أفول دولة الرجال وميلاد دولة القرود

"لاَ تـَجْعَلْ ثِيَابَكَ أَغْلَى شَيْءٍ فِيكَ حَتَّى لاَ تـَجِدَ نَفْسَكَ يَوْماً أَرْخَصَ مِـمَّا تَرْتَدِي" جبران خليل جبران
فقدت الطبيعة البكر بكارتها، وفقدت الغابة العذراء عذريتها، وتلوثت الأنهار بالمخلفات الكيماوية، وتلوثت البحار بالمخلفات الذرية والمخلفات البلاستيكية، وتلوث الهواء بدخان عوادم المركبات وأطنان الغبار السام الذي تنفته المصانع، وازدحمت الناس، واختنقت الشوارع بالمارة، وضاقت العمارات بسكانها، وأصبحت كعلب فسد هواؤها، وأضحى التنفس ثقيلا مرهقا، وكأن الإنسان ينتزع الهواءَ انتزاعاً من عالمٍ بلا هواءٍ.
لم نعد نعرف تلك النسمات المنعشة الطليقة التي عرفها أجدادنا في أيام العصور الزراعية المتخلفة، لقد جاءنا التقدم واستحدث معه صناعات أفسدت البيئة بما نفثت فيها من أدخنة الكبريت وأكاسيد الآزوت والكربون، ثم تقدمنا أكثر وفجرنا الذرة، ولوثنا الماء والهواء والبحر والتربة بالغبار الذري.
وتقدمنا أكثر بما اكتشفنا من وسائل لإبادة الحشرات الضارة، وفرحنا لأننا سوف نستأثر بثمرات الأرض لوحدنا دون أن تنافسنا فيها الديدان والهوام، فكانت نتيجة ذلك الرش المستمر بالمبيدات أن ماتت الحشرات (الضارة) وماتت معها الحشرات النافعة، ومات النحل في خلاياه، وخرج العسل ملوثا، كما مرضت البهائم التي تتغذى على المزروعات وأصبح لبنها ملوثا ولحمها ملوثا، كما مرضت الأسماك في الماء والطيور في الجو، ومرض الإنسان بما افترس من لحوم هذه الطيور والحيوانات، وظهر ال دي.دي.تي DDT في لبن الأم المرضع، وتوزع الموت على الكل، وأصبح كل شيء ملوثا.
وأصبح إنسان هذا العصر إنسانا شاحبا لاهث الأنفاس، هضيم الوجه، يشكو الكبد والبلغم والربو والحساسية والمصران، ويخطو إلى الشيخوخة وهو ما زال في الأربعين، وتحولت المدن إلى مرائب كبرى للسيارات والعربات، لها رائحة كريهة هي خليط من رائحة العوادم والبنزين والسولار، وهي مخلفات تسرع كلها بالرئتين إلى السرطان، وحرص الإنسان على تهديم ما تبقى من صحته، فأصبح لا يفارق السيجارة، يرضع منها السم بنهم، وينفث الدخان اللاسع في وجوه الناس.
ثم استحدث الإنسان تلوثا جديدا هو التلوث الضوضائي، بما اخترع من موتورات وماكينات وجرارات وكلاكسونات، ومكروفونات ومكبرات صوت ملأت الأسماع بالضوضاء إلى درجة الصمم، وانتهت الموسيقى الرومانسية الحالمة، وظهرت محلها أنواع جديدة من الموسيقى النحاسية الفوضوية الصاخبة، والطبول المجنونة والإيقاعات المدوية، وظهر الغيتار الكهربائي والأورغ الكهربائي والبيانو الإلكتروني، واختفى الناي الرقيق الخجول، واختفى العود الذي كان يداعب ويهمس ويوشوش، وأصبحت موسيقى البارات والحانات وعلب الليل شيئا غليظا فاحشا يخرق طبلة الأذن.
تلوث كل شيء، حتى الفضاء تلوث بما ألقى الإنسان فيه من آلاف الأقمار الصناعية، والسفن الفضائية، ومحطات التلصص والتجسس، وصواريخ الرصد والتصوير، وأفسدت هذه الأجسام الغريبة الطفيلية التي ألقى بها الإنسان في فضاء الكون العلاقات المغناطيسية المحمكة بين الكواكب، وأفسدت جو الأرض المغناطيسي فَجُنَّ الطقسُ، وأصبح البرد والحر والجفاف والمطر والطوفانات والأعاصير تأتي بخلاف معدلاتها المحسوبة وفي غير مواسمها، وانفجرت الزلازل والبراكين حيث لا يتوقع أحد أن تنفجر، وتغيرت خريطة الأرصاد الجوية، وقال البعض إنها مقدمات عصر جليدي.
ثم جاء أخطر أنواع التلوث في هذا العصر وهو التلوث الأخلاقي، بما استحدث الإنسان من وسائل إعلامية تدخل على الإنسان غرفة نومه، وتزاحم العائلة على مائدة العشاء، مثل التلفزيون والراديو والحواسيب والهواتف النقالة واللوحات بحجم الكف التي يحضنها النائم في نومه، ومن خلال هذه الوسائل الحميمة أصبح في إمكان النخب الماسونية المتحكمة  تقديم ما تريد للناس، وأصبح في الإمكان ترويج الأباطيل ونشر الأكاذيب، وأصبح في الإمكان الدعوة للشهوات بما يفرضه الفن الساقط المائع  على أسماع الناس جِهَاراً نـَهَاراً  من كلمات عارية، وما يعرضه على أعينهم من مغازلات وفضائح ورذائل وزنى، فيتربى الصغار على أن هذا هو الأمر الواقع، فينتهي الحياء، وبانتهاء الحياء تبدأ دولة القرود.
ونحن الآن سيداتي وسادتي قادمون على عصر القرود، بالرغم من أن الإنسان مشى على ما يبدو على القمر، وتحكم في طاقة البخار والبترول والكهرباء والذرة وغزا الفضاء، لكنه بقدر ما حكم هذه الأشياء بقدر ما فقد التحكم في  نفسه، وبقدر ما فقد السيطرة على نزواته وشهواته، ولهذا نجد أنفسنا اليوم أمامَ إنسانٍ أَقَلُّ رحمةً وأكثرُ عدوانيةً وحِقداً وكَراهيىةً وبُغضاً، وأَقَلُّ مَوَدَّةً وَأَقَلُّ عَطْفاً وَأَقَلُّ شَهَامَةً وَأَقَلُّ مُرُوءَةً، وأَقَلُّ صفاءً ونقاءً من إنسان العصر الزراعي المتخلف، فأبشروا سيداتي سادتي بمجيء عصر القرود.
ضفاف متوهجة بتصرف عن 'عصر القرود' للطبيب
والكاتب والأديب المصري مصطفى محمود رحمه الله
هوامش:
دي دي تي DDT : ثنائي كلورو ثنائي فينيل ثلاثي كلورو الإيثان هو مبيد حشري  استعمل منذ أربعينيات القرن العشرين على نطاق  واسع لمكافحة الآفات الحشرية، إلا أن آثاره الخطيرة على صحة الإنسان وآثاره السلبية على البيئة بشكل عام، وتأثيره المخرب على الحيوانات  أدى إلى حضر استعماله على نطاق واسع  في معظم الدول ابتداء من سنة 1973.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق