الذكرى 1286 لمعركة بلاط الشهداء

"معركة بلاط الشهداء بتاريخ 10 أكتوبر 732 م التي حالت دون زوال النصرانية من أوروبا بسبب خطإ تكتيكي قاتل ارتكبه الجيش الإسلامي، بانشغاله  بالغنائم التي أثقلت ظهره، وشغلته حتى انهزم وتقهقر، ثم ما لبث أن فر تحت جنح الظلام" 
ضفاف متوهجة
تولى عبد الرحمان بن عبدالله الغافقي إمرة الأندلس زمن الحاكم الأموي هشـــام بن عبدالملك سنة 112هـ فطاف الأقاليم ينظر في المظالم ويقتص للضعفاء ويعزل الـولاة الذين حادوا عن جادة الطريق ويستبدل بهم ولاة معروفين بالزهد والعـدل ويتأهـب للحرب، ودعا المسلمين من اليمن والشام ومصر وإفريقية لمناصرته فجاؤوا وازدحمت بهم قرطبة، وجمع الغافقي المحاربين في مدينة بنبلونة وخرج باحتفال مهيب ليعبر جبال البرانس شمال أسبانيا، واتجه شرقاً جنوب فرنسا فأخضع مدينة أرل، ثم اتجه إلى دوقية أقطانيا فانتصـر عـلى الدوق 'أودو' انتصـاراً حاسماً، وتقهقر الدوق واستنجـد ب'شــارل مارتل' حاجـب قصـر الـميروفنجيين حكام الفرنجة وصاحب الأمر والنهي في دولـة الفرنجة وكان يُكَنَّى بالمطرقة، فلبى النداء وكان قبلها لا يحفل بتحركات المسلميـن جنوب فرنسا بسبب الخلاف الذي بينه وبين دوق أقطـانيا الذي كان سببه طـمع شارل بالدوقية، وبذلك توحـدت قوى النصرانية في فرنسا.
اجتمع الفرنجة إلى شارل مارتل وقالوا له: ماهذا الخزي الباقي في الأعقاب، كنا نسمع بالعرب ونخافهم من مطلع الشمس حتى أتوا من مغربها واستولوا على بـلاد الأندلـس وعـظيم ما فيها من العدة والعـدد بجمعهم القليل وقلة عدتهم وكونهـم لا دروع لهم، فأجابهم : الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فإنهم كالسيل يحمل ما يصادفـه وهم في إقبال أمرهم ولهم نيات تغني عن حصـانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرئاسة ويستعين بعضهم علــى بعض فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر.
وأنهى 'شارل' حروبه مع السكسون والبافاريين وتنبه لفتوح المسلمين، وأما الغافقي فقد مضى في طريقه متتبعاً مجرى نهر 'الجارون' ففتح 'بردال'، واندفع شمالاً ووصل إلــى مدينة 'بواتييه'، وكانت المعركة في مدينة 'بواتييه 'جنوب فرنسـا على مسافة عشرين كيلومتراً.
كان تعداد الجيش الفرنجيّ أكثر من جيش المسلمين، فهم سيل من الجند المتدفق، ولم يكن الجيش المسلم يزيد عن سبعين ألفاً وقد يصل إلى مائة ألف، وكان  موقف الفرنجة الاستراتيجي أفضل وأجود لمعرفتهم بالموقع والقدرة علــى القتال في جو شات مطير وأرض موحلة، إضافة إلى مددهم البشري والتمويني القريب، بينما المسلمون على بعد يجاوز ألف كيلومتر عن عاصمة الأندلس، لقد كانت الغنائم التي حملها الجيش المسلم مما غنموه في المعارك السابقـة عبئا ثقيلا عليهم، وكانت سبباً مهماً في الخسارة كما سيأتي، ولو أنهم تركوها في برشلونة مثلاً لاطمأنت نفوسهـم وخلت أيديهم للعمل المقبل، ولكنهم حرصوا عليها وانقلبت عليهم ثقلاً يرهقهم ويضعـف حركتهم .
التقى الجمعان في أواخر شعبان سنة 114هـ ورابط كل منهما أمام الآخر ثمانية أيام، وكان المسلمون هم الذين بدأوا القتال، ولم يشتبك الجيشان في المعركة إلا بعد بضعة أيام ظلا خلالها يتناوشان في اشتباكات محلية، ثم اشتبكا بعد ذلك فـي قتـال عنيـف، واجتهد الفرنجة ومن معهم من الألمان والسويف والسكسون في اختراق خطوط المسلمين يومين متتاليين دون نتيجة، وقد بذلوا أقصى ما استطاعوا من جهد، وهجم مشاتهـــم وفرسانهم على المسلمين هجوماً عنيفاً بالحراب، ولكن المسلمين ثبتوا بل بدا قــرب مساء اليوم الثاني أن المسلمين أخذوا يتفوقون على عدوهم، ثم حدث بعد ذلك أن اندفعت فرقـة من فرسـان الفرنجة فاخترقت صفوف المسلمين في موضع، وأفضت إلى خلف الصفوف حيث كان المسلمون قد أودعوا غنائمهم وكانت شيئاً عظيماً جداً، ففزع الجند الإسلامي وخشي الكثيـرون من أفراده أن يستولي عليها هؤلاء الفرنجـة، فالتفت بعضهم وعادوا إلى الخلف ليبعدوا عنها الأعـداء، وهنا اضطربت صفوف المسلمين واتسعت الثغرة التي نفـذ منها الفرنجة فاندفعوا فيها في عنف وقوة زلزلت نظام القوات الإسلامية، وحاول عبد الرحمن الغافقي أن يُثبت جنوده ويُعيد نظامه أو يُصرفه عن الهلع على الغنائم فلم يوفق، وأصابه سهم أودى بحياته، وصبر المسلمون حتى أقبل الليل فانتهـزوا فرصة الظـلام وتسللوا متراجعين إلى الجنوب على عجل وكل ذلك أوائل شهر رمضان سنة 114هـ.
وحينما أسفر الصبح نهض الفرنجة فلم يجدوا من المسلمين أحداً فتقدموا على حذر من مضارب المسلمين فإذا هي خالية منهم، وقد فاضـت بالغنائم والأسلاب والخيرات فظنوا أن في الأمر خدعة، وتريثـوا قبل أن يجتاحوا المعسكر وينتهبوا مافيه ولم يفكر أحد منهم في تتبع المسلمين، إما لأنهم خافوا أن يكون المسلمون قد نصبوا لهم بهذا الانسحاب شركاً، أو لأن 'شارل مارتل' تبين ما نزل بالمسلمين من هزيمة فرأى أنه يستطيع العودة إلى الشمال مطمئناً بعدما انصرفوا عنه وعن بلاده، واندفع المسلمون في تراجعهم نحو الجنوب مسرعين واتجهت جموعهم نحو 'أربونة'، وحينما أحسوا أن أحداً من النصارى لا يتتبعهم تمهلوا في سيرهم ليستجمعوا صفوفهم من جديد.
وهكذا انتهت معركة بلاط الشهداء، ولو انتصر فيها المسلمون لتخلصت أوروبا من ظلماتها وجهالتها واستبدادها وحطمت الاستغلال والاضطهاد، ولذا قال جيبون : "لو انتصر العرب في معركة 'تور-بواتييه'  (معركة بلاط الشهداء) لَتُلِيَ القرآن وفُسِّر في أكسفورد وكمبردج"، وما إن وصل الخبر إلى الحاكم الأموي حتى أمر والي إفريقية بإرسال مدد بقيادة عبد الملك بن قطن الفهر  وأمره  بغزو فرنسا، وتوجه عبد الملك إلى نواحي شمال الأندلس وحصن المعاقل التي بأيدي المسلمين، وبقي أهالي جنوب فرنسا يكرهون الفرنجة رغم انتصارهم على المسلمين، وتحالفَ بعض أمراء جنوب فرنسا مع المسلمين ضد الفرنجة وذلك كرهاً للهمجية البربرية في 'شارل مارتل' وجيشه، ولكن بلاط الشهداء كانت آخر محاولة جدية قام بها المسلمون لغزو بلاد الفرنجة.
ولو انتصر المسلمون في هذه المعركة لدخلوا أوروبا فاتحين منظمين، يريدون إدخالها في رحاب دولتهم وتحويلها إلى الإسلام، ولو استقر لهم الأمر في فرنسا لاتجه نظرهم إلى ما وراءها، ومن هنا كانت الأهمية الكبرى لمعركة بلاط الشهداء في تاريخ النصرانية لأنها حالت بينهـا وبيـن الزوال .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق