة الأيرلندية دبلن سنة 1667 وبها توفي سنة  1745  عن عمر ناهز 77 عاما، وهو إضافة لاشتهاره بكتاباته الساتيرية الغارقة في السخرية والمنتقذة لعيوب المجتمع إبان تشديد الخناق للسلطة البريطانية على الأيرلنديين المعروفين بثوريتهم وتمردهم اللذين يسريان في دمائهم، كان أيضا شاعرا وقسا، وهو الذي اقترح على السلطة البريطانية أيام تفشي المجاعة بأيرلندا أن تحث السكان المحليين على أكل أطفالهم، وألف في ذلك كتابا سنة 1729 تحت عنوان "اقتراح متواضع" يتهكم فيه على السلطة الأنكليزية الحاكمة، وكان قد ألف قبله سنة 1704 "خرافة مغطس" الذي انتقد فيه  الفرق والطوائف الدينية التي كانت تتقاتل وتتنازع فيما بينها من أجل كعكة المال والسلطة للاستمتاع بالحياة الرغدة وليس في سبيل الله كما يَدَّعون.

تسليع المرأة

"البغاء التجارة الوحيدة لجسد المرأة التي لا يصيبها كساد ولا بوار منذ الأزل رغم أنف خرافة 8 مارسضفاف متوهجة 
مسز (كارمن) فتاة أمريكية من مواليد ولاية فرجينيا، جاءت للبحث عن عمل في مدينة نيويورك، واكتشفها المليونير (هـــــ.م.هيفنر) الذي يتولى إصدار مجلة بلاي بوي، وقد دعاها للعشاء معه، ثم أخذها للرقص في إحدى حفلاته الخاصة ومنحها اسم (كارمن) بدل اسمها القديم الذي لا يستعمله أحد سوى مزارعي التبغ في فرجينيا، وعندما انتهت الحفلة ذهبت المسز (كارمن) مع المليونير إلى بيته الريفي وقضت عطلة نهاية الأسبوع  في صحبته، ثم انتهى كل شيء في اليوم التالي وعادت المسز (كارمن) إلى غرفتها الصغيرة في إحدى عربات الأجرة، واكتشفت عبر عتمة الغرفة المملة أن الحلم المبهج الذي عاشته في صحبة المليونير كان في الواقع مجرد حلم من جميع الوجوه، وأن المستر (هيفنر) المثير قد اختفى من حياتها إلى الأبد كعادته دائما مع كل فتاة تقضي معه عطلة الأسبوع، لولا أنه هذه المرة ترك وراءه هدية فظيعة تتحرك في أحشاء المسز (كارمن) التي جاءت من ولاية فرجينيا للبحث عن عمل في مدينة نيويورك.

إلى أن يحل ذلك اليوم

خرجت أبحث عن الحقيقة فتهت في منتصف الطريق، ورمت بي خطاي على غير هدى  إلى شاطئ المحيط الأطلسي، ثم جلست أتأمل في موجه الذي يكر ويفر دون توقف بمقدار، وكأن به متردد في حبه بين أفريقيا وأمريكا، وقلت مع نفسي يوم يحسم أمره سوف يعانق إحدى القارتين، وستكون دون شك بداية نهاية حكاية مضحكة، بقيت ردحا من الزمن  متأملا في الذاهبين والعائدين، الصاعدين والنازلين، المسرورين والمحزونين، المسرعين والمتثاقلين، الثرثارين والصامتين، المتبجحين والمتحفظين،  مجرد أحلام غبية وبليدة وأخرى مضحكة أو كئيبة، تتعارك وتتقاتل فيما بينها في عالم الأوهام والأحلام.

موت خروف

خرج الموظف الحكومي عبدالرحيم من منزله باكرا يوم عرفة لشراء خروف العيد وزوجته من ورائه توصيه: إياك أن يفعلوها بك الشمايت، تأكد أن يكون الكبش حاملا لرقم تسلسلي على إحدى أذنيه لضمان سلامته كما أوصى بذلك خبراء وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، بينما هو بقي يرد عليها واثقا من نفسه: لم يولد بعد الذي يمكنه أن يلعب بعبدالرحيم.
قصد عبدالرحيم أحد الشبابيك الأتوماتيكية البنكية وسحب 3500 درهم، حتى لا يقع ضحية تعطل معظمها عن العمل بمجرد ارتفاع طلبات السحب، وهذا أحد القوالب المقولبة التي تتعامل به الأبناك الربوية مع زبنائها بمكر  قصد الحفاظ على سيولتها النقدية اللازمة.