الاكتئاب: الوباء العالمي الخطير الذي يدفع بالعالم نحو الهاوية

"وسائل الإعلام والترفيه الحكومية في كل دول العالم اليوم-خاصة منها الدول المتخلفة-تخدر وتضبع الناس، وتعاملهم معاملة القردة والنسانيس، لتصنع لهم واقعا خياليا ورديا مزورا مبنيا على اللهو والامتلاك والاستهلاك، بعيدا عن واقهم الجهنمي الأرضي الـمُزْرِي، حتى لا يثوروا على الظلم والتعسف والاستبداد والحكَرة وعدم المساواة" ضفاف متوهجة

يعتبر الاكتئاب أو الاضطراب الاكتئابي واحدا من الأمراض العقلية الأكثر شيوعا في العالم اليوم، وتتجلى أعراضه في الشعور المستمر بالحزن والضيق، فقدان الطاقة واضطرابات في الشهية، اضطرابات في النوم، مشاكل في التركيز وفي اتخاذ القرارات، عدم القدرة على أداء المهام الحياتية اليومية، شعور بالإحباط واليأس التام في الحياة والأحياء، وفقدان الرغبة في العيش في المراحل القصوى من المرض، والتي قد تؤدي بصاحبها إلى الإقدام على الانتحار في آخر المطاف كحل نهائي تدميري لمعضلة الوجود.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب من أكثر الأمراض النفسيىة انتشارا في العالم، وهو السبب الرئيسي للعجز والإعاقة في جميع أنحاء المعمور، والمساهم الأساسي في العبء العالمي الكلي للمرض.
والحقيقة المزعجة التي لا ينتطح فيها عنزان هي أن عدد المكتئبين حول العالم ما فتئ يزداد باطراد منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وقد دقت مؤخرا منظمة الصحة العالمية  ناقوس الخطر بشأن التزايد المقلق لانتشار مرض الاكتئاب بنسبة تفوق 18 % خلال عشر سنوات فقط ما بين 2005 و 2015.
فعند بداية هذا القرن الذي لم يكن عدد سكان الكوكب يفوق 1.70 مليار نسمة لم يتجاوز عدد المكتئبين 1%  من مجموع سكان العالم آنذاك، ويقدر عدد مرضى الاضطراب الاكتئابي حول العالم حسب منظمة الصحة العالمية والمتخصصين في هذا الميدان ما بين ب 350 و 400 مليون شخص،  وكل سنة يفقد حياتهم ما يقارب 800 ألف مريض بهذا الداء من جراء إقدامهم على الانتحار الذي يمثل ثاني سبب رئيسي للوفيات بين الفئة العمرية 15-29 عاماً.
فواحد من كل عشرة أمريكيين مصاب بالاكتئاب، خاصة منهم العاطلون عن العمل والنساء المطلقات، وتزيد نسبة الاكئتاب لدى النساء عن الرجال، والخطير في الأمر أن أكثر من 80 % من الأشخاص الذين لديهم أعراض كلينيكية لمرض الاكتئاب لا يحصلون على أي علاج.
و في اليابان التي يُضرب بها المثل في التقدم التكنولوجي العالي والرفاه المادي،  فإن ما لايقل عن مليون شخص يعانون من الاضطراب الاكتئابي، ويصل فيها الانتحار إلى مستويات قياسية تصل إلى 30 ألف شخص سنويا، ويرجع الكثير من الأخصائيين هذه المعضلة إلى إرهاق العمل المستمر طوال السنة بدون توقف وعدم الخلود إلى الاستجمام والراحة، والجري وراء المال بالليل والنهار، دون إعطاء أي فرصة للجسد ليتأمل ويرتاح من تكاليف الحياة.
وحتى في الدول العربية التي كانت في منأى عن هذا المرض الخطير حتى سبعينيات القرن الماضي، أصبحت في الوقت الراهن تتصدر قائمة الدول المتربعة على عرش الاكتئاب عالميا بدون منازع، فحسب دراسة قام بها باحثون في جامعة كوينزلاند في أستراليا سنة 2013، والتي نُشرت في مجلة 'PLOS Medicine' كما جاء في جريدة الواشنطن بوست  الأمريكية، فإن أكثر من 5 % من سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين هم في غالبيتهم من العرب والمسلمين يعانون من الاكتئاب، وتفوق هذه النسبة حسب نفس الدراسة 7 % في كل من تونس، الجزائر، ليبيا، السودان، اليمن، فلسطين وسوريا، ويعتبر أفغانستان البلد الأكثر اكتئابا بحيث تتجاوز نسبة من يعانون من هذا الاضطراب النفسي نسبة 20 %.
 وأظن شخصيا أن المرء لا يحتاج إلى دراسة لتقييم هذه الظاهرة، بل تكفيه المعايشة اليومية وما يصدر في الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية من جرائم وجُنح كي يدرك أن نسبة الاكتئاب بالعالم العربي والإسلامي تفوق بكثير الأرقام السالفة الذكر، وذلك بالوقوف عند المستويات الخطيرة للعنف والإحباط في الشارع العام، بل حتى في المدارس والمعاهد والكليات والجامعات، وداخل البيوت بين أفراد الأسرة الواحدة، وارتفاع حالات الانتحار لفقدان الرغبة في الحياة بشكل صاروخي في العالم العربي بشكل عام.
وترجع أسباب ارتفاع نسبة الاكتئاب في العالم العربي إلى عدة أسباب منها تفاقم تردي الأوضاع الاجتماعية خاصة بعد خرافات الخريف العربي الذي دمر تدميرا خطيرا لم يسبق له نظير معظم الأواصر الدينية والاجتماعية بين الناس، ارتفاع نسبة البطالة، عدم الاستقرار وفقدان الأمن والأمان، تفشي الفساد بشكل وبائي بين السياسيين والنخب المثقفة والأحزاب والنقابات والجمعيات، الفقر المدقع والهشاشة، تزايد الفوارق الاجتماعية بشكل صارخ بين الأغنياء والفقراء، القتل السريري المتعمد للطبقة الوسطى التي كانت بثمابة صمام أمان وجسر للتواصل بين الطبقات، الازدياد السريع للطابع الحضري الذي تشوبه في الكثير من الأحيان أخطاء فادحة ومدمرة، وتتخلله مخالفات عشوائية خارج نطاق الضوابط القانونية العمرانية، انتشار المسكرات والمخدرات والمهلوسات على نطاق واسع أصبح خارجا عن سيطرة الدول بما في ذلك أجهزتها الاستخبارايتة والبوليسية، ارتفاع العنف الاجتماعي لمستويات جد خطيرة، انتشار الدعارة والفساد الأخلاقي والقيمي وتبخيس قيمة الفرد، التمرد على القيم المجتمعية لدى فئة كبيرة من الشباب الضائع الهائم على وجهه، ارتفاع نسبة العنوسة لمستويات غير مسبوقة في تاريخ الدول العربية والإسلامية خاصة لدى النساء، مما أدى بالكثير منهن إلى السقوط في غياهب الرذيلة والانحراف، تقطع أواصر المجتمعات العربية التي هي في أصلها تقليدية ومحافظة بفعل العولمة والانفتاح بدون كوابح ولا حدود على القيم المسيحويهودية الـمُسْتَوْرَدَةِ، والتي أحدثت انفصاما خطيرا في النفسية العربية والمسلمة على العموم، وأخيرا سريان اليأس بسرعة إلى نفوس الناس خاصة منهم الشباب الذين أضحوا عاجزين على التعامل مع الأوضاع الطارئة بعقلانية وبرغماتية وصبر وثبات وطول نفس، وهو ما جعلهم يتصدرون لائحة المكتئبين بدون منازع.
ولم تسلم أي بقعة من العالم اليوم من وجود حالات من الاكتئاب، إنه شر مستطير في كل مكان، وكل إنسان معرض أن يُصاب بهذا المرض الخطير الذي يسري في جسد العالم المعتل المنهوك القوى بسرعة فائقة، فالاكتئاب كما قد يتصور البعض ليس حالات عرضية عابرة من القلق والحزن التي قد تُصيب المرء العادي بين الفينة والأخرى في الحياة اليومية، بل هو مرض اضطراب عقلي جد خطير، وليس حالة مزاجية عابرة.
تصوروا معي لو وصلت نسبة الاكتئاب إلى 50 % من سكان العالم كيف ستبدو الأمور!!! سوف يكون ذلك واقعا مرعبا كما تحكي أفلام 'الزومبي' 'Zombie' للخيال العلمي، الحاصل االله يحفظ وصافي، والله يتم ما بقي على خير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق