الطغرائي الذي كان يدرك أن لا بقاء بدار لا ثبات لها

تعتبر قصيدة لامية العجم للطغرائي الطبيب والعالم والشاعر واللغوي والكاتب- العربي الأصل الإيراني المولد (1063-1120م)- إحدى روائع الشعر العربي، وهي في حقيقة الأمر نـدب للـشاعر على حظـه العاثر ومعاناته، والظروف القاسية التي مرَّ بها فـي آخـر سنوات عمره، والدسائس والمؤامرات التـي حيكت ضده، وأفلـح مـدبروها فـي إعـدام طمـوح رجل كان يمنّي نفـسه بـأن يجـد مـن الاحتـرام والتقـدير والمكانة والسمعة التي يـستحقها، ولقد استطاع الطغرائي بأسلوبه الجميل والراقي أن يدرج في ثنايا هذه القصيدة الرائعة الخالدة زفراتـه وحسراته التي يفوح منها قدر عظيم من الحِكَمِ والدروسِ والعبرِ.
ولا يمكن في خضم الحديث عن هذا الشاعر الكيميائي الكبير، إغفال أنه كان واحدًا من أبرز الكتاب في عهد الدولة السلجوقية (1037-1194م) حتى لُقِّبَ بألقاب عميد الدولة، والأسـتاذ، ومؤيد الدين، والمنشئ، وفخـر الآداب، وقد ظلّ في خدمة سـلاطين السلاجقة  إلـى أن تمـت ترقيتـه إلـى درجـة الـوزير فـي عهـد السلطان مسعود، غير أن الصراع العنيف الذي نشب -وكان دائما ينشب منذ فجر التاريخ وسيظل كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها حول الثالوث المقدس السلطة والجنس والمال- بين السلطان مـسعود وأخيــه الــسلطان محمــود، والــذي انتهــى بانتــصار الثــاني، أدى إلى القــبض علــى الطغرائي ليُحْكَمَ عليه بعقوبة الإعدام في نهاية الأمر، وقد اخترت من هذه القصيدة الشهيرة الرائعة والمترجمة إلى الفرنسية والإنجليزية الأبيات التالية:
أَصَــــالَةُ الـــــرَّأْيِ صَانَــتْـــنِي عَـــنِ الـخَـــطَــــــــــلِ            وَحِلْـــيَــــةُ الفَــــضْلِ زَانَتْنِي لَـــــدَى العَـــطَــــــــــلِ
فِيــــمَ الِإقَـــامَـــــةُ  بِالــــــزَّوْرَاءِ لاَ سَـــــــكَنِـــــــــــــــي            بـِهَا وَلاَ نَـــــــاقَـــــــــتِي فِيهَا وَلاَ جَـمَلِــــــــــــــــــــــــــــي
نَاءٍ عَنِ الأَهْــــلِ صِـــفْــــرُ الكَـــــــفِّ مُنْفَــــرِدٌ            كَالسَّيْفِ عُــــرِّيَ مَـــتْـــنَــــــاهُ مِنَ الـخَـلَــــــــــــــــــلِ
فَلاَ صَــــــدِيــــــقَ إِلَيْهِ مُـــــشْــتَـــــــكَى حَـــــــــــــــــــزَنِي           وَلاَ أَنِـــــيـــــسَ إِلَـــــيْهِ مُــــــنْــــتَـــــــــهَى جَـــــــــــــــــــــــذَلِي 
أُرِيدُ بَسْطَةَ كَــــفٍّ أَسْـــــــتَعِـــــــينُ بِـهَــــــــــــــــــــــــــا            عَلَى قَضَاءِ حُـــقُـــــــوقٍ لِلْــــعُـــــــلاَ قِبَلـِــــــــــــــــــــــــي
وَالـــــدَّهْــــــرُ يَعْكِــــــــسُ آمَـــــــالِي وَيُــــقْنِـــــعُـــــــــــنِي           مِنَ الـــــــــــــــــغَــــنِيمَةِ بَعْدَ الـــــكَــــــدِّ بِالـــــقَـــــفَــــــــلِ
إِنَّ العُـــــــــــلاَ حَــــــــدَّثَتْنِي وَهْيَ صَادِقَـــــــــــــــــــــةٌ            فِيمَا تُـحَدِّثُ أَنَّ الـــعِـــــــــــزَّ فِي النُقَـــــــــــــــــــــــــــــلِ
لَوْ كَانَ فِي شَـــــــــرَفِ الـمَأْوَى بُلُوغُ مُـــنَيَّ            لـَمْ تَـــــبْــــرَحِ الشَّمْسُ يَوْماً دَارَةَ الـحَـــــمَـــــــــلِ
أُعَلِّلُ النَّــــــــفْــــــــــسَ بِالآمَــــالِ أَرْقُبُهَـــــــــــــــــــــــــــا            مَا أَضْــيَــــقَ العَــيْــشَ لَوْلاَ فُسْـــحَةُ الأَمَــــــــــــــلِ
لَـمْ أَرْتَـــــــــــــضِ الــــــــــعَــــــــيْشَ وَالأَيَّامُ مُقْبِلَـــــــةٌ            فَكَيْفَ أَرْضَى وَقَـــدْ وَلَّــــــتْ عَلَى عَجـَــــــــلِ
غَالـَى بِـنَـــــفْـسِيَ عِــــــــــــرْفَــــانِي بِــــقِيمَــــتِــــــــــهَـــا            فَصُــنْـــتُـــهَا عَنْ رَخِيــــــصِ القَـــــــــدْرِ مُـــبْــــتَـــذَلِ
مَا كُنْتُ أُوثِــــــــرُ أَنْ يـَـــــمْــــتَـــــدَّ بِي زَمَـــــــــنِي            حَتَّى أَرَى دَوْلَــــــــةَ الأَوْغَــــــــــــــــــــادِ وَالسَّـــفَـــــــــــلِ
تَقَــــــدَّمَـــتْــــــنِي أُنَــاسٌ كَانَ شَوْطُهُـــــــــــــــــــــــــــمُ            وَرَاءَ خَـــطْــــــوِي لَوْ أَمْــــــــــشِـــي عَلَى مَـــهَــــــــــلِ
هَـــــــذَا جَــــــــزَاءُ امْــــــرِئٍ أَقْــــــــرَانُــــهُ دَرَجُــــــــــــوا            مِنْ قَبْلِـــهِ فَـــــــتَــــــمَــــنَّى فُــسْـــــــحَـــــــــــــةَ الأَجَــــــــــلِ
وَإِنْ عَـــــــــــــــــلاَنِي مَنْ دُونِي فَــــــــلاَ عَجَـبٌ            لِي أُسْوَةٌ بِانْـحِــــطَـــاطِ الشَّمْسِ عَنْ زُحــــــلِ
فَاصْبِـــــرْ لَـهَا غَـــيْرَ مُــــحْتَالٍ وَلاَ ضَـــجِـــــــٍر           فِي حَــــــــادِثِ الــــــدَّهْرِ مَا يُغْنِي عَنِ الـحِيـَــــلِ
أَعْـــــدَى عَـــدُوَّكَ أَدْنَى مَنْ وَثِــــــقْتَ بِـــــــــهِ            فَحَـــــــاذِرِ النَّــــــاسَ وَاصْــــحَــبْهُمْ عَلَى دَخَــلِ
وَإنـِّمَا رَجُلُ الــــــــدُّنْيَا وَوَاحِدُهَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا            مَنْ لاَ يُعَـــــوِّلُ فِي الـــــــــدُّنْــــــــيَـــا عَلَى رَجُـــــــــــــلِ
وَحُسْـــــنُ ظَـــنِّــــــــــكَ بِالأَيَّامِ مَــــــعْـــــجَــــــــــــزَةٌ            فَــظُــــــــــنَّ شَــــــــــــــرّاً وَكُــــنْ مـــِنْهَا عَلَى وَجَــــــــــــــلِ
غَاضَ الوَفَاءُ وَفَاضَ الغَدْرُ وَانْفَـــرَجَتْ            مَسَـــــافَةُ الـخُـــلْــــفِ بَيْنَ الـــقَــــــــوْلِ وَالعَــــــمَــــلِ
وَشَانَ صِـــدْقَكَ عِــنْــدَ النَّاسِ كِــذْبـــُهُمُ            وَهَــــــــلْ يُـــطَــــــــــــابِــــــــقُ مُــــــــــــعْـــــوَجٌّ بـِمُـــعْــــتَـــــــــــدِلِ
إِنْ كَانَ يَنْـــــجُــــعُ شَــــيْءٌ فِي ثَبَاتِـــــــهِـــــمُ            عَلَى الـــــعُــــــهُـــودِ فَــــسَــبَــــقُ السَّـــيْــفِ لِلْعَـــــذَلِ
يَا وَارِداً سُـــؤْرَ عَــــــــــــيْــــشٍ كُـــلُّهُ كَـــــــــــــدَرٌ            أَنْـــفَــــقْـــــــــتَ صَـــــــفْوَكَ فِي أَيَّامِــــــــــــــــــكَ الأُوَّلِ
فِيـــمَ اقْتِحَــــــــــامُكَ لُــــجَّ البَحْــــــــــِر تَـــْركَـبُـــهُ            وَأَنْتَ يَـــكْــــفِيـــكَ مِـــنْـــهُ مَــــــــصَّةَ الــــــــوَشَــــــــــلِ
مُــلْـــكُ القَـــــنَاعَــــةِ لاَ يُـــخْــــشَى عَلَيْهِ وَلاَ            يُـــــحْــــتَاجُ فِيهِ إِلىَ الأَنْـــــصَـــــــــارِ وَالـخَـــــــــــــــوَلِ
تَــــرْجُــــو البَقَــــــاءَ بِـــــــدَارٍ لاَ ثَـــــبَــــاتَ لـَهَا            فَــهَلْ سَــــمِعْـــــتَ بِـــــظِــــــلٍّ غَـــيْـــرَ مُـــــنْـــــتَـــــــقِــــلِ
وَيَا خَــــبِــــيراً عَلَى الأَسْــــــــــــرَارِ مُطَّـــــلِــــــعاً             أُصْمُتْ فَفِي الصَّمْتِ مَنْجَـــاةٌ مِنَ الزَّلَـــــلِ
قَدْ رَشَّـــــحُوكَ لِأَمْـــــــــــــــرٍ إِنْ فَــــطِـــنْتَ لَهُ            فَارْبَأْ بِنَفْسِــــــــــــــــكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الـهَــــمَــــــــلِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق