التفاوت الطبقي المجحف خراب الأمم

"أَيُّ صَرْحٍ قَائِمٍ عَلَى عَدَمِ الـمُسَاوَاةِ والصِّراَعِ والاِسْتِغْلاَلِ مَصِيرُهُ الـحَتْمِيُّ الاِنـْهِيَارُ" الكاتب الأوغندي موسى ايسيغاوا
9
جل القلاقل والأزمات الاقتصادية في عالم اليوم يرجع سببها إلى النظام الرأسمالي المتوحش، الذي  يشجع الاكتناز والربا والاحتكار، ويوفر المناخ الملائم والتربة الخصبة لنمو التفاوت الطبقي المجحف والامتياز الاجتماعي الجائر، والنظام الرأسمالي المتوحش لا يهمه أصلا لا التوازن الاقتصادي ولا العدالة الاجتماعية ولا العدالة المجالية، لذلك تسود الاضطرابات بشكل دائم ومستمر، وتنتشر الجرائم، ويتكاثر الانحراف بكل أشكاله وألوانه، ويعم الفقر والقهر والحرمان،  وتتسع يوما بعد يوم رقعة السخط والتدمر وسط قطاعات واسعة من المجتمع حتى ينفجر الدمل، في حين تعيش أقلية قليلة من الطفيليات الانتهازية التي تحتكر السلطة والثروة في مستوى سريالي ولا معقول من الترف والرفاه والبذخ.
إن التفاوت الطبقي هو تحصيل حاصل في أي مجتمع من المجتمعات الحديثة، وصراع الطبقات عند المؤرخين الليبراليين الفرنسيين وعند كارل ماركس هو بمثابة المحرك الرئيسي للتغيرات الاجتماعية في التاريخ الحديث، وكل طبقة تقاوم وتناضل من أجل الحفاظ على وضعها الاجتماعي والاقتصادي، غير أن هذا التفاوت الطبقي يصبح جائرا  عنما يتم طحن إحدى الطبقات، إما الطبقة العليا أو والمتوسطة أو الدنيا، وغالبا ما يتم طحن الطبقة المتوسطة، حينذاك يختل توازن المجتمع وتتفكك أواصره، وتحدث به اضطرابات خطيرة وأزمات اجتماعية خانقة.
 لقد أضحى التفاوت الطبقي الجاتر اليوم ظاهرة تكاد تعم جميع دول العالم دون استثناء، مع وجود الفارق بين الدول المتقدمة التي تحاول تجميل وجهها القبيح بكل مساحيق الدنيا، والدول المتخلفة التي يبلغ فيها هذا التفاوت درجات مهولة ولا إنسانية بكل المقاييس، وما انفكت العلاقة الجدلية للصراع بين تكريس هيمنة الأغنياء واستخلاص حقوق الفقراء تتوسع دائرتها يوماً بعد يوم، وحتى ما يسمى في العصر الحديث بالنظام الديمقرطي لم يعمل في حقيقة الأمر إلا على تكريس هذا الوضع واستدامته بطرق ماكرة واحتيالية سُطِّرت بنودها في ما يسمى بالدساتير التي هي بمثابة القانون الأسمى لكل بلد، هذه الدساتير التي يصوت عليها بنعم أغلبية الشعوب من المغفلين من الفقراء بسذاجة لا مثيل لها لأجل حماية مصالح الأغنياء والمترفين، ولا يتساءلون ولو مرة لماذا يصوتون ضد مصالحهم ، ويصوتون لصالح سياسة تفيد أولئك الذين هم بالفعل أغنياء؟ 
إذ كيف يمكن تفسير بأن ثلاثة ملايير شخص يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، في حين أن حفنة من اللصوص من أصحاب الامتيازات والثروات من مصاصي دماء الضعفاء والمقهورين يستحوذون على ما يوازي الناتج المحلي الإجمالي لمجموع الدول الفقيرة على المستوى العالمي، وكيف يمكن تفسير أن ثمانية مليارديرات يستحوذون على ثروة توازي ما يكافح ويعرق ويتقاتل من أجله 3.80 مليار إنسان من سكان هذا الكوكب.
لقد أضحى العالم اليوم فوق فوهة بركان، تعاني معظم مجتمعاته اضطرابات في نظمه وأوضاعه، ويعاني قلقا خطيرا لا اطمئنان فيه على نظام للحكم أو نظام للحياة، حتى في البلدان التي تظن أنها ديمقراطية وأنظمتها ثابتة، وأنها تملك من القوى المادية ما تدافع به عن هذه الأنظمة.
فالوقائع والأحداث التاريخية تؤكد أن الأنظمة الحاكمة لا تحميها ترسانة الأسلحة الفتاكة المتطورة، وأجهزة البوليس والجيوش والمخابرات، بل تحميها وتُديم صيرورتها المجتمعات التي تحكمها، وأن هذه الأنظمة لن يكتب لها أن تستمر في حالة عدم تلبية حاجات الناس الطبيعية في  المجتمع، وعندما يُفْتَقَدُ هذا السند، فإن قوة الحديد والنار من المحال أن تُكتب لها الاستمرارية والحياة على الأمدين المتوسط والبعيد، وفي التاريخ ذكرى لأولي الألباب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق