لغة الموسيقى والعيون في أفلام سيرجيو ليوني

"لقد شعرت دائماً أن الموسيقى أكثر تعبيرًا من الحوار، وقلت دائما أن إينيو موريكوني هو أفضل كاتب حوار وسيناريو"
                                                                                                                سيرجيو ليوني
من الممكن وضع بورتريه تقريبي لشخصية سيرجيو ليوني من خلال قناعاته التي كان يعبر عنها دائما بصوت مرتفع حتى وإن خالفه الجميع، فهو يعتبر أنه إذا كان المرء في هذه الحياة  يعمل من أجل العيش، فلماذا يقتل نفسه في العمل، ويقول أيضا أنه عندما كان يذهب إلى السينما غالباً ما كان يشعر بالإحباط لأنه يستطيع تخمين ما سيحدث بالضبط بعد عشر دقائق من بداية العرض، لذلك عندما كان يعمل على موضوع  يظل يُضني نفسه ويكد ويبحث عن عنصر المفاجأة، أما عن موسيقى صديقه العبقري إينيو موريكوني فيعترف هذا المخرج الكبير بكل تواضع أنه عندما ينجح في التعبير عن شيء ما بالعيون والموسيقى، بدلاً من التعبير عن ذلك بكلمات أو جعل الشخص يتكلم، فإنه يعتقد أن ذلك عملا أكثر اكتمالاً وإبداعا، ويُرجِعُ الفضل في ذلك إلى إينيو موريكوني الذي يعتبره أفضل كاتب حوار وسيناريو، وفيما يتعلق بالأصالة فيقول سيرجيو ليوني أنه من الصعب على المرء أن يكون أصيلا، ومن الصعب صنع فيلم يريد أن يقول شيئًا، لأنه للأسف قد قيل كل شيء، وإذا كان هناك مؤلف أثر فيه كثيرا، فهناك شخص واحد فقط وهو تشارلي تشابلن، الذي لم يفز ولو بجائزة أوسكار واحدة.
في المدن المغبرة التي تظهر في الصحراء، حيث ينتشر العنف البارد الذي لا يعرف الرحمة والشفقة، في عالم لا يُضرب  فيه أي حساب للتعايش والسلام والقيم والأخلاق،  ولا يخضع فيه  القانون خضوعا مذلا إلا للأقوى، الذي في جميع الأحوال من اللازم الاحتراس من الاستخفاف به، لأنه بكل بساطة يُطلق النار أسرع من ظله، فيُردي المرء ثم يطرح  بعد ذلك عليه الأسئلة، فالمرء كما يرى ليوني عندما يريد أن يطلق النار يجب عليه أن لا يبدأ بحكي قصة حياته، ولا ثقة في شخص يحمل مسدسا ويشك حتى في سرواله الداخلي، والعالم ينقسم إلى فئتين: فئة تدخل من الباب فتلقى مباشرة حتفها، وفئة تدخل من النافذة وتستمر في الحياة إلى أرذل العمر، كما ينقسم  أيضا إلى فئتين: الأقوياء الذين بيدهم أسلحة معبأة والمستضعفون الذين يحفرون في خدمتهم.
معظم أفلام ليوني تبتدأ بفارس أو غرينغو حسب المصطلح الإيطالي يظهر في الأفق البعيد ممطيا صهوة جواده، وهيأته تتماوج مع السراب في شمس الصحراء الحارقة، ثم يقترب شيئا فشيئا حتى يملأ وجهه البرونزي المتصبب عرقا وعيونه بنظراتها الباردة المتصلبة عرض الشاشة، شخص قليل الكلام، عبارة عن علبة مغلقة من الأسرار، شخص بدون ماض ولا مستقبل، مستعص عن التحليل النفسي وعلماء النفس، لأنه لا يتكلم، ولا يعبر عما يجيش بخاطره، عيونه تحملق في الوجوه ثم تنظر في الأفق البعيد، يربط لجام حصانه بالقرب من حانة ثم يلج ليروي عطشه، يتساءل زبناء الحانة عمن يكون هذا الغريب القوي البنية، المتصلب النظرة، الكثوم الذي لا يتكلم إلا ناذرا، يحاول بعض المتطفلين استفزازه لمعرفة ردة فعله، لكنه يكثم غيضه ويغادر المكان لأن وقت المواجهة لم يحن بعد، وعندما يحين هذا الوقت بالضبط يقف المتبارزان في النهاية وجها لوجه ليعلنا بصوت عال للعالم أجمع أن التاريخ البشري لا يكتبه سوى المنتصرون، وأن القوانين يضعها الأقوياء ولا يخضعون لها، وتُفرض على المستضعفين وحدهم دون غيرهم، هذه بخلاصة فلسفة أفلام سيرجيو ليوني.
قبل ظهور سيرجيو ليوني كانت أفلام الويسترن الأمريكية تعتمد على استخدام زوايا واسعة لإبراز المناظر الطبيعية الخلابة العذراء للغرب المتوحش، وفي خضم هذا التأطير لهذه المشاهد، كانت الشخصيات الرئيسية تتوارى إلى الخلف، فجاء سيرجيو ليوني وقلب المعادلة رأسا على عقب، بحيث أصبح يؤطر المنظر الطبيعي بزاوية واسعة وينتقل به بطريقة جد ذكية إلى سحنات الوجوه وقسماتها المتصببة عرقا كي يملأ بها إطار الشاشة بأكمله، وكيف يمكن نسيان المشهد الأخير للمواجهة في المقبرة في فيلم 'الطيب الشرير والقبيح'، وكيف يمكن أيضا نسيان المشهد الأخير في فيلم 'حدث مرة في الغرب' للتكبير إلى أقصى حد لوجه الممثل المقتدر 'شارل برونسون' لدرجة ظهور جميع تضاريس وجهه حتى خطوط حدقتي عينيه، وكأن بسيرجيو ليوني يقول لنا عن طريق الصورة المتحركة بأن "العيون هي مرآة الروح".
لقد علمنا سيرجيو ليوني من خلال أفلامه بأن وجوه البشر هي أيضا بمثابة مناظر طبيعية فريدة من نوعها، ولكل وجه بصمته وحروفه وتضاريسه وأسراره الخاصة والمتميزة، حيث تبدو التجاعيد مثل الأخاديد، تشهد عليها عينان حادتان بنظرات باردة متصلبة، وقطرات من العرق تبلل الجبين وتتصبب على الخدود التي حفرت فيها تجارب الحياة أخاديدها، والذقون الرجولية البارزة التي تؤطرها سيجارة كوبية.
فكل أفلام سيرجيو ليوني تضع أشخاصه في المقدمة، لأن هؤلاء الأشخاص الانفراديين بالنسبة له هم محرك الأفعال وردة الأفعال، فهم لا يبحثون على تأسيس بيت أو وطن أو إلقاء خطب على الجماهير لا تسمن ولا تغني من جوع ، لذلك غالبا ما كانوا دائما جد كثومين صموتين وحيدين لا يثقون بأحد، وكان كل همهم منصب على الإفلات بجلودهم من موت محقق يتربص بهم في كل وقت وحين.
لم يكتف سيرجيو ليوني بكل ما سبق، بل أضاف إلى أفلامه موسيقى صديقه المايسترو إينيو موريكوني التي أضفت على المشاهد الطبيعية الخلابة وركض الخيول والمبارزات بالمسدسات نكهة خاصة جد متميزة عن باقي أفلام الويسترن، لقد كان ليوني يعتبر بأن الموسيقى هي روح شخصياته، وكثيرا ما كانت موسيقى صديقه إينيو موريكوني تُتِمُّ الحوار مما يريد أن يوصله للجمهور، لتملأ أماكن فراغ ذلك الحوار بدون أن ينبس شخص واحد من شخصيات سيرجيو ليوني ببنت شفة، يكفي أن تؤطر الكاميرا العيون وقسمات الوجوه لممثلين يتقنون أدوارهم بطريقة مدهشة، مع اختيار مقاطع موسيقية مؤلفة من طرف ملحن كبير من طينة إينيو مريكوني لتكتمل الصورة، ولعل هذه أهم ميزة في أفلام هذا المخرج العبقري.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق