قراءة المراحيض

معظم القراءة التي تتم في المراحيض لا جدوى منها، ابتداء من الملخصات الأدبية، والمجلات المصورة، والقصص المسلسلة، وقصص التحقيقات البوليسية، وانتهاء بالقصص المثيرة، بل دأب البعض على وضع رفوف للكتب في المراحيض كما يحدث في غرف انتظار الأطباء، فهل مهمتها تكمن في أن تبعد عن أذهان الناس الألم المرتقب في أجسامهم وجيوبهم بخصوص الأطباء؟ أم لكي تعوضهم عن الوقت الضائع بخصوص المراحيض؟ على أي لكل امرئ ما نوى.
قد يصر الناس على أنهم يلتهمون الصحف، أو يلصقون آذانهم بأجهزة الراديو، أو يلصقون أعينهم على التلفزيون والحواسيب واللوحات والهوتف النقالة، لكي يبقوا قريبين وعلى اطلاع دائم على أحداث العالم وملتصقين كالعلق بمبترزاته عفوا بمبتكراته، لكن هذا محض تضليل، والحقيقة هي أنه حالما يُصبح هؤلاء الأفراد المثيرون للشفقة عاطلين يدركون الخواء المريع والمقزز للنفس بداخلهم، ولا يهم بعد ذلك بكل صراحة المصدر الذي يتغذون منه ما داموا لا يستطيعون مواجهة جحيم وعذاب أنفسهم.
حتى في المرحاض، حيث يعتقد المرء أنه من غير الضروري فعل أي شيء، حيث ينفرد المرء مرة على الأقل في اليوم لدقائق معدودات ليختلي بنفسه ليعرف قيمته الحقيقية، أما ما يقع بعد ذلك فيحدث آليا وبطريقة روتينية، وأعتقد أن كل فرد لديه مادته المفضلة للقراءة ليختلي بها في المرحاض، البعض يخوض في الروايات الطريفة، والبعض الآخر لا يقرؤون إلا أخف أنواع الهراء، ويكتفي البعض الآخر بتقليب الصفحات ونسج شتى أنواع الأحلام، ويحق للمرء أن يتساءل أي نوع من الأحلام تراود هؤلاء في المرحاض؟ كيف هي رائحة أنفاسها؟ وما الذي يشوب جمالها المصطنع؟
ينبغي ألا ننسى عند هذه النقطة إسداء نصيحة جيدة: إذا رَفَضَتْ أحشاؤك أن تعمل استشر طبيب أعشاب صيني، فلا تقرأ لكي تُلهي نفسك عن العمل الذي بين يديك، لأن ما يريده النظام التلقائي وما يستجيب له هو التركيز التام، سواء على الأكل، أم على النوم، أم على التغوط أو ما شئت، فإذا لم تتمكن من الأكل أو النوم، فذلك راجع  لأنك منزعج من شيء ما، لأن شيئا يشغل بالك، وبعبارة أخرى أنك شارد حيث لا ينبغي أن تكون، والأمر نفسه يصح على التغوط، خلص ذهنك من كل شيء ما عدا العمل الذي بين يديك، وتجنب النصيحة التي تحثك على أن تجرب أشياء كثيرة في وقت واحد، كاصطياد عصفورين بحجر واحد مثلا، فهي نصيحة غير صحيحة على الإطلاق وغير صحية وغير فعالة، واتبع الطريقة السهلة التي تنصحك بأن تعتني بالأشياء الصغيرة وسوف تعتني الأشياء الكبيرة بنفسها، هذه النصيحة يسمعها كل شخص وهو طفل، وقلائل هم الذين ينفذونها.
فإذا كانت تغذية الجسم والعقل أمرا ذا أهمية حيوية، فليس أقل أهمية تخليص الجسم والعقل مما يخدم الهدف، لأن ما لا يُسْتَخْدَمُ أو مُدَّخَرٌ يُصبح سَامّاً، هكذا يقول الحس السليم، فإذا لجأ المرء إلى المرحاض للتخلص من القذارة المتراكمة في جسمه، فإنه يتسبب لنفسه ضررا كبيرا باستخدام تلك اللحظات الثمينة في ملإ عقله بالبُرَازِ، وعلى هذا المنوال هل يُعْقَلُ  أن يأكل المرء ويشرب توفيرا للوقت أثناء استخدام المرحاض؟
والأفضل للمرء ألا يفكر في قراءة أي شيء، وأن يُبقي ببساطة ذهنه وأحشاءه مفتوحين، وإذا كان لا بد أن يفعل شيئا، فلماذا لا يصلي للخالق جل جلاله صلاة صامتة، صلاة شكر وامتنان لأن أحشاءه لا تزال تعمل بكفاءة بفضل الله رغم مرور الأعوام والسنين بدون أن يدفع قرشا واحدا لأي لص من اللصوص، وليفكر في المصيبة التي يمكن أن تنزل به إذا ما توقفت عن العمل وشُلَّتْ لا قدر الله، وأنا واثق من أنه ليس هناك كاتب على الإطلاق ولا حتى بين الموتى، يُرضيه ربط أعماله بشبكة الصرف الصحي، بل حتى الأعمال الداعرة لا يمكن الاستمتاع بها بصورة تامة في خلوة المرحاض، ولا يستطيع أن يستمتع بها إلا مُقْتَاتٌ أصيل على البُرَازِ.
 والمرحاض أو الكنيف أو الكابينة أو التواليت أو الركن الصغير أو السيد جون أو العرش أو مكان كاكا وخيخي عند الأطفال الصغار تعددت الأسماء والهدف واحد هو نوعان: شرقي وغربي، وأعتبر أن أفضل أنواع المراحيض كما يقول الأطباء هو المرحاض الشرقي  الذي لا يستطيع أن يقرأ وهو جالس عليه إلا بهلوان متمرس، في حين أن المرحاض الغربي يجعل المرء يشعر براحة واسترخاء  وكأنه موظف حكومي جالس على مقعد وثير وراء مكتب بإحدى الإدارات، والمرحاض الشرقي  ليس فيه لا مقعد ولا حوض، فقط حفرة مستديرة في الأرض مع حجرين لوضع القدمين من كل جانب من الحفرة، مما يجبر المرء العادي أن يزاول شيئا من الرياضة بثني ركبتيه أولا ثم ينكمش على نفسه ويقرفص، مما يضغط على المثانة والأحشاء ويهيؤها للإفراغ، وفي هذه الوضعية الغير مريحة تكون الرغبة شديدة في الانتهاء من العمل بأسرع وقت ممكن والمغادرة فورا، ولا مجال هنا للقراءة ولا لأي شيء آخر،  بخلاف المرحاض الغربي الذي بالإضافة إلى سهولة نقله للجراثيم والأمراض المعدية يعود الأمعاء على الاسترخاء والكسل والنوم مثل الكثير من الموظفين الحكوميين.
ثمة قول قديم مفاده: "دع أمعاءك مفتوحة واعتمد على الله"، هذا الكلام ينطوي على حكمة، وبصراحة أكبر، يعني إذا خلصت جسمك من السموم فسوف تتمكن من إبقاء ذهنك حرا نظيفا متيقظا، ومنفتحا ومتقبلا، سوف تكف عند ذلك عن الجري وراء معرفة كل شيء حتى أسرار جيرانك وزملائك في العمل، وتكف عن الشكوى والتبرم من حظك العاثر، وتكف عن الحقد والحسد والكذب والتملق والنفاق، وتكف عن أكل أموال اليتامى والفقراء والمساكين والبسطاء بالباطل، وتكف في آخر المطاف عن القلق حول مسائل وجودية لا تعنيك ولا ناقة لك فيها ولا جمل سوى التبجح أمام الملأ بأنك سيد المعارف، مثل كيف يجب أن يُدارَ الكون، وماهية الخالق، وماهية الخير والشر، وأين توجد الجنة وأين توجد النار، وكل هذا سوف يجنبك القراءة في المرحاض، لأن المرحاض بكل بساطة ليس ولم يكن قط مكانا للقراءة، وعند هذا الحد سوف تقوم بما يتناسب مع حجمك وما عليك القيام به في رحلتك الأرضية القصيرة هذه بسلام وسكينة وصفاء وبكل طمأنينة.   
ضفاف متوهجة بتصرف واسع عن 'القراءة في المرحاض'  
للروائي والرسام الأمريكي هنري ميلر (1891-1980)أن تجرب أشياء كثيرة في أن   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق